فصول الكتاب

 

 

ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1)

أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حِمْدَانَ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَهْلَوَيْهِ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّنَافِسِيُّ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ ثَابِتِ بْنِ أَبِي صفية عن أصبغ [1] بن نباتة عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكْتَالَ بِالْمِكْيَالِ الْأَوْفَى مِنَ الْأَجْرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَلْيَكُنْ آخِرُ كَلَامِهِ مِنْ مَجْلِسِهِ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالمين» .

سورة ص
مكية وهي ثمان وثمانون آية

[سورة ص (38) : الآيات 1 الى 8]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (1) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ (2) كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنادَوْا وَلاتَ حِينَ مَناصٍ (3) وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هَذَا ساحِرٌ كَذَّابٌ (4)
أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ (5) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرادُ (6) مَا سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (7) أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ (8)
ص، قِيلَ: هُوَ قَسَمٌ، وَقِيلَ: هو اسم للسورة كَمَا ذَكَرْنَا فِي سَائِرِ حُرُوفِ التَّهَجِّي فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيُّ: ص مِفْتَاحُ اسْمِ [2] الصَّمَدِ وَصَادِقِ الْوَعْدِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مَعْنَاهُ صَدَقَ اللَّهُ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: صَدَقَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، أي ذي البيان، قال ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُقَاتِلٌ وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ذِي الشَّرَفِ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [الزُّخْرُفِ:
44] ، وَهُوَ قَسَمٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَابِ الْقِسْمِ، قِيلَ: جَوَابُهُ قَدْ تَقَدَّمَ، وَهُوَ قَوْلُهُ ص أَقْسَمَ اللَّهُ بِالْقُرْآنِ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ صَدَقَ.
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: «ص» مَعْنَاهَا: وَجَبَ وحق فهي جَوَابُ قَوْلِهِ: وَالْقُرْآنِ، كَمَا تَقُولُ: نَزَلَ وَاللَّهِ، وَقِيلَ: جَوَابُ الْقِسْمِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ مَا الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُ الْكُفَّارُ وَدَلَّ عَلَى هَذَا الْمَحْذُوفِ. قَوْلُهُ تَعَالَى: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا، قَالَ قَتَادَةُ: مَوْضِعُ الْقَسَمِ قَوْلُهُ: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا، كما قال [ق] وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا [ق: 1 و2] . وَقِيلَ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا، فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ، والقرآن ذي الذكر.
__________
المنعم بن بشير، وأنه ضعيف جدا.
- وله علة أخرى، وهي أحمد بن رشد بن شيخ الطبراني متهم متروك، فهذا شاهد لا يفرح به. وانظر «الكشاف» للزمخشري برقم 952 و «تفسير القرطبي» 5233 و «تفسير الشوكاني» 2133 وهي جميعا بتخريجي، ولله الحمد والمنة.
(1) في المخطوط «الأصبغ» .
(2) في المخطوط «اسمه» .

(4/52)

