فصول الكتاب

سُورَةُ النَّصْرِ
قوله تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3)
جاءَ في حديثٍ أنَّها: "تَعْدِل ربعَ القرآنِ ".
وهيَ مدنية بالاتفاقِ؛ بمعْنَى: أنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ الهِجْرَةِ إلى المدينةِ، وهِيَ مِنْ
أواخرِ ما نَزَلَ.
وفي "صحيح مسلم " عَن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: آخرُ سورةٍ نَزَلَت من القرآنِ
جميعًا: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) .
واختُلفَ في وقتِ نزولِهَا، فقيلَ: نزلتْ في السَّنَة الَّتي تُوفِّيَ فيهَا
رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -.
وفي "مسندِ الإمامِ أحمدَ" عَنْ محمدِ بنِ فُضيلٍ عَنْ عطاء عَنْ سعيدِ بنِ
جبيرٍ عَنْ ابنِ عباسٍ قالَ: لما نزلَتْ: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ)
قالَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:
"نُعِيَتْ إليَّ نفسي " بأنَّه مقبوضٌ في تلكَ السنة.
عطاءٌ هو ابنُ السائب اختلطَ بآخِرَةٍ.

(2/639)

ويشهدُ لهُ مَا أخرجَهُ البزارُ في "مسندِهِ " والبيهقي مِنْ حديثِ موسى بنِ
عبيدةَ عَنْ عبدِ اللَّهِ بنِ دينار وصدقةَ بنِ يسار عَنْ ابنِ عُمَرَ قال: نزلتْ هذه
السورةُ علَى رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بمنًى، وهوَ في أوسطِ أيامِ التشريقِ في حَجَّةِ الوداع (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) فَعَرِفَ أنَّه الوداعُ، فأمرَ براحلتِهِ القصواءَ، فرُحلتْ لَهُ، ثمَّ ركبَ، فوقفَ للناسِ بالعقبةِ، فحمدَ اللَّهَ وأثنَى عليهِ - وذكرَ خطبةً طويلة".
هذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا، ومُوسى بنُ عبيدةَ قال أحمدُ: لا تحلُّ عِنْدِي
الروايةُ عنْهُ.
وعنْ قتادةَ قال: عاشَ رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعْدَهَا سنتينِ.
وهذا يَقْتَضِي أَنَّها نزلتْ قَبْلَ الفتح، وهذا هو الظاهرُ لأنَّ قولَهُ: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) يَدُلُّ دلالةً ظاهرة على أنَّ الفتحَ لم يكنْ قَدْ جاءَ بعدُ، لأنَّ
"إذَا" ظرفٌ لِمَا يُستقبلُ مِنَ الزَّمانِ، هذا هو المعروفُ في استعمَالِهَا، وإنْ كانَ قَدْ قِيلَ: إنَّها تَجيءُ للماضِي كقولِهِ: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا) .
وقوله: (وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ
عَلَيْهِ) .
وقدْ أُجيبَ عَنْ ذلكَ بأنَّه أُريدَ أَنَّ هذا شأنُهم ودأبهُم، لم يُرِدْ بِهِ الماضي
بِخُصُوصِهِ، وسنذكرُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال بعد نزول هذهِ السورةِ: "جاءَ نصرُ اللَّهِ والفتح، وجاءَ أهلُ اليمنِ ".
ومجيءُ أهْلِ اليَمَنِ كانَ قبلَ حَجَّةِ الوداع.

(2/640)

