فصول الكتاب

اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1)

أَخَذَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ فَسَجَدَ عَلَيْهِ، فَرَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرًا وَهُوَ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ.
«2075» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ أنا آدم بن أبي إياس أنا ابن [أبي] ذئب أنا يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّجْمِ فَلَمْ يَسْجُدْ فيها.
فقلت: هذا دَلِيلٌ عَلَى أَنْ سُجُودَ التِّلَاوَةِ غَيْرُ وَاجِبٍ. قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْهَا عَلَيْنَا إِلَّا أَنْ نَشَاءَ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ. وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ وُجُوبَ سُجُودِ التِّلَاوَةِ عَلَى الْقَارِئِ وَالْمُسْتَمِعِ جَمِيعًا، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.

سُورَةُ الْقَمَرِ
مكية وهي خمس وخمسون آية

[سورة القمر (54) : الآيات 1 الى 3]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (3)
اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ، دَنَتِ الْقِيَامَةُ، وَانْشَقَّ الْقَمَرُ.
«2076» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يوسف
__________
2075- إسناده صحيح على شرط البخاري حيث تفرد عن آدم، وقد توبع ومن دونه ومن فوقه رجال البخاري ومسلم.
- أبو إياس، اسمه عبد الرحمن، ابن أبي ذئب هو محمد بن عبد الرحمن.
- وهو في «شرح السنة» 770 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح البخاري» 1073 عن آدم بن أبي إياس بهذا الإسناد.
- وأخرجه أبو داود 1404 والترمذي 576 والدارمي 2/ 343 وأحمد 5/ 186 وابن خزيمة 568 وعلي بن الجعد في «مسنده» 2858 وابن حبان 2762 من طرق عن ابن أبي ذئب به.
- وأخرجه البخاري 1072 ومسلم 577 والنسائي 2/ 160 وابن خزيمة 568 من طريق يزيد بن خصيفة عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بن قسيط به.
- وأخرجه أبو داود 1405 وابن خزيمة 566 والدارقطني 1/ 409- 410 من طريق ابْنُ وَهْبٍ عَنْ أَبِي صَخْرٍ عن ابن قسيط عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه.
2076- إسناده صحيح على شرط البخاري فقد تفرد عن عبد الله، لكن توبع ومن دونه، ومن فوقه رجال الشيخين.
- أبو عروبة اسمه مهران، قتادة هو ابن دعامة.
- وهو في «شرح السنة» 3605 بهذا الإسناد.
- وهو في «صحيح البخاري» 3868 عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الوهاب بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 3637 وأحمد 3/ 220 والطبري 32693 من طرق عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ به.

(4/320)

ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ أنا بشر بن المفضل ثنا سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً فَأَرَاهُمُ الْقَمَرَ شَقَّتَيْنِ حَتَّى رَأَوْا حِرَاءً بَيْنَهُمَا.
وَقَالَ شَيَّبَانُ عَنْ قَتَادَةَ: فَأَرَاهُمْ انْشِقَاقَ الْقَمَرِ مَرَّتَيْنِ [1] .
«2077» أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ [بْنُ أَحْمَدَ] الْمَلِيحِيُّ أَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّعِيمِيُّ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ثَنَا محمد بن إسماعيل ثنا مسدد ثنا يَحْيَى عَنْ شُعْبَةَ وَسُفْيَانُ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِرْقَتَيْنِ، فِرْقَةٍ فَوْقَ الْجَبَلِ وَفِرْقَةٍ دُونَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
«اشْهَدُوا» .
وَقَالَ أبو الضحى عن مسروق عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ بِمَكَّةَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: انْشَقَّ الْقَمَرُ ثُمَّ الْتَأَمَ بَعْدَ ذَلِكَ.
«2078» وَرَوَى أَبُو الضُّحَى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: انْشَقَّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: سَحَرَكُمُ ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ، فَاسْأَلُوا السُّفَّارَ، فَسَأَلُوهُمْ، فَقَالُوا: نَعَمْ قَدْ رَأَيْنَاهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (1) .
وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (2) ، أَيْ ذَاهِبٌ وَسَوْفَ يَذْهَبُ وَيَبْطُلُ مِنْ قَوْلِهِمْ مَرَّ الشَّيْءُ وَاسْتَمَرَّ إِذَا ذَهَبَ، مِثْلُ قَوْلِهِمْ: قرّ واستقر، هَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ، وَقَالَ أبو العالية والضحاك:
__________
- وأخرجه مسلم 2802 والترمذي 3282 وأحمد 3/ 165 من طريق عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قتادة به.
وعند أحمد زيادة «الزهري» بين «معمر» و «قتادة» .
- وأخرجه البخاري 4868 ومسلم 2802 ح 47 وأحمد 3/ 275 والطبري 32690 و32692 وأبو يعلى 2929 والطيالسي 2449 من طرق عن شعبة عن قتادة به.
- وأخرجه البخاري 3637 و4867 ومسلم 2802 وأحمد 3/ 207 وأبو يعلى 3113 من طرق عن شيبان عن قتادة به. [.....]
(1) هذه الرواية عند مسلم 2802 وأحمد 3/ 207 وأبو يعلى 3113 من طريق شيبان عن قتادة عن أنس وهي أيضا عند مسلم بإثر 2802 وأحمد 3/ 165 والترمذي 3282 وأبو يعلى 3187 من طريق عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قتادة عن أنس.
2077- إسناده صحيح على شرط البخاري.
- مسدد هو ابن مسرهد، يحيى هو ابن سعيد القطان، شعبة بن الحجاج، سفيان بن سعيد الثوري، الأعمش سليمان بن مهران، إبراهيم بن يزيد النخعي، أبو معمر هو عبد الله بن سخبرة.
- وهو في «صحيح البخاري» 4864 عن مسدد بهذا الإسناد.
- وأخرجه البخاري 3869 و3871 ومسلم 2800 ح 44 والترمذي 3385 وأحمد 1/ 447 والطبري 32694 وابن حبان 6495 والطبراني 9996 والبيهقي في «الدلائل» 2/ 265 من طرق عن الأعمش به.
- وأخرجه البخاري 3636 و4865 والترمذي 3287 وأبو يعلى 4968 وأحمد 1/ 377 وأبو يعلى 4968 والبيهقي 2/ 264 والواحدي في «الوسيط» 4/ 206 من طريق ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي معمر به.
- وورد من حديث جبير بن مطعم أخرجه أحمد 4/ 81- 82 وابن حبان 6497 والبيهقي في «الدلائل» 2/ 268 والطبري 32705.
- وورد من حديث ابن عمر أخرجه مسلم 2801 والترمذي 3288 والطيالسي 1891 وابن حبان 6498 والطبراني 13473.
2078- صحيح. أخرجه الطبري 32699 والبيهقي في «الدلائل» 2/ 266 والواحدي في «الأسباب» 774 من طريق المغيرة عن أبي الضحى به وإسناده على شرط الصحيح.

(4/321)

وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4)

مُسْتَمِرٌّ، أَيْ قَوِيٌّ شَدِيدٌ يَعْلُو كُلَّ سِحْرٍ مِنْ قَوْلِهِمْ مَرَّ الْحَبْلُ إِذَا صَلُبَ وَاشْتَدَّ، وَأَمْرَرْتُهُ أنا إِذَا أَحْكَمْتُ فَتْلَهُ وَاسْتَمَرَّ الشَّيْءُ إِذَا قَوِيَ وَاسْتَحْكَمَ.
وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ، أَيْ كَذَّبُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا عَايَنُوا مِنْ قُدْرَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَاتَّبَعُوا مَا زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْبَاطِلِ، وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ، قَالَ الْكَلْبِيُّ: لِكُلِّ أَمْرٍ حَقِيقَةٌ مَا كَانَ مِنْهُ فِي الدُّنْيَا فَسَيَظْهَرُ وَمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْآخِرَةِ فَسَيُعْرَفُ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: كُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ فَالْخَيْرُ مُسْتَقِرُّ بِأَهْلِ الْخَيْرِ، وَالشَّرُّ مُسْتَقِرٌّ بِأَهْلِ الشَّرِّ. وَقِيلَ: كُلُّ أَمْرٍ مِنْ خَيْرٍ أو شر مستقر قراره. والخير مُسْتَقِرٌّ بِأَهْلِهِ فِي الْجَنَّةِ، وَالشَّرُّ مُسْتَقِرٌّ بِأَهْلِهِ فِي النَّارِ. وَقِيلَ: يَسْتَقِرُّ قَوْلُ الْمُصَدِّقِينَ وَالْمُكَذِّبِينَ حَتَّى يَعْرِفُوا حَقِيقَتَهُ بِالثَّوَابِ وَالْعِقَابِ [1] . وَقَالَ مُقَاتِلٌ: لِكُلِّ حَدِيثٍ مُنْتَهَى. وَقِيلَ:
كُلُّ مَا قُدِّرَ كَائِنٌ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ. وَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ مستقر، بجرّ [2] الراء، ولا وجه له.