وَقَالَ الْأَخْفَشُ: جَوَابُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ [ص: 14] كَقَوْلِهِ: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا [الشعراء: 97] ، وقوله: وَالسَّماءِ وَالطَّارِقِ (1) وَما أَدْراكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ [الطَّارِقِ: 41] ، وَقِيلَ: جَوَابُهُ قَوْلُهُ: إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنا [ص: 54] .
وَقَالَ الْكِسَائِيُّ [1] : قَوْلُهُ: إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (64) [ص: 64] . وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ تَخَلَّلَ بَيْنَ هَذَا القسم وهذا الْجَوَابِ أَقَاصِيصُ وَأَخْبَارٌ كَثِيرَةٌ.
وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ: بَلْ لِتَدَارُكِ كَلَامٍ وَنَفْيِ آخَرَ، وَمَجَازُ الْآيَةِ: إِنَّ اللَّهَ أَقْسَمَ بِ ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ أَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فِي عِزَّةِ حَمِيَّةٍ جَاهِلِيَّةٍ وَتَكَبُّرٍ عَنِ الْحَقِّ وَشِقَاقٍ [و] خلاف وَعَدَاوَةٍ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ مُجَاهِدُ: «فِي عِزَّةٍ» مُعَازِّينَ [2] .
كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ، يَعْنِي مِنَ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ، فَنادَوْا، اسْتَغَاثُوا عِنْدَ نُزُولِ الْعَذَابِ وَحُلُولِ النِّقْمَةِ، وَلاتَ حِينَ مَناصٍ، أي ليس لهم حين نزول العذاب بهم نزو، [قُوَّةٍ] وَلَا فِرَارَ [3] ، وَالْمَنَاصُ مَصْدَرُ نَاصَ يَنُوصُ، وَهُوَ الْفَوْتُ [4] وَالتَّأَخُّرُ، يُقَالُ: نَاصَ يَنُوصُ إِذَا تَأَخَّرَ وَبَاصَ يَبُوصُ إِذَا تَقَدَّمَ، وَلَاتَ بِمَعْنَى لَيْسَ بِلُغَةِ أَهْلِ الْيَمَنِ، وَقَالَ النَّحْوِيُّونَ: هِيَ لَا، زِيدَتْ فِيهَا التَّاءُ، كَقَوْلِهِمْ: رُبَّ وَرُبَّتْ وَثَمَّ وَثَمَّتْ، وَأَصْلُهَا هَاءٌ وُصِلَتْ بِلَا، فَقَالُوا: «لَاهٍ» ، كَمَا قَالُوا ثَمَّةَ فَجَعَلُوهَا فِي الْوَصْلِ تَاءً والوقف عليه بِالتَّاءِ عِنْدَ الزَّجَّاجِ، وَعِنْدَ الْكِسَائِيِّ بالهاء لاه، وذهب جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ التَّاءَ زِيدَتْ فِي حِينَ وَالْوَقْفُ عَلَى وَلَا، ثم يبتدئ «تحين» [5] وهو اختيار أبي عبيد، وَقَالَ: كَذَلِكَ وُجِدَتْ فِي مُصْحَفِ عُثْمَانَ، وَهَذَا كَقَوْلِ أَبِي وَجْزَةَ السَّعْدِيِّ:
«الْعَاطِفُونَ تَحِينَ [6] مَا مِنْ عاطف ... والمطعمون زَمَانَ [7] مَا مِنْ مُطْعِمٍ»
وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ عُثْمَانَ، فَذَكَرَ مَنَاقِبَهُ ثُمَّ قَالَ: «اذْهَبْ بِهَا تَلَانِ إِلَى أَصْحَابِكَ» ، يُرِيدُ الْآنَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: كَانَ كُفَّارُ مَكَّةَ إِذَا قَاتَلُوا فَاضْطُرُّوا فِي الْحَرْبِ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَنَاصَ، أَيْ: اهْرَبُوا وَخُذُوا حِذْرَكُمْ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهِمُ الْعَذَابَ بِبَدْرٍ قَالُوا: مَنَاصَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَلاتَ حِينَ مَناصٍ أَيْ ليس هذا [8] حين هذا القول.
وَعَجِبُوا، يَعْنِي الْكُفَّارَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي قَوْلِهِ: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا، أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ، يَعْنِي رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يُنْذِرُهُمْ، وَقالَ الْكافِرُونَ هَذَا ساحِرٌ كَذَّابٌ.
أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً.
«1801» وَذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَسْلَمَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى قُرَيْشٍ، وَفَرِحَ به المؤمنون.
__________
1801- ذكره المصنف هاهنا، والثعلبي كما في «تخريج الكشاف» 4/ 72 بدون إسناد، ومن غير عزو لأحد.
(1) في المخطوط «السدي» .
(2) في المطبوع «تغابن» والمثبت عن «ط» و «تفسير الطبري» .
(3) في المطبوع «حتى فرار» والمخطوط (أ) «منجى ولا فرار» .
(4) في المطبوع «الفرار» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(5) في المخطوط (ب) «بحين» والمثبت عن ط والمخطوط (أ) والمطبوع.
(6) في المخطوط (ب) «بحين» والمثبت عن المخطوط (أ) والمطبوع و «ط» .
(7) في المخطوط (ب) «بحين» بدل «زمان» والمثبت عن المخطوط (أ) و «ط» .
(8) في المطبوع «الحين» بدل «هذا» والمثبت عن «ط» والمخطوط. [.....]

(4/53)

فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ لِلْمَلَأِ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُمُ الصَّنَادِيدُ وَالْأَشْرَافُ وَكَانُوا خَمْسَةً وَعِشْرِينَ رَجُلًا أَكْبَرُهُمْ سنا الوليد بن المغيرة، فقال [1] لَهُمْ: امْشُوا إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَأَتَوْا أَبَا طَالِبٍ، وَقَالُوا لَهُ: أَنْتَ شَيْخُنَا وَكَبِيرُنَا وَقَدْ عَلِمْتَ مَا فَعَلَ هَؤُلَاءِ السُّفَهَاءُ، وَإِنَّا قَدْ أَتَيْنَاكَ لِتَقْضِيَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ ابْنِ أَخِيكَ، فَأَرْسَلَ أَبُو طَالِبٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَاهُ [2] ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي هَؤُلَاءِ قَوْمُكَ يَسْأَلُونَكَ السَّوَاءَ فَلَا تَمِلْ كُلَّ الْمَيْلِ عَلَى قَوْمِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى الله عليه وسلم: ماذا يَسْأَلُونِي؟ قَالُوا: ارْفُضْ ذِكْرَ آلِهَتِنَا وَنَدَعْكَ وَإِلَهَكَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتُعْطُونِي كَلِمَةً وَاحِدَةً تَمْلِكُونَ بِهَا الْعَرَبَ وَتَدِينُ لَكُمْ بِهَا الْعَجَمُ؟ فَقَالَ أَبُو جهل: لله أبوك لنعطينكها وَعَشْرًا أَمْثَالَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَنَفَرُوا مِنْ ذَلِكَ وَقَامُوا، وَقَالُوا: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا كَيْفَ يَسَعُ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ، أَيْ عَجِيبٌ.
وَالْعَجَبُ وَالْعُجَابُ وَاحِدٌ، كَقَوْلِهِمْ رَجُلٌ كَرِيمٌ وَكُرَامٌ وَكَبِيرٌ وَكُبَارٌ وَطَوِيلٌ وَطُوَالٌ وَعَرِيضٌ وَعُرَاضٌ.
وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ، أَيِ انْطَلَقُوا مِنْ مَجْلِسِهِمُ الَّذِي كَانُوا فيه عند أبي طالب، ويقول بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ أَيْ اثْبُتُوا عَلَى عِبَادَةِ آلهتكم، إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرادُ، أَيْ لَأَمْرٌ يُرَادُ بِنَا.
وَذَلِكَ أَنَّ عُمَرَ [بْنَ الْخَطَّابِ] [3] لَمَّا أَسْلَمَ وَحَصَلَ لِلْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ بِمَكَانِهِ [4] قَالُوا: إِنَّ هَذَا الَّذِي نَرَاهُ مِنْ زِيَادَةِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ لَشَيْءٌ يُرَادُ بِنَا، وَقِيلَ: يُرَادُ بِأَهْلِ الْأَرْضِ، وَقِيلَ: يُرَادُ بِمُحَمَّدٍ أن يملك علينا.
وَما سَمِعْنا بِهذا، أَيْ بِهَذَا الَّذِي يَقُولُهُ مُحَمَّدٌ مِنَ التَّوْحِيدِ، فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ والكلبي ومقاتل: يعنون: في النَّصْرَانِيَّةَ لِأَنَّهَا آخِرُ الْمَلَلِ وَهُمْ لَا يُوَحِّدُونَ، بَلْ يَقُولُونَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: يَعْنُونَ مِلَّةَ قُرَيْشٍ وَدِينَهُمُ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ، إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ، كذب وافتعال.
أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ، الْقُرْآنُ، مِنْ بَيْنِنا، وَلَيْسَ بِأَكْبَرِنَا وَلَا أَشْرَفِنَا، يَقُولُهُ أَهْلُ مَكَّةَ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي، أَيْ وَحْيِي وَمَا أَنْزَلْتُ، بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ، أي لم يذوقوا عذابي، وَلَوْ ذَاقُوهُ لَمَا قَالُوا هَذَا القول.
__________
- وورد مسندا بدون ذكر عمر عند الترمذي 3232 والنسائي في «التفسير» 456 والحاكم 2/ 432 والطبري 29738 من حديث ابن عباس.
صححه الحاكم، ووافقه الذهبي، مع أن فيه يحيى بن عمارة، وهو مقبول- أي لين الحديث- وتوبع في رواية ثانية عند النسائي 457 وأحمد 2/ 362 والطبري 29737 وفيه عباد بن جعفر، وهو مجهول.
- وورد من وجه ثالث أخرجه الحاكم 2/ 432، وصححه الحاكم على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وهو حسن فيه ابن إسحاق، وقد صرّح بالتحديث.
- وورد من وجه رابع عند الطبري 29751، ولكن إسناده ضعيف جدا، فيه عطية العوفي، ضعيف، وعنه مجاهيل.
- وله شاهد معضل أخرجه الطبري 29750 عن السدي، وهذا معضل.
- فالحديث حسن بشواهده، وطرقه، والله أعلم.
- وانظر «تفسير الشوكاني» 2134 بتخريجي.
(1) في المطبوع «قال» والمثبت عن المخطوط.
(2) في المخطوط «فدعا به» .
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) في المطبوع «لمكانه» والمثبت عن ط والمخطوط.