قولُه تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) .
أمَّا نصرُ اللَّهِ فهُوَ معونتُه علَى الأعداءِ حتَّى غَلَبَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - العربَ كلَّهم، واستولَى عليهِم مِنْ قريشٍ وهوازنَ وغيرِهم، وذكرَ النقَاشُ عنْ ابنِ عبَّاسٍ أنَّ النصرَ: هو صُلْحُ الحديبيةِ.
وأمَّا الفتحُ فقيلَ: هُوَ فتحُ مكةَ بخصوصِهَا، قالَ ابنُ عبَّاسٍ وغيرُه: لأنَّ
العربَ كانتْ تنتظرُ بإسلامِهَا ظهورَ النبي - صلى الله عليه وسلم - على مكةَ.
وفي "صحيح البخاريِّ " عَنْ عمرِو بنِ سلمةَ قالَ: لمَّا كانَ الفتحُ بادَرَ كُلُّ
قومٍ بإسلامِهِم إلى رسولِ اللَّه - صلى الله عليه وسلم - وكانتِ الأحياءُ تلوَّمُ بإسلامِهَا فتحَ مكةَ فيقولونَ: دعُوهُ وقومَه، فإنْ ظهرَ عليهِم فهوَ نبي - صلى الله عليه وسلم -.
وعن الحسنِ قالَ: لمَّا فتحَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مكةَ، قالتِ العربُ: أمَّا إذا ظَفَر محمدٌ بأهلِ مكةَ، وقدْ أجارَهُمُ اللَّهُ مِنْ أصحابِ الفيلِ فليسَ لكم به يدانِ، فدخلُوا في دينِ اللَّهِ أفواجًا.
وقيلَ: إنَّ الفتحَ يَعُمُّ مكةَ وغيرَها مما فُتِحَ بَعْدَهَا من الحصونِ والمدائنِ.
كالطائفِ وغيرِها مِنْ مُدنِ الحجازِ واليمنِ وغيرِ ذلكَ، وهُوَ الذي ذكرهُ ابنُ
عطيةَ.
وقولُهُ: (وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا) .
المرادُ بالنَّاسِ العمومُ على قولِ الجمهورِ، وعَنْ مقاتل: أنَّهم أهل اليمنِ.
وفي "مسندِ الإمامِ أحمدَ" مِنْ طريقِ شعبةَ عَنْ عمرِو بن مرةَ عَنْ أبي
البَخْتريِّ عن أبي سعيد الخدري عن النبيّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ: لمّا نزلتْ هذه السورةُ:

(2/641)

(إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ) ، قالَ: قرأَهَا رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حتَّى خَتَمَها فقالَ: "الناسُ حَيِّزٌ وأنا وأصحابي حَيِّزٌ"، وقال: "لا هِجْرَةَ بعد الفتح، ولكنْ جِهَاد ونيَّة".
وأنَّ مروانَ كذَّبه فصدَّق رافعُ بنُ خديج وزيدُ بنُ ثابتٍ أبا سعيدٍ على ما قالَ.
وهذا يُستدلُ بِهِ علَى أَن المرادَ بالفتح فتحُ مكةَ، فقدْ ثبتَ في "الصحيحينِ "
منْ حديثِ ابنِ عباسٍ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ يومَ الفتح:
"لا هجرةَ، ولكنْ جهاد ونيَّة".
وأيضًا فالفتحُ المطلقُ هوَ فتحُ مكةَ كَمَا في قولِهِ: (لا يَسْتَوِي مِنكم مَّنْ أَنفَقَ
مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ) ، ولهذا قالَ: "الناسُ حَيِّزٌ وأنا وأصحابي حَيِّزٌ".
وروى النسائيُّ مِنْ طريقِ هلالِ بنِ خَبَّابٍ عنْ عكرمةَ عنْ ابنِ عباس قالَ:
لمَّا نزلتْ: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) إلَى آخرِ السورةِ قال: نُعِيَتْ اسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - نفسُهُ حينَ أُنزلتْ فأخَذَ في أشدِّ مَا كانَ اجتهادًا في أمرِ الآخرةِ، وقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بعدَ ذلكَ: "جاءَ الفتحُ، وجاءَ نصرُ اللهِ، وجاءَ أهلُ اليمنِ ".
فقالَ رجلٌ: يا رسول اللَّهِ، ومَا أهلُ اليمنِ؟
قالَ: "قوم رقيقة قلوبُهم، لينةٌ قلوبهم.
الإيمانُ يمانٍ، والحكمةُ يمانية والفقهُ يمانٍ ".
وروى ابنُ جريرٍ منْ طريقِ الحسينِ بنِ عيسى الحنفيِّ عنْ معمرٍ عن الزهريِّ
عنْ أبي حازمٍ عن ابنِ عباسٍ قالَ: بينما رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - في المدينةِ إذْ قالَ: "اللَّهُ أكبرُ اللَّهُ أكبرُ، جاءَ نصرُ اللهِ والفتح، جاءَ أهلُ اليمنِ "، قيل: يا رسولَ الله،