فصول الكتاب

سُورَةُ التَّكْويرِ
قوله تعالى: (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (6)
روى الإمامُ أحمد بإسنادٍ فيه نظرٌ عن يَعْلى بن أميّةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ:
"البحرُ هو جهنَّمُ " فقالُوا ليَعْلى، قال: ألا ترون أنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ يقول:
(نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سرَادِقُهَا) ، والذي نفسُ يعْلى بيده لا أدخلُها أبدًا
حتى أُعرَضَ على اللَّهِ عزَّ وجلَّ، ولا يصيبُني منها قطرةٌ حتَّى ألقى اللَّهَ عزَّ
وجلَّ.
وهذا إن ثبتَ فالمرادُ به أن البحارَ تفجرُ يومَ القيامةِ فتصيرُ بحرًا
واحدًا، ثم تسجرُ ويوقدُ عليها فتصيرُ نارًا وتزاد في نارِ جهنَّم.
وقد فسَّر غيرُ واحد من السلفِ قولَه تعالى: (وَإِذَا الْبِحَارُ سجِّرَتْ)
بنحوِ هذا.
وروى المباركُ بنُ فضالةَ عن كثيرٍ أبي محمدٍ عن ابنِ عباسٍ، قال: تسجرُ
حتى تصير نارًا.
وروى مجاهدٌ عن شيخ من بجيلةَ عن ابنِ عباسٍ (وِإذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ)
قال: تكورُ الشمسُ والقمرُ والنجومُ في البحرِ فيبعثُ اللَّهُ عليها ريحًا دبورًا
فتنفخه حتى يرجعَ نارًا.
خرَّجه ابنُ أبي الدنيا وابنُ أبي حاتمٍ.
وخرَّج ابنُ أبي الدنيا وابنُ أبي حاتم أيضًا من طريقِ مجالدٍ، عن الشعبيِّ،

(2/537)

عن ابنِ عباس في قولِهِ تعالى: (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ)
قال: هو هذا البحرُ تنتثرُ الكواكبُ فيه وتكوَّرُ الشمسُ والقمرُ فيكونُ هو جهنَّمُ.
ورَوى ابنُ جريرٍ بإسنادِهِ عن سعيدِ بن المسيبِ عن عليئّ أنه قال رجلٌ من
اليهودِ: أينَ جهنم؟
قال: البحرُ، قال عليٌّ: ما أراه إلا صادقًا، قال تعالى:
(وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) ، وقال: (وِإذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ) .
ورواه آدمُ بنُ أبي إياسٍ في "تفسيره" عن حمادِ بن سلمةَ عن داودَ بنِ أبي
هندٍ عن سعيدِ بنِ المسيبِ، قال: قال عليٌّ ليهودي": أين جهنم؟
قال: تحتَ البحر، قالَ عليٌّ: صدق ثم قرأ: (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ) .
وخرَّجه في مواضعَ أُخرَ منه، وفيه ثُمَّ قرأ (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) .
وخرَّج ابنُ أبي حاتم بإسنادِهِ عن أبي العاليةَ عن أبيِّ بنِ كعب - رضي الله عنه - (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ) قال: قالتِ الجنُّ للإنسِ: نأتيكُم بالخبرِ، فانطلقُوا إلى البحرِ فإذا هو نارٌ تأججُ.
وعن ابنِ لهيعةَ عن أبي قبيلٍ قال: إنَّ البحرَ الأخضرَ هو جهنَّمُ.
وروى أبو نُعيمٍ بإسنادِهِ عن كعبٍ في قوله تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ) ، قال: تبدلُ السماواتُ فتصيرُ جنانًا، وتبدلُ
الأرضُ فيصير مكانَ البحرِ النارُ.
وقد سبق عن ابنِ عباسٍ أنه قال: النارُ سبعةُ أبحرٍ مطبقةٌ.
وروى عن عبد اللَّه بن عمرٍو - رضي الله عنهما - أنه قال:
لا يتوضأ بماءِ البحر لأنه طبقُ جهنَّمَ.
وكذا قال سعيدُ بنُ أبي الحسنِ أخو البصريّ: البحرُ طبقُ جهنَمَ.