[سورة القمر (54) : الآيات 4 الى 7]
وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ (4) حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (5) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ (6) خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ (7)
وَلَقَدْ جاءَهُمْ، يَعْنِي أَهَّلَ مكة، مِنَ الْأَنْباءِ، من أَخْبَارِ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ فِي الْقُرْآنِ، مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ، مُتَنَاهًى [3] مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الِازْدِجَارِ، أَيْ نَهْيٌ وَعِظَةٌ، يُقَالُ زَجَرْتُهُ وَازْدَجَرْتُهُ إِذَا نَهَيْتُهُ عَنِ السُّوءِ، وَأَصْلُهُ مُزْتَجَرٌ، قُلِبَتِ التَّاءُ دَالًا.
حِكْمَةٌ بالِغَةٌ، يَعْنِي الْقُرْآنُ حِكْمَةٌ تَامَّةٌ قَدْ بَلَغَتِ الغاية في الزجر، فَما تُغْنِ النُّذُرُ، يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ (مَا) نَفْيًا عَلَى مَعْنَى فَلَيْسَتْ تُغْنِي النُّذُرُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ اسْتِفْهَامًا، وَالْمَعْنَى: فَأَيَّ شَيْءٍ تُغْنِي النُّذُرُ إِذَا خَالَفُوهُمْ وَكَذَّبُوهُمْ، كَقَوْلِهِ: وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ [يُونُسَ: 101] ، والنذر جمع نذير.
فَتَوَلَّ عَنْهُمْ، أي أَعْرِضْ عَنْهُمْ نَسَخَتْهَا آيَةُ الْقِتَالِ. قِيلَ: هَاهُنَا وَقَفٌ تَامٌّ. وَقِيلَ: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ.
يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ، أي إلى يوم [يدع] [4] الدَّاعِي، قَالَ مُقَاتِلٌ: هُوَ إِسْرَافِيلُ يَنْفُخُ قَائِمًا عَلَى صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، إِلى شَيْءٍ نُكُرٍ، مُنْكَرٍ فَظِيعٍ لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ فَيُنْكِرُونَهُ اسْتِعْظَامًا، قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ: نُكْرٍ بِسُكُونِ الْكَافِ، وَالْآخَرُونَ بِضَمِّهَا.
خُشَّعاً أَبْصارُهُمْ، قَرَأَ أَبُو عَمْرٍو وَيَعْقُوبُ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ: خاشِعاً عَلَى الْوَاحِدِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ: خُشَّعاً بِضَمِّ الْخَاءِ وَتَشْدِيدِ الشِّينِ عَلَى الْجَمْعِ، وَيَجُوزُ فِي أَسْمَاءِ الْفَاعِلِينَ إِذَا تَقَدَّمَتْ عَلَى الْجَمَاعَةِ التَّوْحِيدُ وَالْجَمْعُ وَالتَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ، تَقُولُ: مَرَرْتُ بِرِجَالٍ حَسَنٌ أَوْجُهُهُمْ وَحَسَنَةٌ أَوْجُهُهُمْ وَحِسَانٌ أَوْجُهُهُمْ، قَالَ الشَّاعِرُ:
وَرِجَالٍ حَسَنٌ أَوَجُهُهُمْ ... مِنْ إِيَادِ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعْدٍ
وَفِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ، أَيْ ذَلِيلَةً خَاضِعَةً عِنْدَ رُؤْيَةِ الْعَذَابِ. يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْداثِ، مِنَ الْقُبُورِ، كَأَنَّهُمْ جَرادٌ مُنْتَشِرٌ، مُنْبَثٌّ حَيَارَى، وَذَكَرَ الْمُنْتَشِرَ عَلَى لَفْظِ الْجَرَادِ، نَظِيرُهُا: كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ [الْقَارِعَةِ: 4] ، وَأَرَادَ أَنَّهُمْ يَخْرُجُونَ فَزِعِينَ لَا جِهَةَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ يَقْصِدُهَا كَالْجَرَادِ لَا جِهَةَ لَهَا تكون
__________
(1) في المخطوط «العذاب» .
(2) في المخطوط «بكسر» والمعنى واحد.
(3) في المطبوع «لا منتهى» والمثبت عن ط والمخطوط.
(4) زيادة عن المخطوط.

(4/322)

مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8)

مختلطة بعضها في بعض.

