فصول الكتاب

حم (1)

أَصَابَتْهُ، لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي، أَيْ بِعَمَلِي وَأَنَا مَحْقُوقٌ [1] بِهَذَا، وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى، يقول هذا الكافر ليست عَلَى يَقِينٍ مِنَ الْبَعْثِ، فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ، وَرُدِدْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى، أَيِ الْجَنَّةُ أَيْ كَمَا أَعْطَانِي فِي الدُّنْيَا سَيُعْطِينِي فِي الْآخِرَةِ فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَنُقِفَنَّهُمْ [2] عَلَى مَسَاوِئِ أَعْمَالِهِمْ، وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ.
وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ (51) ، كَثِيرٍ وَالْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ الطُّولَ وَالْعَرْضَ فِي الْكَثْرَةِ، يقال: أَطَالَ فَلَانٌ الْكَلَامَ وَالدُّعَاءَ وَأَعْرَضَ، أَيْ أَكْثَرَ.
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ، هَذَا الْقُرْآنُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ، خِلَافٍ لِلْحَقِّ بَعِيدٍ عَنْهُ أَيْ فَلَا أَحَدَ [3] أَضَلُّ مِنْكُمْ.
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ، قَالَ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يَعْنِي مَنَازِلَ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ. وَفِي أَنْفُسِهِمْ، بِالْبَلَاءِ وَالْأَمْرَاضِ. وَقَالَ قَتَادَةُ: فِي الْآفَاقِ يَعْنِي وَقَائِعَ اللَّهِ فِي الْأُمَمِ، وَفِي أَنْفُسِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالْحَسَنُ وَالسُّدِّيُّ والكلبي: فِي الْآفَاقِ مَا يُفْتَحُ مِنَ الْقُرَى عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَفِي أَنْفُسِهِمْ فَتْحُ مَكَّةَ. حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ، يَعْنِي دِينَ الْإِسْلَامِ.
وَقِيلَ: الْقُرْآنُ يَتَبَيَّنُ لَهُمْ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ. وَقِيلَ: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَبَيَّنُ لَهُمْ أَنَّهُ مُؤَيَّدٌ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَقَالَ عَطَاءٌ وَابْنُ زَيْدٍ: فِي الْآفَاقِ يَعْنِي أَقْطَارَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ مِنَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالنُّجُومِ وَالنَّبَاتِ وَالْأَشْجَارِ وَالْأَنْهَارِ، وَفِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ لَطِيفِ الصَّنْعَةِ وَبَدِيعِ الْحِكْمَةِ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ: أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ، قَالَ مقاتل: أو لم يَكْفِ بِرَبِّكَ [شَاهِدًا أَنَّ الْقُرْآنَ من الله. قَالَ الزَّجَّاجُ: مَعْنَى الْكِفَايَةِ هَاهُنَا أن الله تعالى قَدْ بَيَّنَ مِنَ الدَّلَائِلِ مَا فيه كفاية يعني أو لم يَكْفِ بِرَبِّكَ] [4] لِأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ شَاهِدٌ لَا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ.
أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ، فِي شَكٍّ مِنَ الْبَعْثِ، أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ، أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا.

سُورَةُ الشُّورَى
مَكِّيَّةٌ وهي ثلاث وخمسون آية

[سورة الشورى (42) : الآيات 1 الى 3]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
حم (1) عسق (2) كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3)
__________
(1) في المطبوع «محبوب» وفي المخطوط (ب) «إنا محقون» والمثبت عن «ط» والمخطوط (أ) .
(2) في المخطوط (أ) «لنوقفتهم» وفي ط «لنفقّهنّهم» والمثبت عن المخطوط (ب) والمطبوع. [.....]
(3) في المخطوط (ب) «أجد» والمثبت عن ط والمخطوط (أ) .
(4) ما بين المعقوفتين سقط من المطبوع واستدرك من ط والمخطوط.