(2/538)

وفي "سننِ أبي داود" عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:
"لا يركبُ البحرَ إلا حاجٌّ أو معتمرٌ أو غازٍ في سبيلِ الله، فإنَّ تحت البحرِ نارًا وتحتَ النارِ بحرًا ".
وخرَّج ابنُ أبي حاتم بإسنادِهِ عن معاويةَ بن سعيدٍ، قال: إنَّ هذا البحرَ -
يعني بحر الروم - وسطَ الأرضِ، والأنهارُ كلّها تصبُّ فيه، والبحرُ الكبيرُ
يصبُّ فيه، وأسفلُهُ آبارٌ كلها مطبقةٌ بالنحاسِ، فإذا كان يوم القيامةِ أسجرَ.
وذكر ابنُ أبي الدنيا عن العباسِ بنِ يزيد البحراني، قال: سمعتُ الوليدَ
ابنِ هشامٍ وقلتُ له": عمن أخذتَ هذا؟
قال: عن رجل من أهلِ الكتابِ أسلمَ فحسنَ إسلامُهُ، قال: لمَّا التقم الحوتُ يونسَ عليه السلامُ جالَ به الأبحرَ السبعة، فلمَّا كان آخر ذلك انْتهى به الحوتُ إلى قعرِ البحر، موضعٌ يلَي قعرَ جهنَّمَ، فسبحَ يونسُ في بطنِ الحوتِ، فسمعَ قارونُ تسبيحَهُ وهو في النارِ.
وذكرَ بقية الخبر.
وروى قيسُ بنُ الربيع عن عبيدِ المكتبِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عمرَ - رضي الله عنهما - عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -
"إنَّ جهنَّم محيطة بالدنيا، وإن الجنةَ مِنَ ورائه، فلذلك كان الصراطُ
على جهنّم طريقًا إلى الجنة"
غريبٌ منكرٌ.
وقد رُوي عن بعضِهم ما يدلُّ على أن النارَ في السماءِ.
وروى مجاهدٌ قال في قولهِ تعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا توعَدُونَ)
قال: الجنةُ والنارُ، وكذا قال جويبرٌ عن الضحاكِ.
وروى عاصمٌ عن زرٍّ عن حذيفةَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "أوتيتُ بالبراقِ فلم نزايلْ

(2/539)

طرفَه أنا وجبريلُ حتَّى أتينا بيتَ المقدس.
وفُتحتْ لنا أبوابُ السماءِ، ورأيتُ الجنةَ والنارَ"
خرَّجه الإمامُ أحمدُ وغيرُه " قال في روايةِ المروزيِّ وفي حديثِ
حذيفةَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:
"رأيتُ ليلةَ أسري بي الجنةَ والنارَ في السماءِ فقرأتُ هذه الآية:
(وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) فكأنَي لم أقرأها قط "
وهو تصديقٌ لما قاله حذيفةُ، نقله عنه الخلالُ في كتابِ "السنة".
وهذا اللفظُ الذي احتجَّ به الإمامُ أحمدُ لم نقفْ عليه بعدُ في حديثه
وإنَّما رُوىَ عنه ما تقدَّم.
ورُوي عن حذيفةَ أنه قال: واللَّهِ ما زال البراقُ حتَّى فُتحتْ لهما أبوابُ
السماء ورأيا الجنةَ والنارَ، ووعدَ اللَّهُ الآخرةَ أجمعَ ولم يرفعْهُ، وهذا كلُّه
ليسَ بصريح في أنَّه رأى النارَ في السماءِ كما لا يَخْفى.
وأيضًا فعلى تقدير صحةِ ذلك اللفظ لا يدلُّ على أنَّ النارَ في السماءِ.
وإنما يدلُّ على أنه رآها وهو في السماءِ والميتُ يرى في قبره الجنةَ والنارَ
وليستِ الجنةُ في الأرضِ.
وقد رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاةِ الكسوفِ الجنةَ والنارَ وهو في الأرض، وكذلك في بعضِ طرقِ حديثِ الإسراءِ - حديث أبي هريرة - أنَّه مرَّ على أرضِ الجنةِ والنارِ في مسيره إلى بيتِ المقدسِ، ولم يدلَّ شيءٌ من ذلك على أنَّ الجنةَ في الأرض، فحديثُ حذيفةَ إن ثبتَ أنه رأى الجنةَ والنارَ في السماءِ، فالسماءُ ظرفٌ للرؤيةِ لا للمرئيِّ، واللَّه أعلمُ.
وفي حديثِ أبي هارون العبديِّ، وهو ضعيفٌ جدًّا عن أبي سعيد،