فصول الكتاب

[المجلد الاول]
بسم الله الرّحمن الرّحيم

كلمة دار إحياء التراث العربي
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله فلا مضلّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وَاشْهَدْ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) [آل عمران 3: 102] .
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1) [النساء: 1] .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً (71) [الأحزاب: 70- 71] .
أما بعد، فيسر دار إحياء التراث العربي أن تقدم للعالم الإسلامي تفسير الإمام البغوي المسمى «معالم التنزيل» لمؤلّفه الإمام أبي مُحَمَّدٍ الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ الْفَرَّاءُ البغوي الشافعي (ت 516 هـ) بعد أن عهدت للسيد عبد الرزاق المهدي تحقيقه وتصحيح ألفاظه على نسختين خطّيتين وتخريج أحاديثه والتعليق عليه بما يفيد المطالع فيه.
وقد رقّم السيد عبد الرزاق أحاديث الكتاب بشكل تسلسلي من أوله حتى آخره. وبذل من الجهود الشاقة في تخريج أحاديث الكتاب ما يشكر عليه، فخدمه بما أعانه الله بعد ما حرف همته طوال أربع سنوات لخدمة هذا التفسير الجليل بالمأثور.
قال الإمام علي بن محمد الخازن (ت 725 هـ) في مقدمة تفسيره الصفحة (3) مادحا هذا التفسير:
«من أجلّ المصنفات في علم التفسير وأعلاها، وأنبلها وأسناها، جامعا للصحيح من الأقاويل عاريا عن الشّبه والتصحيف والتبديل» .
هذا وقد وضع السيد عبد الرزاق المهدي مقدمة تناول فيها الحديث عن فوائد تتعلّق بكتب التفسير والمفسرين مع ترجمة للإمام البغوي ودراسة لكتابه، ووصف نسخه الخطية وخطة عمله بالكتاب، ربنا تقبل منّا هذا العمل خالصا لوجهك الكريم، وانفع به عبادك، وآخر دعوانا أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، والعاقبة للمتقين.
دار إحياء التراث العربي

(1/5)

مقدمة المحقق
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا.
وَاشْهَدْ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أرسله بالهدى ودين الحق ليظهر، عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الكافرون.
أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ ذكره أنزل القرآن مؤلفا منظما، ونزّله بحسب المصالح منجما، وجعله بالتحميد مفتتحا، وبالاستعاذة مختتما.
أوحاه على قسمين متشابها ومحكما، وفصّله سورا وسوره آيات، وميز بينهنّ بفصول وغايات، وما هي إلا صفات مبتدئ مبتدع.
وسمات منشئ مخترع.
فسبحان من المستأثر بالأولية والقدم. ووسم كل شيء سواه بالحدوث والعدم، أنشأه كتابا ساطعا تبيانه، قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ، مفتاحا للمنافع الدينية والدنيوية، مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكتب السماوية، معجزا باقيا على وجه كل زمان، أفحم به من طولب بمعارضته من العرب العرباء، وعن الإتيان بسورة مثله من الخطباء الفصحاء، ثم سهل على الخلق تلاوته.
جعل أمثاله عبرا لمن تدبرها، وأوامره هدى لمن استبصرها، وشرح فيه واجبات الأحكام، وفرّق فيه بين الحلال والحرام، وكرّر فيه المواعظ والقصص للأفهام، وضرب فيه الأمثال وقص فيه غيب الأخبار.
ثم لم يرض منها بردّ حروفه دون حفظ حدوده، ولا بإقامة كلماته دون العمل بمحكماته ولا بتلاوته دون تدبر آياته، ولا بدراسته دون تعلم حقائقه، وتفهم دقائقه.
ولا حصول لهذه المقاصد منه إلا بدراية تفسيره وأحكامه، ومعرفة حلاله وحرامه، وأسباب نزوله وأقسامه، والوقوف على ناسخه ومنسوخه، في خاصه وعامّه، فإنه أرسخ العلوم أصلا، وأسبغها فرعا وفصلا، وأكرمها نتاجا، وأنورها سراجا، فلا شرف إلا وهو السبيل إليه، ولا خير إلا وهو الدال عليه.
من حكم به عدل، ومن تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ اللَّهُ، وَمَنِ ابْتَغَى الْهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللَّهُ، وَهُوَ حَبْلُ اللَّهِ المتين، ونوره المبين، والذكر الحكيم، وهو الَّذِي لَا تَزِيغُ بِهِ الْأَهْوَاءُ، ولا تتشعب معه الآراء، ولا يمله العلماء، ولا يخلق على كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ.
من علم علمه سبق، ومن قال به صدق، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ عمل بما فيه أجر، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صراط مستقيم.

