فصول الكتاب

سُورَةُ البَلَدِ
قوله تعالى: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11)
رَوى عطيةُ عن ابنِ عمرَ في قولِهِ تعالى: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) .
قال: جبلُ زلزالٍ في جهنَّمَ.
وروى ابن أبي حاتمم بإسناده عن كعب، قال: اقتحام العقبة في كتاب اللَّه
- يعني: قوله: (فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) - سبعين درجة في النار.
وعن ضمرة قال: سمعت أبا رجاء قال: بلغني أن العقبة التي ذكر اللَّه في
كتابه: مطلعها سبعة آلاف سنة، ومهبطها سبعة آلاف سنة.
وعن عطية، عن ابن عمر، قال في العقبة: "جبل في جهنم، أفلا أجاوزه
بعتق رقبة؟! ".
وعن مقاتل بن حيان، قال: هي عقبة في جهنم، قيل: بأي شيء تقطع؟
قال: رقبة.
وفي "الصحيحين "، ولفظه للبخاري عن ابن عمر قال: رأيت في المنام
أنه جاءني ملكان في يد كل واحد منهما مقمعة من حديد، ثم لقيني ملك
في يده مقمعة من حديد، قالوا: لن تُرعَ، نِعْمَ الرجلُ أنت لو كنت

(2/587)

تكثر الصلاة من الليل، فانطلقوا بي، حتى وقفوا بي على شفير جهنم، فإذا
هي مطوية كطي البئر، لها قرون كقرون البئر، بين كل قرنين ملك بيده
مقمعة من حديد، وإذا فيها رجال معلقون بالسلاسل رءوسهم أسفلهم.
وعرفت رجالاً من قريش، فانصرفوا بي عن ذات اليمين، فقصصتها على
حفصة، فقصتها حفصة على رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "إن عبد الله رجل صالح".
* * *
قوله تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9)
قال اللَّه عزَّ وجلَّ: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8) .
وقال عزَّ وجلَّ: (قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (23) .
وقال: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78) .
وقال: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (9) .
قال مجاهدٌ: هذه نعَمٌ من اللَّه متظاهرة يقرِّرُكَ بها كيما تشكر.
وقرأ الفُضيلُ ليلةً هذه الآية، فبكى، فسُئلَ عن بكائِهِ، فقال: هل بِتَّ ليلةً
شاكرًا للَّه أن جعلَ لك عينينِ تُبصر بهما؟ هل بِتَّ ليلةً شاكرًا للَّه أنْ جعلَ
لك لسانًا تنطقُ به؟ وجعلَ يعدِّدُ من هذا الضَّرْبِ.
وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن سلمانَ الفارسيِّ، قال: إنَّ رجلاً بُسِطَ له

(2/588)

منَ الدنيا، فانتُزِعَ ما في يديه، فجعل يحمَدُ اللَّه عزَّ وجلَّ، ويُثني عليه.
حتَّى لم يكنْ له فراشٌ إلا بوري فجعلَ يحمدُ اللَّهَ، ويُثني عليه، وبُسِطَ
لآخرَ من الدنيا، فقال لصاحبِ البُوري (1) : أرأيتك أنتَ على ما تحمدُ اللَّهَ عزَّ وجلَّ؟
قال: أحْمَدُهُ على ما لو أُعْطِيتُ به ما أعْطيَ الخلْقُ، لم أُغطِهِمْ إيَّاه.
قال: وما ذاك؟
قال: أرأيت بصرَك؟ أرأيتَ لسانَك؟ أرأيتَ يديك؟ أرأيتَ
رجلَيْك؟
وبإسنادِهِ عن أبي الدرداءِ أنه كان يقولُ: الصحَّةُ غِنى الجسدِ.
وعن يونسَ بنِ عبيدٍ: أنَّ رجلاً شكا إليه ضيقَ حالِهِ، فقال له يونسُ:
أيسُرُّك أنَّ لك ببصرِك هذا الذي تُبْصِرُ به مائةَ ألف درهم؟
قال الرجل: لا.
قال: فبرجليك؟
قال: لا، قال: فذكَّره نِعَمَ اللَّه عليه، فقال يونسُ: أرى
عندك مِئين ألوفٍ وأنت تشكو الحاجةَ.
وعن وهبِ بنِ مُنبِّهٍ، قال: مكتوبٌ في حكمةِ آلِ داودَ: العافيةُ المُلك
الخفيُ.
وعن بكرٍ المزنيِّ، قال: يا ابنَ آدمَ، إنْ أردتَ أنْ تعلم قدرَ ما أنعم اللَّه
عليك، فغمِّض عينيك.
وفي بعض الآثارِ: كم منْ نِعمَةٍ للَّه في عرقٍ ساكنٍ.
وفي "صحيح البخاري" عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "نعْمتانِ مغْبُون فيهما كثيرٌ من الناسِ: الصحَّةُ والفراغُ ".
__________
(1) البوري: هو الحصير المنسوج.

(2/589)