(4/137)

لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (4)

حم (1) عسق، سُئِلَ الْحُسَيْنُ بْنُ الفضل [1] لم تقطع [2] حم عسق وَلَمْ يُقَطَّعْ كهيعص؟ فقال:
لأنها سور [3] أَوَائِلُهَا [4] حم فَجَرَتْ مَجْرَى نَظَائِرِهَا فَكَانَ حم مُبْتَدَأً وَعسق خَبَرَهُ وَلِأَنَّهُمَا عُدَّا آيَتَيْنِ وَأَخَوَاتُهَا مِثْلُ كهيعص وَالمص وَالمر عُدَّتْ آيَةً وَاحِدَةً.
وَقِيلَ: لِأَنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي كهيعص وَأَخَوَاتِهَا أَنَّهَا حُرُوفُ التَّهَجِّي لَا غَيْرَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي حم فَأَخْرَجَهَا بَعْضُهُمْ مِنْ حَيِّزِ الْحُرُوفِ وَجَعَلَهَا فِعْلًا، وَقَالَ: مَعْنَاهَا حَمَّ أَيْ قَضَى ما هو كائن، رَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: ح حِلْمُهُ، م مَجْدُهُ، ع علمه، من سَنَاؤُهُ، ق قُدْرَتُهُ، أَقْسَمَ اللَّهُ بِهَا.
وَقَالَ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: ح حَرْبٌ يَعِزُّ فِيهَا الذَّلِيلُ وَيَذِلُّ فِيهَا الْعَزِيزَ مِنْ [5] قُرَيْشٍ، م مالك يَتَحَوَّلُ مِنْ قَوْمٍ إِلَى قَوْمٍ، ع عَدُوٌّ لِقُرَيْشٍ يَقْصِدُهُمْ، س سيء يَكُونُ فِيهِمْ، ق قُدْرَةُ اللَّهِ النَّافِذَةُ فِي خَلْقِهِ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ مِنْ نَبِيٍّ صَاحِبِ كِتَابٍ إِلَّا وَقَدْ أُوحِيَتْ إِلَيْهِ حم عسق.
فَلِذَلِكَ قَالَ: كَذلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ، وقرأ ابْنُ كَثِيرٍ يُوحِي بِفَتْحِ الْحَاءِ وحجته قوله: أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [النساء: 163، الشورى: 7] ، وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ، وعلى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ قَوْلُهُ، اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، تبين لِلْفَاعِلِ كَأَنَّهُ قِيلَ مَنْ يُوحِي فَقِيلَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ يُوحِي بِكَسْرِ الْحَاءِ، إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. قَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: يريد أخبار الغيب.

[سورة الشورى (42) : الآيات 4 الى 7]
لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (4) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (5) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (6) وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (7)
لَهُ مَا فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (4) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ، أَيْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا تَتَفَطَّرُ فَوْقَ الَّتِي تَلِيهَا مِنْ قَوْلِ الْمُشْرِكِينَ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً نَظِيرُهُ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ [88] :
وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً (88) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا (89) تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ. وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ، مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، أَلا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ، يَحْفَظُ أَعْمَالَهُمْ وَيُحْصِيهَا عَلَيْهِمْ لِيُجَازِيَهُمْ بِهَا، وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ، لَمْ يوكلك الله عليهم حَتَّى تُؤْخَذَ بِهِمْ.
وَكَذلِكَ، مِثْلَ مَا ذَكَرْنَا، أَوْحَيْنا إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى، مَكَّةَ يَعْنِي أَهْلَهَا، وَمَنْ حَوْلَها، يَعْنِي قُرَى الْأَرْضِ كُلَّهَا، وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ، أَيْ تُنْذِرُهُمْ بِيَوْمِ الْجَمْعِ وَهُوَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَجْمَعُ اللَّهُ
__________
(1) في المخطوط (ب) «أبي الفضل» .
(2) في المطبوع «يقطع» والمثبت عن المخطوط.
(3) في المطبوع «سورا» والمثبت عن المخطوط.
(4) في المخطوط (ب) «أولها» والمثبت عن المخطوط (أ) وط.
(5) في المخطوط (أ) «في» .

(4/138)

الأولين والآخرين وأهل السموات والأرضين، لَا رَيْبَ فِيهِ، لَا شَكَّ فِي الْجَمْعِ أَنَّهُ كَائِنٌ ثُمَّ بَعْدَ الْجَمْعِ يَتَفَرَّقُونَ. فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ.
«1868» أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الشُّرَيْحِيُّ أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ ثنا أبو منصور الحمشاوي [1] ثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْأَصَمُّ ثَنَا أَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ التنوخي ثنا بِشْرُ بْنُ بَكْرٍ حَدَّثَنِي سَعِيدُ بن عثمان عن أبي الزاهرية حدير [2] بْنُ كُرَيْبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ.
قَالَ الثَّعْلَبِيُّ: وَأَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بن فنجويه الدينوري ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ مَالِكٍ الْقَطِيعِيُّ ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حنبل حدثني أبي [ثنا] [3] هاشم [4] بن القاسم ثنا لَيْثٌ حَدَّثَنِي أَبُو قُبَيْلٍ الْمُعَافِرِيُّ عَنْ شُفَيٍّ الْأَصْبَحِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ قَابِضًا عَلَى كَفَّيْهِ وَمَعَهُ كِتَابَانِ،.
فَقَالَ: «أَتُدْرُونَ مَا هَذَانِ الْكِتَابَانِ؟» قُلْنَا: لا يا رسول الله [إلا أن تخبرنا] [5] ، فَقَالَ «لِلَّذِي فِي يَدِهِ الْيُمْنَى:
هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ وَعِدَّتُهُمْ قَبْلَ أَنْ يَسْتَقِرُّوا نُطَفًا فِي الْأَصْلَابِ [6] ، [وَقَبْلَ أَنْ يَسْتَقِرُّوا نُطَفًا فِي الْأَرْحَامِ] [7] إِذْ هُمْ فِي الطِّينَةِ مُنْجَدِلُونَ فَلَيْسَ بِزَائِدٍ فِيهِمْ وَلَا نَاقِصٍ مِنْهُمْ إِجْمَالٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ قَالَ لِلَّذِي فِي يَسَارِهِ: هَذَا كِتَابٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ النَّارِ وَأَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ وَعِدَّتُهُمْ قَبْلَ أَنْ يَسْتَقِرُّوا نُطَفًا فِي الْأَصْلَابِ، وَقَبْلَ أَنْ يَسْتَقِرُّوا نُطَفًا فِي الْأَرْحَامِ إِذْ هُمْ فِي الطِّينَةِ مُنْجَدِلُونَ فَلَيْسَ بِزَائِدٍ فِيهِمْ وَلَا بِنَاقِصٍ مِنْهُمْ، إِجْمَالٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ القيامة» ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو: فَفِيمَ الْعَمَلُ إذًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «اعْمَلُوا وَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، فَإِنَّ صَاحِبَ الْجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ، وَإِنَّ صَاحِبَ النَّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وإن
__________
1868- صحيح. ساقه المصنف بإسنادين، أما الأول فرجاله ثقات معروفون سوى سعيد بن عثمان شيخ بشر، فلم أجد له ترجمة، وبكل حال توبع، وأما الإسناد الثاني فهو على شرط الصحيح سوى شفي وهو ثقة وللحديث شواهد.
- ليث هو ابن سعد، أبو قبيل هو حييّ بن هانىء شفيّ هو ابن ماتع.
- وأخرجه الواحدي في «الوسيط» 4/ 44 من طريق بكر بن مضر عن الليث بن سعد، وابن لهيعة عن أبي قبيل بهذا الإسناد.
- وأخرجه الترمذي 2141 والنسائي في «التفسير» 493 وأحمد 2/ 167 وابن أبي عاصم في «السنة» 348 وأبو نعيم في «الحلية» 5/ 168- 169 من طرق عن أبي قبيل به.
وقال الترمذي: حسن صحيح غريب.
- وأخرجه الطبري 30618 من طريق عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي قبيل عن شفي الأصبحي عن رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عليه وسلم قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ... فذكره.
- وهذا إسناد صحيح، وجهالة الصحابي لا تضر، وللحديث شواهد كثيرة تقدم بعضها، فهو صحيح إن شاء الله، والله الموفق.
(1) في المطبوع «أبو منظور الشامي» وفي «ط» : «أبو منصور الخشماذي» والمثبت عن المخطوط (أ) والمخطوط (ب) .
(2) في المطبوع «أبي الراهوية ثنا جرير» والمثبت عن المخطوط (أ) .
(3) سقط من الأصل.
(4) في المطبوع «هشام» والمثبت عن ط والمخطوط.
(5) ما بين المعقوفتين زيد في المطبوع وليس في «ط» ولا في المخطوط.
(6) في المخطوط (ب) «الأرحام» . [.....]
(7) ما بين المعقوفتين سقط من المخطوط (ب) .

(4/139)

وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (8)

عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ، ثُمَّ قَالَ: فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ، وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ عَدْلٌ من الله عزّ وجلّ» .

[سورة الشورى (42) : الآيات 8 الى 11]
وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (8) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (9) وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (10) فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (11)
قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً واحِدَةً، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: عَلَى دِينٍ وَاحِدٍ.
وَقَالَ مُقَاتِلٌ: عَلَى ملة الإسلام لقوله [1] تَعَالَى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى [الْأَنْعَامِ: 35] ، وَلكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشاءُ فِي رَحْمَتِهِ، فِي دِينِ الْإِسْلَامِ، وَالظَّالِمُونَ، الْكَافِرُونَ، مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ، يَدْفَعُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ، وَلا نَصِيرٍ، يَمْنَعُهُمْ مِنَ النار.
أَمِ اتَّخَذُوا، بَلِ اتَّخَذُوا أَيْ الْكَافِرُونَ، مِنْ دُونِهِ، أَيْ مِنْ دُونِ اللَّهِ، أَوْلِياءَ فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: وَلِيُّكَ يَا مُحَمَّدُ وولي من اتّبعك، وَهُوَ يُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ، مِنْ أَمْرِ الدِّينِ، فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ، يَقْضِي فِيهِ وَيَحْكُمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْفَصْلِ الَّذِي يُزِيلُ الرَّيْبَ، ذلِكُمُ اللَّهُ، الَّذِي يَحْكُمُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ هُوَ، رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ.
فاطِرُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً، مِنْ مِثْلِ خَلْقِكُمْ حَلَائِلَ، قِيلَ: إِنَّمَا قَالَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ لِأَنَّهُ خَلَقَ حَوَّاءَ مِنْ ضِلْعِ آدَمَ. وَمِنَ الْأَنْعامِ أَزْواجاً، أَصْنَافًا ذُكُورًا وَإِنَاثًا، يَذْرَؤُكُمْ، يَخْلُقُكُمْ، فِيهِ، أَيْ فِي الرَّحِمِ. وَقِيلَ: فِي البطن. وقيل: في [2] هَذَا الْوَجْهِ مِنَ الْخِلْقَةِ. قَالَ مُجَاهِدٌ:
نَسَلًا بَعْدَ نَسْلٍ مِنَ النَّاسِ وَالْأَنْعَامِ. وَقِيلَ: فِي بِمَعْنَى الْبَاءِ أَيْ يَذْرَؤُكُمْ بِهِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ يُكَثِّرُكُمْ بِالتَّزْوِيجِ. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، المثل صِلَةٌ أَيْ لَيْسَ هُوَ كَشَيْءٍ فَأَدْخَلَ الْمِثْلَ لِلتَّوْكِيدِ، كَقَوْلِهِ: فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ [الْبَقَرَةِ: 137] ، وَقِيلَ: الْكَافُ صِلَةٌ، مَجَازُهُ لَيْسَ مِثْلَهُ شَيْءٌ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: لَيْسَ لَهُ نَظِيرٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ.

[سورة الشورى (42) : الآيات 12 الى 18]
لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (12) شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (13) وَما تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (14) فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (15) وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (16)
اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزانَ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (17) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (18)
__________
(1) في المطبوع «كقوله» والمثبت عن المخطوط.
(2) في المطبوع «على» والمثبت عن المخطوط.