فصول الكتاب

الم (1)

، مُغْنٍ، عَنْ والِدِهِ شَيْئاً، قَالَ ابن عباس: كل امرئ تهمه نَفْسُهُ، إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ، يَعْنِي الشَّيْطَانَ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُوَ أَنْ يَعْمَلَ الْمَعْصِيَةَ وَيَتَمَنَّى الْمَغْفِرَةَ. قوله:
إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ، الآية.
«1654» نَزَلَتْ فِي الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو بن حارثة بن محارب بن حَفْصَةَ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَنِ السَّاعَةِ وَوَقْتِهَا [1] وَقَالَ إِنَّ أَرْضَنَا أَجْدَبَتْ فَمَتَى يَنْزِلُ الْغَيْثُ وَتَرَكْتُ امْرَأَتِي حُبْلَى، فَمَتَى تَلِدُ، وَقَدْ عَلِمَتُ أَيْنَ وُلِدْتُ فَبِأَيِّ أَرْضٍ أَمُوتُ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ، وَقَرَأَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ «بِأَيَّةِ أَرْضٍ» وَالْمَشْهُورُ «بِأَيِّ أَرْضٍ» لِأَنَّ الْأَرْضَ لَيْسَ فِيهَا مِنْ عَلَامَاتِ التَّأْنِيثِ شَيْءٌ، وَقِيلَ: أَرَادَ بِالْأَرْضِ المكان.
«1655» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] [2] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ أنا ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِ أَرْضٍ تَمُوتُ» ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ.

تفسير سورة السجدة
مكية [وهي ثلاثون آية] [3] قَالَ عَطَاءٌ: إِلَّا ثَلَاثَ آيَاتٍ مِنْ قَوْلِهِ: أَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً [18] إلى آخر ثلاث آيات.

[سورة السجده (32) : الآيات 1 الى 5]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
الم (1) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (2) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً مَا أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (3) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (4)
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5)
__________
1654- ضعيف. أخرجه الطبري 28173 عن مجاهد مرسلا، والمرسل من قسم الضعيف.
1655- إسناده على شرط البخاري، عبد العزيز هو الأويسي، ابن شهاب محمد بن مسلم.
وتقدم في سورة الأنعام عند آية: 59.
(1) في المخطوط «فقال» .
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) زيد في المطبوع.

(3/593)

الم (1) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (2) ، قَالَ مُقَاتِلٌ: لَا شَكَّ فِيهِ أَنَّهُ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
أَمْ يَقُولُونَ، بَلْ يَقُولُونَ افْتَراهُ، وَقِيلَ الْمِيمُ صِلَةٌ أَيْ أَيَقُولُونَ افْتَرَاهُ، اسْتِفْهَامُ تَوْبِيخٍ، وَقِيلَ: أَمْ بِمَعْنَى الْوَاوِ أَيْ وَيَقُولُونَ افْتَرَاهُ، وَقِيلَ: فيه إضمار مجاز فَهَلْ [1] يُؤْمِنُونَ، أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ، ثُمَّ قَالَ: بَلْ هُوَ، يَعْنِي الْقُرْآنَ، الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ، يعني لَمْ يَأْتِهِمْ، مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ، قَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا أُمَّةً أُمِّيَّةً لَمْ يَأْتِهِمْ نَذِيرٌ قَبِلَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وقال ابن عباس ومقاتل: ذاك فِي الْفَتْرَةِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ عيسى عليه السلام وبين مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ.
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (4) .
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ، أَيْ يُحْكِمُ الْأَمْرَ وَيُنْزِلُ الْقَضَاءَ وَالْقَدَرَ، مِنَ السَّماءِ إِلَى الْأَرْضِ، وَقِيلَ: يُنْزِلُ الْوَحْيَ مَعَ جِبْرِيلَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ، ثُمَّ يَعْرُجُ، يَصْعَدُ، إِلَيْهِ، جِبْرِيلُ بِالْأَمْرِ، فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، أَيْ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنْ أيام الدنيا وقدره مَسِيرَةِ [أَلْفِ] [2] سَنَةٍ خَمْسُمِائَةٍ نُزُولُهُ وَخَمْسُمِائَةٍ صُعُودُهُ لِأَنَّ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ خَمْسُمِائَةِ عَامٍ، يَقُولُ: لَوْ سَارَ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ لَمْ يَقْطَعْهُ إِلَّا في ألف سنة، والملائكة يقطعونه فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، هَذَا فِي وَصْفِ عُرُوجِ الْمَلَكِ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) [المعارج: 4] ، أراد مدة المسافة من الْأَرْضِ [3] إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى الَّتِي هِيَ مَقَامُ جِبْرِيلَ يَسِيرُ جِبْرِيلُ وَالْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ مَعَهُ مَنْ أَهْلِ مَقَامِهِ مَسِيرَةَ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ مِنْ أَيَّامِ الدُّنْيَا، هَذَا كُلُّهُ مَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ وَالضَّحَّاكِ. وَقَوْلُهُ إِلَيْهِ أَيْ إِلَى اللَّهِ.
وَقِيلَ: عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ [أَيْ] [4] إِلَى مَكَانِ الْمَلَكِ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَعْرُجَ إِلَيْهِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَلْفُ سَنَةٍ وَخَمْسُونَ أَلْفَ سَنَةٍ كُلُّهَا فِي الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَى بَعْضِهِمْ أَطْوَلَ وَعَلَى بَعْضِهِمْ أَقْصَرَ، مَعْنَاهُ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ مُدَّةَ أَيَّامِ الدُّنْيَا، ثُمَّ يَعْرُجُ أَيْ يَرْجِعُ الْأَمْرُ وَالتَّدْبِيرُ إِلَيْهِ بَعْدَ فَنَاءِ الدُّنْيَا، وَانْقِطَاعِ أَمْرِ الْأُمَرَاءِ وَحُكْمِ الْحُكَّامِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ [5] أَلْفَ سَنَةٍ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَأَمَّا قوله: خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ [المعارج: 4] فَإِنَّهُ أَرَادَ عَلَى الْكَافِرِ يَجْعَلُ اللَّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ عَلَيْهِ مِقْدَارَ خمسين ألف
__________
(1) في المطبوع «فهم» . [.....]
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) زيد في المطبوع وحده «إلى السماء» .
(4) زيادة عن المخطوط.
(5) زيد في المطبوع «خمسين» .

