فصول الكتاب

سُورَةُ الإخْلاصِ
قوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)
قال ابنُ رجبٍ - رحمه اللَّه تعالى -: "الكلامُ على سُورةِ الإخْلاصِ ".
وفي موضع نزولِهَا قولانِ: أحدهما: أنها مكيةٌ.
والثاني: مدنية، وذلك في فصولٍ في فضائِلِهَا وسببِ نزولِهَا وتفسيرهَا.
أمَّا فضائِلُهَا فكثيرةٌ جِدًّا.
مِنْهَا: أنَها نِسْبَةُ اللَّهِ عَزَّ وجلَّ.
خرَّج الطبرانيُّ منْ طريقِ عثمانَ بنِ عبدِ الرحمنِ الطرائفيِّ عَنْ الوازع
ابن نافع عن أبي سلمةَ عنْ أبي هريرةَ قال: قال رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -: "لكُلِّ شيءٍ نسبةٌ، ونسبةُ اللَّهِ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) .
ليسَ بأجوفَ ".
الوازعُ ضعيفٌ جدًّا، وعثمانُ يروي المناكيرَ، وسيأتي في سببِ نزولِهَا ما يشهدُ لَهُ.
ومنها: أنَّها صفةُ الرحمنِ، وفي صحيح البخاريِ ومسلم من حديثِ
عائشةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - بعثَ رجُلاً على سرية فكان يقرأُ لأصحابهِ في صَلاتِهِم فيَختمُ بـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ، فلمَّا رجَعوا ذكَّرَوا ذلك للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: "سلُوهُ: لأيِّ شيء يصنعُ ذلك؟ "، فسألُوهُ، فقال: لأنَّها صِفَةُ الرَّحمنِ، وأنا أُحبُّ أن

(2/654)

أَقرأَ بِهَا، فقالَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: "أخبروهُ أن اللَّه يُحبُّهُ ".
ومنهَا: أَنَّ حُبَّها يُوجبُ محبةَ اللَّهِ، لهذا الحديث المذكورِ آنفًا، ومنهُ قولُ ابنِ
مسعودٍ: "مَنْ كانَ يحبُّ القرآنَ فهُوَ يحبُ اللَّهَ " َ.
ومنها: أن حُبَّها يُوجبُ دُخولَ الجنَّةِ.
ذكرَ البخاريُّ في "صحيحه " تَعْليقًا
وقالَ: عبيدُ اللهِ عنْ ثابتٍ عن أنسٍ قالَ: كانَ رجُلٌ مِنَ الأنصارِ يؤُمُّهم في
مسجدِ قُباءَ، وكانَ كلَّما افتتحَ سورةً يقرأُ بِهَا لهمْ في الصلاةِ ممَّا يقرأُ به، افتتح بـ (قلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) حتى يفرغُ مِنْها، ثُمَّ يقرأُ سُورةً أُخرَى مَعَهَا، وكانَ يصنعُ ذلكَ في كلِّ ركعةٍ، وذكرَ الحديثَ، وفيه: فقالَ النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يا فلانُ، ما حملكَ على لزوم
هذهِ السورةِ في كلِّ ركعةٍ؟ "
فقال: إني أُحِبُّها، فقالَ: "حُبُّكَ إياهَا أدخلكَ الجنَّةَ".
وخرَّجه الترمذيُّ في "جامعهِ " عن البخاريِّ عَنْ إسماعيلَ ابنِ أبي أويسٍ عنَ الدَّارَورْدِيِّ عَنْ عبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الرحمنِ عنْ عبيدِ اللَّهِ بنِ عمرَ وغرَّبه.
وقال: روى مباركُ بنُ فضالةَ عنْ ثابتٍ عنْ أنسٍ أن رجلاً قالَ: يا رسولَ اللَّهِ إنِّي أحبُّ هذه السورةَ: (قُلْ هٌوَ اللَّهُ أَحَدٌ)
فقالَ: "إن حُبَّك إياها أدخلكَ الجنَّة"
وقدْ خرَّجه أحمدُ في "المسندِ" عن أبي النضرِ عن مباركِ بنِ فضالَة بهِ.
وروى مالكٌ عنْ عبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الرحمنِ عنْ عبيدِ بنِ حُنينٍ قالَ:
سمعتُ أبا هريرةَ يقولُ: أقْبلتُ مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فسمعَ رجُلاً يقرأُ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)

(2/655)

فقالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "وجَبَتْ " قلت: وَمَا وجبَت؟ قالَ: "الجنةُ".
وأخرجَهُ النسائيُّ والترمذيُّ وقالَ: حسنٌ صحيحٌ لا نعرفُه إلا مِنْ حديثِ
مالك.
وروَى أبو نُعيمٍ منْ طريقِ عمرِو بنِ مرزوقٍ عنْ شعبةَ عن مهاجرٍ سمعتُ
رجلاً يقولُ: صحبتُ رسولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - في سفرٍ، فسمِعَ رَجُلاً يقرأُ: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) ، فقالَ: "قد بَرِئَ من الشِّرْك ".
وسمعَ آخرَ يقرأُ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فقالَ: "غُفِرَ لهُ ".
ومنْهَا: أنَّها تعْدِلُ ثلثَ القرآنِ ففي "صحيح البخاريِّ" منْ حديثِ أبي
سعيدٍ أنَّ رجلاً سعَ رجُلاً يقرأُ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) يُردِّدُها، فلمَّا أصبحَ جاءَ
إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فذكرَ ذلكَ لهُ - وكانّ الرجلَ يتقالُّها - فقال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -:
"والذي نفسِي بيده إنَّها لتعدلُ ثُلُثَ القرآنِ ".
وقدْ رُوِيَ عنْ أبي سعيدٍ عن أخي قتادةَ بنِ النعمانِ به.
وفي "صحيح البخاريِّ " أيضًا مِنْ طريقِ الأعمشِ عنْ إبراهيمَ النخعيِّ
والضَّحَّاكِ المشرقيِّ عنْ أبي سعيدٍ قال: قالَ رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لأصحابِهِ:
"أيعجزُ أحدُكُم أنْ يَقْرَأ ثلثَ القرآنِ فِي ليلةٍ؟ "
فشقَّ ذلكَ عليهِم وقالُوا: أيُّنا يطيقُ ذلك يا رسول اللَّه، فقالَ:
"اللَّهُ الواحِدُ الصَّمدُ ثلثُ القرآنِ ".
وفي "المسندِ" منْ طريقِ ابنِ لهيعةَ عن الحارثِ بنِ يزيدَ عنْ أبي الهيثم

(2/656)

عنْ أبي سعيدٍ قال: باتَ قتادةُ بنُ النعمان يقرأُ الليلَ كُلَّهُ بـ
(قلْ هُوَ اللَهُ أَحَدٌ)
فذُكِرَ ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقالَ: "والذي نفسِي بيدهِ لَتعْدِلُ نصفَ القرآنِ أو ثُلُثَهُ ".
وفي "المسندِ" أيضًا مِنْ طريقِ ابنِ لهيعةَ، حدَّثَنَا حُييُّ بنُ عبد اللَّهِ عن
أبي عبدِ الرحمنِ عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو: أنَّ أبا أيوبَ الأنصاريًّ كانَ في
مجلسٍ وهوَ يقولُ: ألا يسْتَطيعُ أحدُكُم أنْ يقومَ بثُلُثِ القرآنِ كلَّ ليلةٍ؟
فقالُوا: وهل يستطيعُ ذلكَ أحدٌ؟
قال: فإنَّ: (قلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ، ثُلُثُ القرآنِ، قالَ:
فجاءَ النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يسمعُ أبا أبوبَ.
فقالَ: "صَدَق أبو أيوبَ ".
ورَوَى يحيى بنُ سعيدٍ عنْ يزيدَ بنِ كيسانَ عنْ أبي حازمٍ - قالَ الترمذيُ:
اسمُهُ سلمانَ - عنْ أبي هريرةَ قالَ: قالَ رسولُ اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: "احشُدُوا، فإنَي سأقْرَأُ عليكُم ثُلُثَ القُرآنِ "، فحشدَ من حشدَ، ثُمَّ خرجَ نبي اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فَقَرَا: (قُل هُوَ اللَّه أَحَدٌ) ، ثُمَّ دخلَ فقالَ بعضُنَا لِبعضٍ: قال رسول اللَّه - صلى الله عليه وسلم -: "فإني ساقْرأُ
عليكُم ثُلُثَ القرآنِ "، إنِّي لأرى هذا خبرًا جاءَهُ من السماء، ثُمَّ خرجَ نبي اللَّه - صلى الله عليه وسلم - فقال: "إني قُلتُ: سأقَرا عليكُم ثُلُثَ القُراَنِ، ألا إنها تعدلُ ثُلُث القُراَنِ ".
أخرجَهُ مسلم.
وروى الإمامُ أحمدُ عنْ عبدِ الرحمنِ بنِ مهديّ عنْ زائدةَ بنِ قدامةَ عنْ
منصورِ عن هلالِ بنِ يسافٍ عن الربيع بنِ خثيمٍ عنْ عمرِو بنِ ميمونٍ عنْ
عبدِ الرحمنِ بن أبي ليلَى عنْ امرأةٍ مِنَ الأنْصَارِ عنْ أبي أيوبَ عنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قالَ: "أيَعْجزُ أحدُكُم أنْ يقرأ ثلثَ القرآنِ في ليلةٍ؟ فإنه مَنْ قرأ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ) في ليلةٍ فقدْ قرأَ ليلتئذٍ ثلثَ القرآنِ ".
ورواهُ النسائي والترمذيُّ عنْ بندار.