1- أنواع التفاسير:
وقد قيض الله تعالى له رجالا موفقين، وبالحق ناطقين، حتى صنفوا في سائر علومه المصنفات، وجمعوا في سائر فنونه المتفرقات، كُلٌّ عَلَى قَدْرِ فَهْمِهِ، وَمَبْلَغِ علمه.
أ- فمنهم من جعل عمدته الحديث والأثر، كالإمام عبد الرزاق بن همام المتوفى سنة (211) والإمام

(1/9)

عبد بن حميد المتوفى سنة (249) والإمام أبي جعفر الطبري المتوفى سنة (310) والإمام أبي بكر بن المنذر المتوفى سنة 318 والإمام أبي محمد بن أبي حاتم المتوفى سنة 327 والإمام أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويه المتوفى سنة 410، والإمام عبد الرحمن بن علي بن الجوزي المتوفى سنة 597.
- والإمام الحافظ إسماعيل بن كثير الدمشقي المتوفى سنة (774) .
ب- ومنهم من جعل عمدته مع الحديث والأثر وأخبار الأقدمين وقصص الإسرائيليين، وذلك كالإمام أحمد بن محمد الثعلبي المتوفى سنة 427 وتلميذه علي بن أحمد الواحدي لكن في تفسيره «البسيط» وهو لم يطبع، وأما «الوسيط» وهو مطبوع، فهو مختصر وعبارته موجزة، ومنهم الإمام الحسين بن مسعود البغوي المتوفى سنة 516 وهو الذي نحن في صدده.
ت- ومنهم من جعل عمدته الفقه والأحكام كالإمام إسماعيل بن إسحاق القاضي المالكي المتوفى سنة 282 والإمام عماد الدين بن محمد المعروف ب الكيا الطبري الهرّاسي المتوفى سنة (504 هـ) والإمام أبي بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ المعروف بابن العربي المالكي المتوفى سنة (543 هـ) ، والإمام أبي بكر أحمد بن علي الرازي الحنفي المعروف بالجصاص- المتوفى سنة (370 هـ) .
ث- ومنهم من جمع بين الفقه والحديث وغير ذلك من علوم الشريعة، كالإمام أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ أحمد القرطبي المالكي المتوفى سنة (671 هـ) في كتابه «الجامع لأحكام القرآن» .
ج- ومنهم من جعل عمدته اللغة والنحو كالإمام محمود بن عمر الزمخشري في كتابه «الكشاف» المتوفى سنة (538 هـ) .
- والإمام أبي حيان محمد بن يوسف الأندلسي المتوفى سنة 745. في كتابه «البحر المحيط» .
ح- ومنهم من جعل عمدته مناسبة الآيات والسور كالإمام برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي المتوفى سنة 885 في كتابه «نظم الدرر» .
خ- ومنهم من جعل عمدته المنطق والفلسفة وإثارة الشبه وسرد آراء أهل العلم من أهل السنة والمبتدعة وغيرهم كالإمام فخر الدين محمد بن أبي بكر الرازي المتوفى سنة 666 في كتابه «مفاتح الغيب» .
د- ومنهم من جمع بين الرواية والدراية، وكالإمام محمد بن علي الشوكاني المتوفى سنة (1250 هـ) كما نص على ذلك في مقدمته.
- ولكلّ مزايا وفوائد وحسنات، وأشياء فيها نظر.
ومن الكتب المعتبرة في علم التفسير كتاب «معالم التنزيل» للإمام أبي محمد الحسين بن مسعود البغوي المتوفى سنة (516 هـ) وهو هذا الكتاب.
وكتابه هذا من أجمل كتب التفسير لسهولة عبارته، واتساق ألفاظه ومعانيه مع ما ضمنه من أحاديث عامتها صحيح أو حسن.
وقد قال الإمام علي بن محمد الخازن المتوفى سنة (725 هـ) في مقدمة تفسيره ص 3 عن هذا التفسير:
«من أجل المصنفات في علم التفسير وأعلاها وأنبلها وأسناها جامعا للصحيح من الأقاويل، عاريا عن الشبه والتصحيف والتبديل، محلّى بالأحاديث النبوية، مطرّزا بالأحكام الشرعية، موشى بالقصص الغريبة وأخبار الماضين العجيبة، مرصعا بأحسن الإشارات، مخرجا بأوضح العبارات، مفرغا في قالب الجمال في أصح مقال، فرحم الله تعالى مصنفه وأجزل ثوابه وجعل الجنة متقلبه ومآبه» . ا. هـ.

(1/10)

2

- وسبب تصنيفه لهذا التفسير
هو ما ذكره في المقدمة بقوله: «فَسَأَلَنِي جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِي الْمُخْلِصِينَ، وَعَلَى اقْتِبَاسِ الْعِلْمِ مُقْبِلِينَ كِتَابًا فِي مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ وَتَفْسِيرِهِ، فَأَجَبْتُهُمْ إِلَيْهِ، مُعْتَمِدًا عَلَى فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَيْسِيرِهِ، مُمْتَثِلًا وَصِيَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ فِيمَا يَرْوِيهِ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ «إِنَّ رِجَالًا يَأْتُونَكُمْ مِنْ أَقْطَارِ الْأَرْضِ يَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ فَإِذَا أَتَوْكُمْ فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا» وَاقْتِدَاءً بِالْمَاضِينَ من السلف من تدوين العلم إبقاء على الخلق وَلَيْسَ عَلَى مَا فَعَلُوهُ مَزِيدٌ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ فِي كُلِّ زَمَانٍ مِنْ تَجْدِيدِ مَا طَالَ به العهد وقصر المطالبين فيه الجد والجهد تنبها للمتوفقين وَتَحْرِيضًا لِلْمُتَثَبِّطِينَ فَجَمَعْتُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى وَحَسُنِ تَوْفِيقِهِ فِيمَا سَأَلُوا كتابا متوسطا بَيْنَ الطَّوِيلِ الْمُمِلِّ وَالْقَصِيرِ الْمُخِلِّ، أَرْجُو أَنْ يَكُونَ مُفِيدًا لِمَنْ أقبل على تحصيله مزيدا.
ولما كان هذا الكتاب من الأهمية بمكان، وأنه يتداوله الطلبة وكبار العلماء فقد طبع مرات عديدة، وتلك الطبعات خالية عن التحقيق للنص، وضبط الألفاظ، وتخريج الأحاديث، لذا وقع فيها التصحيف والتحريف والسقط والزيادات.
عدا نسخة مطبوعة في المدينة المنورة في دار طيبة، فقد اعتنى محققوها بتحقيق النص، وذكروا أنهم قابلوها على مخطوطات عديدة، ومع ذلك لا تخلو من تصحيف وأشياء غير ذلك.
وقد خرجت أحاديثها، لكن الغالب في ذلك مجرد العزو من غير بيان درجة الحديث، ولا دراسة الإسناد.
كما فاتهم ترقيم الأحاديث تسلسليا مع أن عامة الأحاديث في هذا التفسير مسندة، فينبغي ترقيمها تبعا لكتب الحديث والتفسير المسندة.
لذا رأيت أن أقوم بهذا العمل المضني الشاقّ، وأصرف همتي إلى تحقيق الكتاب، وتخريج الأحاديث، ودراسة الأسانيد وغير ذلك، وقد وفقني الله إلى ذلك، فقابلت الكتاب على نسختين خطيتين، مع ملاحظة نسخة دار طيبة، ودار المعرفة، واستعنت أيضا بكتب المؤلف مثل كتاب «شرح السنة» و «الأنوار في شمائل النبي المختار» وكتب الحديث المعتبرة التي يروي المصنف من طريقها كصحيح البخاري وغيره، وهذا عند الاضطراب وكثرة الاختلاف، سواء في المتن أو الإسناد، وذلك لإثبات اللفظ الراجح، وكل ذلك ستجده في موضعه إن شاء الله تعالى.

3

- فوائد هامة تتعلق بكتب التفسير والمفسرين
اعلم أخي المسلم أن عامة كتب التفسير قد احتوت على أحاديث ضعيفة وموضوعة، وأخبار إسرائيلية منكرة، وقصص تالفة لا طائل بذكرها، ومن ذلك الحديث الموضوع في فضائل القرآن سورة سورة حيث رواه الثعلبي في تفسيره منجما عند كل سورة ما يناسبها وتبعه على ذلك تلميذه الواحدي وذلك في «الوسيط» وسار على طريقتهما الزمخشري في «الكشاف» وقد نص الأئمة الحفاظ على وضعه.
جاء في «الموضوعات الكبرى» للحافظ ابن الجوزي في (1/ 239- 242) ما ملخصه: أنبأنا عبد الوهاب بن المبارك، قال: أنبأنا محمد بن المظفر بن بكران. قال: أنبأنا أحمد بن محمد العتيقي. قال:
أنبأنا يوسف بن الدخيل. قال: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عمرو العقيلي، قال: حدثني علي بن الحسن بن