[سورة القمر (54) : الآيات 8 الى 14]
مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (8) كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (9) فَدَعا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12)
وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ (13) تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ (14)
مُهْطِعِينَ، مسرعين مقبلين، إِلَى الدَّاعِ، إِلَى صَوْتِ إِسْرَافِيلَ، يَقُولُ الْكافِرُونَ هذا يَوْمٌ عَسِرٌ، صَعْبٌ شَدِيدٌ.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ، أَيْ قَبْلَ أَهْلِ مَكَّةَ، قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنا، نُوحًا، وَقالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ، أَيْ زَجَرُوهُ عَنْ دَعْوَتِهِ وَمَقَالَتِهِ بِالشَّتْمِ وَالْوَعِيدِ، وَقَالُوا: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا نُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمَرْجُومِينَ [الشُّعَرَاءِ: 116] ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ مَعْنَى: ازْدُجِرَ أَيِ اسْتُطِيرَ جُنُونًا.
فَدَعا، نُوحٌ، رَبَّهُ، وَقَالَ، أَنِّي مَغْلُوبٌ، مَقْهُورٌ، فَانْتَصِرْ، فَانْتَقِمْ لِي مِنْهُمْ.
فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ (11) ، مُنْصَبٍّ انْصِبَابًا شَدِيدًا لَمْ يَنْقَطِعْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَقَالَ يَمَانُ: قَدْ طَبَّقَ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً فَالْتَقَى الْماءُ، يَعْنِي مَاءَ السَّمَاءِ وَمَاءَ الْأَرْضِ، وَإِنَّمَا قال: التقى الْمَاءُ وَالِالْتِقَاءُ لَا يَكُونُ مِنْ وَاحِدٍ إِنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا لِأَنَّ الْمَاءَ يَكُونُ جَمْعًا وَوَاحِدًا، وَقَرَأَ عَاصِمٌ الْجَحْدَرِيُّ:
فَالْتَقَى الْمَاءَانِ. عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ، أَيْ قُضِيَ عَلَيْهِمْ فِي أُمِّ الْكِتَابِ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: قَدَّرَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ الْمَاءَانِ سَوَاءً فَكَانَا عَلَى مَا قُدِرَ.
وَحَمَلْناهُ، يَعْنِي نُوحًا، عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ، أَيْ سَفِينَةٍ ذَاتِ أَلْوَاحٍ، ذَكَرَ النَّعْتَ وَتَرَكَ الِاسْمَ، أَرَادَ بِالْأَلْوَاحِ خَشَبَ السَّفِينَةِ الْعَرِيضَةِ، وَدُسُرٍ، أَيِ الْمَسَامِيرُ الَّتِي تُشَدُّ بِهَا الْأَلْوَاحُ، وَاحِدُهَا دِسَارٌ وَدَسِيرٌ، يُقَالُ: دَسَرْتُ السَّفِينَةَ إِذَا شَدَدْتُهَا بِالْمَسَامِيرِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: الدُّسُرُ صَدْرُ السَّفِينَةِ سُمِّيَتْ بذلك لأنها تدسر الماء بجؤجؤها، أَيْ تَدْفَعُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هِيَ عَوَارِضُ السَّفِينَةِ. وَقِيلَ: أَضْلَاعُهَا وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْأَلْوَاحُ جَانِبَاهَا، وَالدُّسُرُ أَصْلُهَا وطرفاها.
تَجْرِي بِأَعْيُنِنا، أَيْ بِمَرْأًى مِنَّا. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: بِحِفْظِنَا، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ لِلْمُوَدَّعِ: عَيْنُ اللَّهِ عليك. قال سُفْيَانُ: بِأَمْرِنَا. جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ، قَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ يَعْنِي فِعْلَنَا بِهِ، وَبِهِمْ مِنْ إِنْجَاءِ نُوحٍ وَإِغْرَاقِ قَوْمِهِ ثَوَابًا لِمَنْ كَانَ كُفِرَ بِهِ وَجُحِدَ أَمْرُهُ، وَهُوَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَقِيلَ: مَنْ بِمَعْنَى مَا أَيْ جَزَاءً لِمَا كَانَ كُفِرَ مِنْ أَيَادِي اللَّهِ وَنِعَمِهِ عِنْدَ الَّذِينَ أَغْرَقَهُمْ، أَوْ جَزَاءً لِمَا صُنْعَ بِنُوحٍ وَأَصْحَابِهِ وَقَرَأَ مُجَاهِدٌ، جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كَفَرَ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْفَاءِ، يَعْنِي كَانَ الْغَرَقُ جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كَفَرَ بِاللَّهِ وَكَذَّبَ رسوله.

[سورة القمر (54) : الآيات 15 الى 24]
وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (15) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (16) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (17) كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (18) إِنَّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (19)
تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (20) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ (21) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (22) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (23) فَقالُوا أَبَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ (24)
وَلَقَدْ تَرَكْناها، يَعْنِي الْفِعْلَةَ الَّتِي فَعَلْنَا، آيَةً، يُعْتَبَرُ بِهَا. وَقِيلَ: أَرَادَ السَّفِينَةَ. قَالَ قَتَادَةُ: