فصول الكتاب

سُورَةُ المُطَفِّفينَ
قوله تعالى (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7)
روى عطيةُ عن ابنِ عباسٍ، قال: الجنةُ في السماء السابعةِ، ويجعلُها اللهُ
حيثُ يشاءُ يومَ القيامةِ، وجهنَّم في الأرضِ السابعةِ.
خرَّجه أبو نُعيمٍ.
وخرَّج ابنُ منده من حديثِ أبي يحيى القتاتِ عن مجاهد، قال: قلتُ
لابنِ عباسٍ: أين الجنَّةُ؟
قال: فوقَ سبع سماوات، قلتُ: فأين النارُ؟
قال: تحتَ سبع أبحرٍ مطبقةٍ.
وروى البيهقيُّ بإسنادِ فيه ضعف عن أبي الزعراءَ عن ابنِ مسعودٍ، قال:
الجنَّة في السماءِ السابعةِ العُليا، والنارُ في الأرضِ السابعةِ السفلَى، ثمَّ قرأ:
(إِن كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ) و (إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ) .
وخرَّجه ابنُ منده وعنده: "فإذا كان يومُ القيامةِ جعلَها اللَهُ حيثُ شاءَ".
وقال محمدُ بنُ عبد الله بن أبي يعقوبَ، عن بشرِ بنِ شغافٍ، عن عبدِ
اللَّهِ بنِ سلامٍ، قال: إن الجنًّةَ في السماءِ، وإن النارَ في الأرضِ.
خرَّجه ابنُ خزيمةَ وابنُ أبي الدنيا.
ورَوى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ، عن قتادة، قال: كانُوا يقولونَ: إنَّ الجنَّةَ في
السمواتِ السبع، وإنَّ جهنَّم لفي الأرضينَ السبع.
وروى ورقاءُ عن ابنِ أبي نجيح عن مجاهد:

(2/546)

(وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا توعَدُونَ) .
قال: الجنةُ في السماءِ، وقد استدلَّ بعضُهم لهذا بأنَّ
اللَّهَ تعالى أخبرَ أنَّ الكفارَ يُعرضونَ على النارِ غدوًّا وعشيًّا - يعني في مدةِ
البرزخ - وأخبر أنه لا تُفتَّح لهم أبوابُ السماءِ، فدلَّ على أنَّ النارَ في
الأرضِ، وقال تعالى: (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7) .
وفي حديثِ البراء بنِ عازبٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في صفةِ قبضِ الروح، قال في روح الكافرِ:
"حتَّى ينتهُوا بها إلى السماءِ الدنيا فيستفتحونَ فلا يُفتحُ له " ثم قرأ
رسولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - ّ: (لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) .
قال: "يقولُ الله تعالى: اكتُبُوا كتابَه في سجين في الأرضِ السُّفلى"
قال: "فتُطرحُ روحُه طرحًا".
خرَّجه الإمامُ أحمدُ وغيرُه.
وعن أبي هريرة عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في صفةِ قبضِ الروح وقال في روح الكافرِ:
"فتخرجُ كأنتنِ ريح جيفةٍ، فينطلقونَ به إلى بابِ الأرضِ فيقولونَ. ما أنتنُ هذه الريحَ، كلما أتَوا على أرضٍ قالُوا ذلكَ، حتى يأتُوا به إلى أرواح الكفار".
خرَّجه ابنُ حبانَ والحاكمُ وغيرُهما.
وقال عبدُ اللَّهِ بنُ عمرِو بنِ العاصِ في: أرواحُ الكفارِ
في الأرضِ السابعةِ.
* * *

(2/547)

قوله تعالى: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (16) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (17)
وأعظمُ عذابِ أهلِ النارِ حجابُهم عن اللَّه عزَّ وجلَّ، وإبعادُهم عنه.
وإعراضُه عنهم، وسخطُه عليهم، كما أنَّ رضوانَ اللَّه على أهلِ الجنةِ أفضلُ
من كلِّ نعيم الجنة، وتجليه لهم ورؤيتهم إيَّاهُ أعظمُ من جميع أنواع نعيم
الجنةِ، قال اللَّه تعالى: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (16) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (17) .
فدْكر اللَّهُ تعالى ثلاثةَ أنواعٍ من العذابِ:
حجابُهم عنه، ثم صليهم الجحيمَ، ثم توبيخُهم بتكذيبِهِم به في الدنيا.
ووصفَهُم بالرانِ على قلوبِهِم، وهو صدأُ الذنوب الذي سوَّد قلوبَهُم، فلم
يصلْ إليها بعدَ ذلك في الدنيا شيءٌ من معرفةِ اللًّهِ ولا منْ إجلالِهِ ومهابتِهِ
وخشيتِهِ ومحبتِهِ، فكما حجبتْ قلوبُهم في الدنيا عن اللَّهِ حجبوا في الآخرةِ
عن رؤيتِهِ، وهذا بخلافِ حالِ أهلِ الجنةِ.
قال اللَّه تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ) ، والذي أحسنوا هم أهلُ الإحسانِ، والإحسانُ أن يعبدَ العبدُ ربَّهُ
كانّه يراهُ، كما فسَّره النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لما سأله عنه جبريلُ عليه السلام، فجعلَ جزاء الإحسانِ الحسنى: وهو الجنَّةُ، والزيادةُ: وهي النظرُ إلى وجهِ اللَّه عزَّ وجلَّ، كما فسَّرهُ بذلك رسولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ صهيبٍ وغيرِهِ.

(2/548)

قال جعفرُ بنُ سليمانَ: سمعتُ أبا عمرانَ الجونيَّ قال: إنَّ اللَّه لم ينظرْ
إلى إنسانٍ قطُّ إلا رحِمَهُ، ولو نظرَ إلى أهلِ النارِ لرحمَهُم، ولكن قضَى أن
لا ينظرَ إليهم.
وقال أحمدُ بنُ أبي الحواريِّ: حدثنا أحمدُ بنُ موسى عن أبي مريم، قال:
يقول أهلُ النارِ: إلهَنا ارضَ عنَّا وعذبْنا بأيِّ نوعٍ شئتَ من عذابِكَ، فإن
غضبَك أشدُّ علينا من العذابِ الذي نحنُ فيه، قال أحمدُ: فحدثتُ سليمانَ
ابنَ أبي سليمانَ، فقال: ليس هذا كلامُ أهلِ النارِ، هذا كلامُ المطيعينَ للَّه.
قال: فحدثتُ به أبا سليمانَ، فقالَ: صدق سليمانُ بنُ أبي سليمانَ -
وسليمانُ وهو ولدُ أبي سليمانَ الدرانى، وكان عارفًا كبيرَ القدرِ رحمه اللَّهُ -
وما قاله حقّ، فإنَّ أهلَ النارِ جهالٌ لا يتفطنونَ لهذا، وإن كان في نفسِهِ حقًّا، وإنَّما يعرفُ هذا مَنْ عرفَ اللَّهَ وأطاعَهُ، ولعل هذا يصدرُ من بعضِ من
يدخلُ النارَ من عصاةِ الموحدينَ، كما أن بعضَهُم يستغيثُ باللَّهِ لا يستغيثُ
بغيره، فيخرجُ منها، وبعضُهم يخرجُ منها برجائِهِ للَّه وحدَهُ، وبعضُ من
يؤمرُ به إلى النارِ يتشفع إلى اللَّه بمعرفتِهِ فينجيهِ منها.
قال أبو العباس بنِ مسروقٍ: سمعتُ سويدَ بنَ سعيد يقولُ: سمعتُ
الفضيلَ بنَ عياضٍ، يقول: يوقفُ رجل بين يدي اللَّهِ عزَّ وجلَّ، لا يكونُ
معه حسنة، فيقول اللَّهُ عزَّ وجلَّ: اذهبْ هل تعرفُ أحدًا من الصالحينَ أغفرُ
لكَ بمعرفتهِ، فيذهبُ فيدورُ مقدارَ ثلاثين سنة فلا يرى أحدًا يعرفُهُ، فيرجعُ
إلى اللَّه عزَّ وجلَّ، فيقولُ: يا ربِّ لا أرى أحدًا، فيقولُ اللَّه عزَّ وجلَّ:
اذهبُوا به إلى النارِ، فتتعلقُ به الزبانيةُ يجرُّونه، فيقول: يا ربِّ إن كنتَ تغفر
لي بمعرفة المخلوقينَ فإني بوحدانيتِكَ أنت أحقُّ أن تغفرَ لي، فيقولُ اللَّه - عز وجل -