(4/54)

أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (9)

[سورة ص (38) : الآيات 9 الى 12]
أَمْ عِنْدَهُمْ خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (9) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ (10) جُنْدٌ مَا هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ (11) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (12)
أَمْ عِنْدَهُمْ أَعِنْدَهُمْ، خَزائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ، أَيْ نِعْمَةُ رَبِّكَ يَعْنِي: مَفَاتِيحَ النبوة يعطونها من شاؤوا، نظيره أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [الزُّخْرُفُ: 32] أَيْ نُبُوَّةَ رَبِّكَ، الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ، الْعَزِيزِ فِي مُلْكِهِ الْوَهَّابِ وَهَبَ النُّبُوَّةَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما، أَيْ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ، فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبابِ، أَيْ إِنِ ادَّعَوْا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَلْيَصْعَدُوا فِي الْأَسْبَابِ الَّتِي تُوَصِّلُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فليأتوا مِنْهَا بِالْوَحْيِ إِلَى مَنْ يَخْتَارُونَ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: أَرَادَ بِالْأَسْبَابِ أَبْوَابَ السَّمَاءِ وَطُرُقَهَا مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، وَكُلُّ مَا يُوَصِّلُكَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ بَابٍ أَوْ طَرِيقٍ فَهُوَ سَبَبُهُ، وَهَذَا أَمْرُ تَوْبِيخٍ وَتَعْجِيزٍ.
جُنْدٌ مَا هُنالِكَ، أَيْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَقُولُونَ هَذَا القول جند ما هنالك، وما صِلَةٌ، مَهْزُومٌ مَغْلُوبٌ، مِنَ الْأَحْزابِ، أَيْ مِنْ جُمْلَةِ الْأَجْنَادِ يَعْنِي قُرَيْشًا، قَالَ قَتَادَةُ: أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِمَكَّةَ أَنَّهُ سَيَهْزِمُ جُنْدَ الْمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [الْقَمَرُ: 45] ، فَجَاءَ تَأْوِيلُهَا يوم بدر، وهناك إِشَارَةٌ إِلَى بَدْرٍ وَمَصَارِعِهِمْ مِنَ الْأَحْزَابِ، أَيْ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْزَابِ أَيْ هُمْ مِنَ الْقُرُونِ الْمَاضِيَةِ الَّذِينَ تَحَزَّبُوا وَتَجَمَّعُوا عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِالتَّكْذِيبِ، فَقُهِرُوا وَأُهْلِكُوا.