(3/594)

ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6)

سَنَةٍ، وَعَلَى الْمُؤْمِنِ دُونَ ذَلِكَ:
«1656» حَتَّى جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «أَنَّهُ يَكُونُ عَلَى الْمُؤْمِنِ كَقَدْرِ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ صَلَّاهَا فِي الدُّنْيَا» .
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ: لَا يَكُونُ عَلَى الْمُؤْمِنِ إِلَّا كَمَا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَيَجُوزُ أَنَّ يَكُونَ هَذَا إخبار عَنْ شِدَّتِهِ وَهَوْلِهِ وَمَشَقَّتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: دَخَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَيْرُوزَ مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلَهُ ابْنُ فَيْرُوزَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَعَنْ قَوْلِهِ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَيَّامٌ سَمَّاهَا اللَّهُ لَا أَدْرِي مَا هِيَ وَأَكْرَهُ أَنْ أَقُولَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لا أعلم.

[سورة السجده (32) : الآيات 6 الى 11]
ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (9) وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ (10)
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ (11)
ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ، يَعْنِي ذَلِكَ الَّذِي صَنَعَ مَا ذَكَرَهُ من خلق السموات وَالْأَرْضِ عَالِمُ مَا غَابَ عَنِ [عيان] [1] الْخَلْقِ وَمَا حَضَرَ، الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ.
الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، قَرَأَ نَافِعٌ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ «خَلَقَهُ» بِفَتْحِ اللَّامِ عَلَى الْفِعْلِ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِسُكُونِهَا، أَيْ أَحْسَنَ خَلْقَ كُلِّ شَيْءٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَتْقَنَهُ وَأَحْكَمَهُ. قَالَ قَتَادَةُ: حَسَّنَهُ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ:
عَلِمَ كَيْفَ يَخْلُقُ كُلَّ شَيْءٍ، مِنْ قَوْلِكَ فُلَانٌ يُحْسِنُ كَذَا إِذَا كَانَ يَعْلَمُهُ. وَقِيلَ: خَلَقَ كُلَّ حَيَوَانٍ عَلَى صورته ثم [2] يَخْلُقِ الْبَعْضَ عَلَى صُورَةِ الْبَعْضِ، فَكُلُّ حَيَوَانٍ كَامِلٌ فِي خَلْقِهِ حُسْنٌ، وَكُلُّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ مُقَدَّرٌ بِمَا يَصْلُحُ بِهِ مَعَاشُهُ. وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ، يَعْنِي آدَمَ.
ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ، يَعْنِي ذُرِّيَّتَهُ، مِنْ سُلالَةٍ، نُطْفَةٍ سُمِّيَتْ سُلَالَةً لِأَنَّهَا تُسَلُّ مِنَ الْإِنْسَانِ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ، أَيْ ضعف وَهُوَ نُطْفَةُ الرَّجُلِ.
ثُمَّ سَوَّاهُ، وسوى خَلْقَهُ، وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى ذُرِّيَّتِهِ، فَقَالَ: وَجَعَلَ لَكُمُ، بَعْدَ أَنْ كُنْتُمْ نُطَفًا، السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ، يَعْنِي لَا تَشْكُرُونَ رَبَّ هَذِهِ النِّعَمِ فَتُوَحِّدُونَهُ.
وَقالُوا، يعني منكري البعث، أَإِذا ضَلَلْنا، هَلَكْنَا، فِي الْأَرْضِ، وَصِرْنَا تُرَابًا وَأَصْلُهُ مِنْ قَوْلِهِمْ ضَلَّ الْمَاءُ فِي اللَّبَنِ إِذَا ذَهَبَ، أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ، اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ. قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ، أَيْ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ.
قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ، يَقْبِضُ أَرْوَاحَكُمْ، مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ، أَيْ وُكِّلَ بِقَبْضِ أَرْوَاحِكُمْ وَهُوَ عِزْرَائِيلُ، وَالتَّوَفِّي اسْتِيفَاءُ العدد [المضروب للخلق في الأزل] [3] ، مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقْبِضُ أَرْوَاحَهُمْ حَتَّى لا يبقى
__________
1656- تقدم في سورة الفرقان عند آية: 26.
(1) زيد في المطبوع.
(2) في المطبوع «لم» .
(3) زيد في المطبوع.

(3/595)

وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12)

أَحَدٌ مِنَ الْعَدَدِ الَّذِي كُتِبَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ.
وَرُوِيَ أَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ جُعِلَتْ لَهُ الدُّنْيَا مِثْلَ رَاحَةِ الْيَدِ يَأْخُذُ مِنْهَا صَاحِبُهَا مَا أَحَبَّ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ، فَهُوَ يَقْبِضُ أَنْفُسَ الْخَلْقِ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَلَهُ أَعْوَانٌ مِنْ مَلَائِكَةِ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةِ الْعَذَابِ، [فملائكة الرحمة للمؤمنين وملائكة العذاب للكافرين] [1] .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ خُطْوَةَ مَلَكِ الْمَوْتِ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: جُعِلَتْ لَهُ الْأَرْضُ مِثْلَ طَسْتٍ يَتَنَاوَلُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ.
وَفِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ: أَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ عَلَى مِعْرَاجٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَيَنْزِعُ أَعْوَانُهُ رُوحَ الْإِنْسَانِ فَإِذَا بَلَغَ ثَغْرَهُ نَحْرُهُ قَبَضَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ.
وَرَوَى خَالِدُ بْنُ مَعْدَانَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: إِنَّ لِمَلَكِ الْمَوْتِ حَرْبَةً تَبْلُغُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَهُوَ يَتَصَفَّحُ وُجُوهَ النَّاسِ فَمَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ إِلَّا وَمَلَكُ الْمَوْتِ يَتَصَفَّحُهُمْ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ، فَإِذَا رَأَى إِنْسَانًا قَدِ انْقَضَى أَجَلُهُ ضَرَبَ رَأَسَهُ بِتِلْكَ الْحَرْبَةِ، وَقَالَ الْآنَ تنزل بك سكرات الموت. قَوْلُهُ: ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ، أَيْ تَصِيرُونَ إِلَيْهِ أَحْيَاءً فَيَجْزِيكُمْ بأعمالكم.

[سورة السجده (32) : الآيات 12 الى 14]
وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ (12) وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13) فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِيناكُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (14)
وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ، الْمُشْرِكُونَ، ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ، مطأطئوا رؤوسهم، عِنْدَ رَبِّهِمْ، حياء منه وَنَدَمًا، رَبَّنا، أَيْ يَقُولُونَ رَبَّنَا، أَبْصَرْنا، مَا كُنَّا بِهِ مُكَذِّبِينَ، وَسَمِعْنا، مِنْكَ تَصْدِيقَ مَا أَتَتْنَا بِهِ رُسُلُكَ. وَقِيلَ: أَبْصَرْنَا مَعَاصِيَنَا وسمعنا ما قيل منا، فَارْجِعْنا، فَأَرْدُدْنَا إِلَى الدُّنْيَا، نَعْمَلْ صالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ، وَجَوَابُ لَوْ مُضْمَرٌ مَجَازُهُ لَرَأَيْتَ الْعَجَبَ.
وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها، رُشْدَهَا وَتَوْفِيقَهَا لِلْإِيمَانِ، وَلكِنْ حَقَّ، وَجَبَ، الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، وَهُوَ قوله للإبليس: لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ، ثُمَّ يُقَالُ لِأَهْلِ النَّارِ، وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إِذَا دَخَلُوا النَّارَ قَالَتْ لَهُمُ الْخَزَنَةُ:
فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا، أَيْ تَرَكْتُمُ الْإِيمَانَ بِهِ فِي الدُّنْيَا، إِنَّا نَسِيناكُمْ، تَرَكْنَاكُمْ، وَذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ، مِنَ الْكُفْرِ والتكذيب. قوله عزّ وجلّ:

[سورة السجده (32) : الآيات 15 الى 16]
إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (15) تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (16)
إِنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنَا الَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِها، وُعِظُوا بِهَا، خَرُّوا سُجَّداً، سَقَطُوا عَلَى وُجُوهِهِمْ سَاجِدِينَ، وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ، قِيلَ: صَلُّوا بِأَمْرِ رَبِّهِمْ، وَقِيلَ: قَالُوا سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ، عن الإيمان والسجود له.
__________
(1) زيد في المطبوع.