فصول الكتاب

سُورَةُ النَّبَأ
قوله تعالى: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26)
وروي عن ابنِ عباسٍ، قالَ: يستغيثُ أهلُ النارِ من الحَرّ فيُغاثون بريح
باردةٍ يُصَدعُّ العِظامَ بَرْدُها، فيسألون الحَرَّ.
وعن مجاهدٍ، قال: يهربون إلى الزمهريرِ، فإذا وقعُوا فيه حطَّمَ عِظامهم حتى يُسمع لها نَقيضٌ.
وعن كعْبٍ، قال: إنَّ في جهنَّم بردًا هو الزمهريرُ، يُسقِطُ اللحمَ حتى يستغيثوا بِحَرِّ جهنم.
وعن عبدِ الملكِ بنِ عُميرٍ، قال: بلغني أنَّ أهلَ النارِ سألوا خازنَها أن
يخرجَهُم إلى جانبها فأُخرِجوا فقتلَهُم البَرْدُ والزمهريرُ، حتى رجعُوا إليها
فدخلُوها ممَّا وجدُوا من البَرْدِ، وقد قال الله عزَّ وجلَّ: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (25) جَزَاءً وِفَاقًا (26) .
وقال اللَّه تعالى: (هَذَا فَلْيَذوقوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ) .
قال ابنُ عباسٍ: الغسَّاقُ: الزَّمْهريرُ البارِدُ الذي يُحرِقُ من بَرْدهِ.
وقال مجاهدٌ: هو الذي لا يستطيعون أن يذوقوه من بردِهِ.
وقيلَ: إن الغسَّاَقَ الباردُ المنتن؛ أجارنا اللَهُ تعالى من جهنَّم بفضلِهِ وكرمِهِ.

(2/533)

اعلم أن تفاوتَ أهلِ النارِ في العذاب هو بحسبِ تفاوتِ أعمالِهِم التي
دخلُوا بها النارَ، كما قال تعالى: (وَلِكَلٍّ دَرَجَاتٌ ممَا عَمِلُوا) .
وقال تعالى: (جَزَاءً وِفَاقًا) ، قال ابنُ عباسٍ: وافقَ أعمالَهُم، - فليسَ
عقابُ من تغلظ كفرُهُ وأفسدَ في الأرضِ ودعا إلى الكفرِ كمن ليس كذلك.
قال تعالى: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (88) .
وقال تعالى: (وَيَوْمَ تَفوم السَّاعَة أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشدَّ الْعَذَابِ) ..
وكذلك تفاوتُ عذابِ عصاةِ الموحدينَ في النارِ بحسبِ أعمالِهِم، فليس
عقوبةُ أهلِ الكبائرِ كعقوبةِ أصحابِ الصغائرِ، وقد يخفف عن بعضِهِم
العذابُ بحسناتٍ أُخرَ له أو بما شاءَ اللَّهُ من الأسبابِ، ولهذا يموتُ بعضُهم
في النارِ، كما سيأتي ذكرُهُ فيما بعدُ، إن شاء الله تعالى.
وأما الكفار إذا كانَ لهم حسنات في الدنيا من العدلِ والإحسانِ إلى الخلقِ
فهل يخففُ عنهم بذلكَ من العذابِ في النارِ أم لا؟
هذا فيه قولان للسلفِ وغيرِهم:
أحدُهُما: أنه يخففُ عنهم بذلك أيضًا، ورَوى ابنُ لهيعةَ عن عطاءِ بنِ دينار عن سعيدِ بن جبيرٍ معنى محذا القولِ، واختارَهُ ابنُ جرير الطبريُّ وغيرُهُ.
وروى الأسودُ بنُ شيبانَ عن أبي نوفل قال: قالتْ عائشةُ: يا رسول الله
أينَ عبدُ اللَّهِ بنُ جدعان؟
قال: "في النارِ" فجزعتْ عائشةُ واشتدَّ عليها، فلمَّا
رأى رسولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ذلك قال:
"يا عائشةُ ما يشتدُّ عليك من هذا؟ "
قالت: بأبي أنتَ وأمِّي يا رسولَ اللَّه، إنه كان يطعمُ الطعامَ ويصلُ الرَّحمَ، قال: "إنه يهونُ

(2/534)

عليه بما قلتِ " خرَّجه الخرائطيُّ في كتابِ "مكارمِ الأخلاقِ " وهو مرسلٌ.
وروى عامرُ بنُ مدركٍ الحارثيُّ عن عتبةَ بنِ اليقظانَ عن قيسِ بنِ مسلم.
عن طارقِ بنِ شهابٍ، عن عبد اللَّه بنِ مسعودٍ قال: قالَ رسولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -:
"ما أحسنَ من محسنٍ كافرٍ أو مسلمٍ، إلا أثابَهُ اللَّه عزَّ وجلَّ في عاجلِ الدنيا أو ادخرَ له في الآخرةِ"
قلنا: يا رسول اللَّه، ما إثابَةُ الكافرِ في الدنيا؟
قال: "إن كان قد وصلَ رحمًا أو تصدَّقَ بصدقة أو عملَ حسنةً أثابَهُ اللَّه المالَ والولدَ والصِّحة وأشباهَ ذلك "
قلنا: فما إثابةُ الكافرِ في الآخرةِ، قال: "عذابًا دونَ العذابِ "
ثم تلا: (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) .
خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ، والخرائطيُّ والبزارُ في "مسندِهِ" والحاكمُ في "المستدرك" وقالَ: صحيح الإسنادِ، وخرَّجهُ البيهقيُّ في كتابِ "البعث والنشور"
وقال: في إسناده نظر انتهى، وعتبةُ بنُ يقظانَ تكلَّم فيه بعضُهُم.
وقد سبقتِ الأحاديثُ في تخفيف العذابِ عن أبي طالب بإحسانِهِ إلى
النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -.
وخرَّج الطبرانيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ عن أمِّ سلمة أنَّ الحارثَ بن
هشامٍ أتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يومَ حجةِ الوداع: فقال: إنَّكَ تحثُّ على صل الرحم، والإحسانِ وإيواءِ اليتيم وإطعامِ الضعيفِ والمسكينِ، وكل هذا كان يفعلُه هشامُ ابنُ المغيرة، فما ظنُّك به يا رسول اللَّه؟
قال: "كلُّ قبرٍ لايشهدُ صاحبُه أن لا إله إلا اللَّه فهو حفرة من حفر النارِ، وقد وجدتُ عمِّي أبا طالبٍ في طمطامٍ من النارِ.
فأخرَّجَه الله بمكانِهِ منِّي وإحسانِهِ إليَّ فجعله في ضحضاحٍ من النارِ".
والقولُ الثاني: أن الكافرَ لا ينتفعُ في الآخرةِ بشيء من الحسناتِ بحالٍ،

(2/535)

ومن حجةِ أهلِ هذا القولِ قولُهُ تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً منثورًا) .
وقولُهُ تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ) .
ونحوُ هذه الآياتِ.
وفي "صحيح مسلم " عن أنس عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال:
"إنَّ اللَّه لا يظلم مؤمنًا حسنةً يعطَى بها في الدنيا وبجزى بها في الآخرةِ، وأمَّا الكافرُ فيطعَمُ بحسنات ما عملَ بها للهِ في الدُّنيا حتى إذا أفضَى إلى الآخرةِ لم تكنْ له حسنةٌ يُجزى بِهَا".
وفي روايةٍ له أيضًا: "إنَّ الكافرَ إذا عملَ حسنةً أطعمَ بها طعمةً في الدنيا، وأما المؤمن فإنَّ اللَّه يدخرُ له حسناتِه في الآخرةِ، وبعقبُ له رزقًا في الدنيا على طاعتِهِ ".
* * *