ثُمَّ قَالَ مُعَزِّيًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ (12) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ذُو الْبِنَاءِ الْمُحْكَمِ، وَقِيلَ: أَرَادَ ذُو الْمُلْكِ الشَّدِيدِ الثَّابِتِ، وَقَالَ الْقُتَيْبِيُّ: تَقُولُ الْعَرَبُ هُمْ فِي عِزٍّ ثَابِتِ الْأَوْتَادِ يُرِيدُونَ أَنَّهُ دَائِمٌ شَدِيدٌ.
وَقَالَ الْأَسْوَدُ بْنُ يَعْفُرَ:
«وَلَقَدْ غَنَوْا فِيهَا بِأَنْعَمِ عِيشَةٍ ... فِي ظِلِّ مُلْكٍ ثَابِتِ الأوتاد»
وأصل هَذَا أَنَّ بُيُوتَهُمْ كَانَتْ تُثَبَّتُ بِالْأَوْتَادِ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: ذُو الْقُوَّةِ وَالْبَطْشِ. وَقَالَ عَطِيَّةُ: ذُو الْجُنُودِ وَالْجُمُوعِ [1] الْكَثِيرَةِ، يَعْنِي أَنَّهُمْ كَانُوا يُقَوُّونَ أَمْرَهُ، وَيَشُدُّونَ [2] مُلْكَهُ، كَمَا يُقَوِّي الْوَتَدُ الشَّيْءَ، وَسُمِّيَتِ الْأَجْنَادُ أَوْتَادًا لِكَثْرَةِ الْمَضَارِبِ الَّتِي كَانُوا يَضْرِبُونَهَا وَيُوَتِّدُونَهَا فِي أَسْفَارِهِمْ، وَهُوَ رِوَايَةُ عَطِيَّةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ الْكَلْبِيُّ وَمُقَاتِلٌ: الْأَوْتَادُ جَمْعُ الْوَتَدِ وَكَانَتْ لَهُ أَوْتَادٌ يُعَذِّبُ النَّاسَ عَلَيْهَا، وَكَانَ إِذَا غَضِبَ عَلَى أَحَدٍ مَدَّهُ مُسْتَلْقِيًا بَيْنَ أربعة أوتاد يشد كُلَّ يَدٍ وَرِجْلٍ مِنْهُ إِلَى سَارِيَةٍ وَيَتْرُكُهُ كَذَلِكَ فِي الْهَوَاءِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ حَتَّى يَمُوتَ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: كَانَ يَمُدُّ الرَّجُلَ مُسْتَلْقِيًا عَلَى الأرض ثم يَشُدُّ [3] يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَرَأْسَهُ عَلَى الْأَرْضِ بِالْأَوْتَادِ وَقَالَ الْسُّدِّيُّ: كَانَ يمد الرجل ويشد بِالْأَوْتَادِ وَيُرْسِلُ عَلَيْهِ الْعَقَارِبَ وَالْحَيَّاتِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَعَطَاءٌ: كَانَتْ لَهُ أَوْتَادٌ وَأَرْسَانٌ وَمَلَاعِبُ يُلْعَبُ عَلَيْهَا بين يديه.
__________
(1) في المطبوع «الجوع» والمثبت عن «ط» والمخطوط.
(2) في المخطوط «يشددون» والمثبت عن المطبوع و «ط» والمخطوط (أ) .
(3) في المخطوط «يمد» .