فصول الكتاب

سُورَةُ التَّكَاثُرِ
قوله تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8)
هذه النعم مما يُسئلُ الإنسانُ عن شكرها يومَ القيامة، ويُطالب به، كما قالَ
عزَّ وجلَّ: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (8) .
وخرَج الترمذيُّ وابنُ حبَّانَ من حديث أبي هريرة عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قالَ:
"إنَ أوَّلَ ما يُسألُ عنه العبد يومَ القيامة مِن النعيم، فيقولُ له: ألم نصحَّ لك جِسمَكِ ونُرْويكَ من الماءِ الباردِ؟ ".
وقال ابنُ مسعودٍ - رضي الله عنه -: النعيمُ: الأمنُ والصحةُ.
ورويَ عنه مرفوعًا.
وقال علي بن أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ في قولهِ: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) ، قال: النعيمُ: صحَّةُ الأبدانِ والأسماع والأبصارِ، يسألُ
اللَّهُ العبادَ: فيما استعملُوها؟
وهو أعلمُ بذلك منهم، وهو قولُه تعالى:
(إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36) .
وخرَّجَ الطبرانيُّ من روايةِ أيوبَ بنِ عُتبةَ - وفيه ضعفٌ - عن عطاءٍ، عن
ابنِ عمرَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -:
"من قالَ: لا إلهَ إلا اللَهُ، كانَ لهُ بها عهدٌ عندَ اللَّهِ، ومن
قالَ: سبحانَ اللَهِ وبحمدِهِ، كتِبَ له بها مائةُ ألفِ حسنةٍ، وأربعةٌ وعشرونَ ألف حسنةٍ"
فقالَ رجلٌ: كيفَ نَهلِكُ بعدَ هذا يا رسولَ اللَّهِ؟
قال: "إنَّ الرجلَ ليأتي يومَ

(2/624)

القيامة بالعملِ، لو وُضِعَ على جبلٍ لأثقله، فتقومُ النِّعمَةُ مِن نِعم اللَّهِ، فتكاد أن تستنفدَ ذلك كلَّه، إلا أن يتطاول اللَّه برحمته ".
وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادٍ فيه ضعف - أيضًا - عن أنسٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -
قالَ: "يُؤتى بالنعمِ يومَ القيامةِ، وبالحسناتِ والسيئاتِ، فيقولُ الله لنعمةِ مِنْ نعمهِ: خذي حقكِ من حسناتِهِ فما تتركُ له حسنةً إلا ذهبتْ بِهَا".
وبإسناده عن وهبِ بنِ منبهٍ، قالَ: عبدَ اللَّهَ عابدٌ خمسينَ عامًا، فأوحى
اللَّهُ عزَّ وجلَّ إليه: إنِّي قد غفرتُ لكَ، قال: يا ربِّ، وما تغفرُ لي ولم
أذنبْ؟ فأذِنَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ لعرْقٍ في عنقه فضرب عليه، فلم ينم، ولم يُصلِّ، ثم سكنَ وقامَ، فأتاه مَلَكٌ، فشكا إليه ما لقيَ من ضربان العرقِ، فقالَ
الملكُ: إنَّ ربَّك عزَّ وجلَّ يقول: "عبادتُك خمسين سنة تعدلُ سكون ذا العرقِ ".
وخرَّج الحاكمُ هذا المعنى مرفوعًا من روايةِ سليمانَ بنِ هرمٍ القرشيِّ عن
محمدِ بنِ المنكدرِ عن جابر عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: أن جبريل أخبرهُ أن عابدًا عبدَ اللَّهَ على رأسِ جبلٍ في البحرِ خمسَ مائةِ سنةَ، ثم سأل ربَّه أن يقبضهُ وهو ساجد، قال: فنحنُ نمُرُّ عليهِ إذا هبطْنَا وإذا عرَجنا، ونجدُ في العلمِ أنه يُبعث يومَ القيامةِ، فيوقف بينَ يدي الله عزَّ وجلَّ، فيقول الربُّ عزَّ وجلَّ: أدخلوا عبدي الجنةَ برحمتِي، فيقولُ العبدُ: يا ربِّ، بعملِي، ثلاثَ مرَّاتٍ، ثم يقولُ اللَّهُ للملائكةِ: قايسُوا عبدِي بنعمَتي عليه وبعملِهِ، فيجدونَ نعمةَ البصرِ قد أحاطتْ بعبادَة خمسِ مائةِ سنةٍ، وبقيتْ نِعَمُ الجسدِ لهُ، فيقولُ: أدخلوا عَبْديَ النارَ، فيُجرُّ إلى النارِ، فينادِي رَبَّه: برحمتكَ أدخلني الجنةَ، برحمتكَ،

(2/625)

فيدخلُه الجنةَ، قالَ جبريلُ: إنما الأشياء برحمةِ اللَّهِ يا محمد.
وسُليمانُ بن هرمٍ، قال العقيليُّ: هو مجهولٌ وحديثُه غيرُ محفوظ.
وروى الخرائطيُّ بإسناد فيه نظرٌ، عن عبدِ اللَهِ بن عمرٍو مرفرعًا:
"يُؤتَى بالعبدِ يومَ القيامةِ، فيُوقَفُ بين يدي اللَّهِ، فيقولُ لملائكتهِ: انظرُوا في عملِ عبدِي ونعمتِي عليهِ، فينظرونَ فيقولونَ: ولا بقدْرِ نعمةٍ واحدةٍ من نِعَمكَ عليهِ، فيقولُ: انظروا في عملِهِ سيِّئه وصالحِهِ، فينظرونَ فيجدونَ كَفَافًا، فيقولُ: عبدِي، قد قبلتُ حسناتِك، وغفرتُ لك
سيِّئاتِكَ، وقد وهبتُ لكَ نِعَمِي فيمَا بينَ ذلكَ ".
* * *

(2/626)