فصول الكتاب

سُورَةُ الضُّحَى
قوله تعالى: (وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (3) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (7) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (8) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (11)
وقال في سورةِ الضُّحى: لما توالى فيها قسَمانِ، وجوابَانِ مثبتان، وجوابان
نافيانِ، فالقسمانِ: (وَالضُّحَى (1) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (2) .
والجوابان النافيان: (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) .
والجوابان المثبتان: (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (4) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (5) .
ثم قررَ بنعمٍ ثلاث، وأتبعهنَّ بوصايا ثلاث: كل واحدة من الوصايا شكرُ
النعمةِ التي قوبِلَتْ بها.
فإحداهنَّ: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَثِيمًا فَآوَى) وجوابها: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ) .
والثانية: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى) فقابلها بقولِهِ: (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ) .
وهذا لأنَّ السائلَ ضالٌّ يبغي الهُدى.
والثالثةُ: (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى) فقابَلها بقوله: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) .
وإنَّما قال: (وَمَا قَلَى) ولم يقلْ: وما قلاكَ، لأن القِلَى بغضٌ بعدَ حبٍّ.

(2/591)

وذلك لا يجوز على اللَّهِ تعالى.
والمعنى: وما قلى أحدًا قط، ثم قال:
(وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لكَ مِنَ الأُولَى) ولم يقلْ: خير على الإطلاقِ، وإنَّما المعنى خير
لك ولمن آمن بك.
وقوله: (فَآوَى) ولم يقلْ: فآواك، لأنه أرادَ: آوى بك إلى يومِ القيامةِ.
* * *
قوله تعالى: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى)
وقال لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى) .
والمرادُ وجدَك غيرَ عالم بما علَّمَك من الكتابِ والحكمةِ، كما قالَ تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ) فالإنسانُ يُولدُ مفطورًا على قبولِ الحقّ، فإنْ هداه اللَّهُ سبَّبَ له منْ يعلمُهُ الهُدى، فصارَ مهتديًا بالفعلِ بعدَ أن كان مهتديًا بالقوَّةِ، وإنْ خذَلَهُ قيَّضَ له من يعلِمُهُ ما يُغيرُ فطرتَه، كما قال - صلى الله عليه وسلم -:
"كلُّ مولود يولد على الفطرةِ، فأبواه يُهَوِّدَانِهِ ويُنصرانِهِ ويمجِّسانِهِ ".
* * *

(2/592)