فصول الكتاب

إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1)

سورة الواقعة
مكية وهي ست وتسعون آية

[سورة الواقعة (56) : الآيات 1 الى 8]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ (2) خافِضَةٌ رافِعَةٌ (3) إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4)
وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (5) فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (6) وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً (7) فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ مَا أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ (8)
إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ (1) ، إِذَا قَامَتِ الْقِيَامَةُ. وَقِيلَ: إِذَا نَزَلَتْ صَيْحَةُ الْقِيَامَةِ، وَهِيَ النَّفْخَةُ الْأَخِيرَةُ.
لَيْسَ لِوَقْعَتِها، لِمَجِيئِهَا، كاذِبَةٌ، كَذِبٌ، كَقَوْلِهِ: لَا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (11) [الْغَاشِيَةِ: 11] ، أي لغو يَعْنِي أَنَّهَا تَقَعُ صِدْقًا وَحَقًّا. والكاذبة اسْمٌ كَالْعَافِيَةِ وَالنَّازِلَةِ.
خافِضَةٌ رافِعَةٌ (3) ، تَخْفِضُ أَقْوَامًا إِلَى النَّارِ وَتَرْفَعُ آخَرِينَ إِلَى الْجَنَّةِ. وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:
تَخْفِضُ أَقْوَامًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُرْتَفِعِينَ وَتَرْفَعُ أَقْوَامًا كَانُوا فِي الدُّنْيَا مُسْتَضْعَفِينَ.
إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (4) ، حُرِّكَتْ وَزُلْزِلَتْ زِلْزَالًا، قَالَ الْكَلْبِيُّ: إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَوْحَى إِلَيْهَا اضْطَرَبَتْ فَرَقًا. قَالَ الْمُفَسِّرُونَ: تُرَجُّ كَمَا يُرَجُّ الصَّبِيُّ فِي الْمَهْدِ حَتَّى يَنْهَدِمَ كُلُّ بِنَاءٍ عَلَيْهَا وَيَنْكَسِرَ كُلُّ مَا عَلَيْهَا مِنَ الْجِبَالِ وَغَيْرِهَا. وَأَصْلُ الرَّجِّ فِي اللُّغَةِ التَّحْرِيكُ، يُقَالُ: رَجَجْتُهُ فَارْتَجَّ.
وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا (5) ، قَالَ عَطَاءٌ وَمُقَاتِلٌ ومجاهد: فتتت فَتًّا فَصَارَتْ كَالدَّقِيقِ الْمَبْسُوسِ وَهُوَ الْمَبْلُولُ. قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالسُّدِّيُّ: كُسِرَتْ كَسْرًا وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: سُيِّرَتْ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ تَسْيِيرًا.
وقال الْحَسَنُ: قُلِعَتْ مِنْ أَصْلِهَا فَذَهَبَتْ، نَظِيرُهَا: فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً [طه: 105] قَالَ ابْنُ كَيْسَانَ:
جُعِلَتْ كَثِيبًا مَهِيلًا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ شَامِخَةً طَوِيلَةً.
فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا (6) ، غُبَارًا مُتَفَرِّقًا كَالَّذِي يُرَى فِي شُعَاعِ الشَّمْسِ إِذَا دَخَلَ الْكُوَّةَ وَهُوَ الْهَبَاءُ [1] .
وَكُنْتُمْ أَزْواجاً، أَصْنَافًا، ثَلاثَةً.
ثُمَّ فَسَّرَهَا فَقَالَ: فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ، هُمُ الَّذِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ إِلَى الْجَنَّةِ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى يَمِينِ آدَمَ حِينَ أُخْرِجَتِ الذُّرِّيَّةُ مِنْ صُلْبِهِ، وَقَالَ اللَّهُ لَهُمْ: هَؤُلَاءِ فِي الْجَنَّةِ وَلَا أُبَالِي. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُمُ الَّذِينَ يُعْطَوْنَ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَالرَّبِيعُ: هُمُ الَّذِينَ كَانُوا مَيَامِينَ مُبَارَكِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَكَانَتْ أَعْمَارُهُمْ [2] فِي طَاعَةِ اللَّهِ وَهُمُ التَّابِعُونَ بِإِحْسَانٍ، ثُمَّ عَجَّبَ نَبِيَّهُ صَلَّى الله عليه وسلم،
__________
(1) في المخطوط (أ) «الغبار» والمثبت عن المخطوط (ب) .
(2) في المخطوط (أ) «أعمالهم» ، والمثبت عن المخطوط (ب) والمطبوع.

(5/5)

وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (9)

فَقَالَ: مَا أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ: زَيْدٌ مَا زَيْدٌ يراد زيد شديد.

[سورة الواقعة (56) : الآيات 9 الى 16]
وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (9) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13)
وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14) عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (15) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (16)
وَأَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ (9) ، يَعْنِي أَصْحَابَ الشِّمَالِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْيَدَ الْيُسْرَى الشُّؤْمَى، وَمِنْهُ يُسَمَّى الشَّامُ وَالْيَمَنُ لِأَنَّ الْيَمَنَ عَنْ يَمِينِ الْكَعْبَةِ وَالشَّامُ عَنْ شِمَالِهَا، وَهُمُ الَّذِينَ يُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ إِلَى النَّارِ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هُمُ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى شِمَالِ آدَمَ عِنْدَ إِخْرَاجِ الذُّرِّيَّةِ وَقَالَ اللَّهُ لَهُمْ: هَؤُلَاءِ فِي النَّارِ وَلَا أُبَالِي، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: هُمُ الَّذِينَ يُؤْتَوْنَ كُتُبَهُمْ بِشِمَالِهِمْ. وَقَالَ الْحَسَنُ: هُمُ الْمَشَائِيمُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَكَانَتْ أَعْمَارُهُمْ فِي الْمَعَاصِي.
وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (10) ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: السَّابِقُونَ إِلَى الْهِجْرَةِ هُمُ السَّابِقُونَ فِي الْآخِرَةِ. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: السَّابِقُونَ إِلَى الْإِسْلَامِ. قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوا إِلَى الْقِبْلَتَيْنِ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ [التَّوْبَةِ: 100] ، قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: السَّابِقُونَ إِلَى إِجَابَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدُّنْيَا هُمُ السَّابِقُونَ إِلَى الْجَنَّةِ فِي الْعُقْبَى. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: إلى إجابة الأنبياء صلوات الله عليهم بِالْإِيمَانِ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ: إِلَى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: إِلَى الْجِهَادِ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هُمُ الْمُسَارِعُونَ إِلَى التَّوْبَةِ وَإِلَى أَعْمَالِ الْبِرِّ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [الْحَدِيدِ: 21] ، وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ [آلِ عِمْرَانَ: 133] ثُمَّ أَثْنَى عَلَيْهِمْ فَقَالَ: أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (61) [المؤمنون: 61] ، وقال ابْنُ كَيْسَانَ: وَالسَّابِقُونَ إِلَى كُلِّ مَا دَعَا اللَّهُ إِلَيْهِ.
وَرُوِيَ عَنْ كَعْبٍ قَالَ: هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ الْمُتَوَّجُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. وَقِيلَ: هُمْ أَوَّلُهُمْ رَوَاحًا إِلَى الْمَسْجِدِ وأولهم خروجا [فِي الْجِهَادِ] [1] فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَقَالَ الْقُرَظِيُّ: إِلَى كُلِّ خَيْرٍ.
أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (11) ، مِنَ اللَّهِ.
فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (12) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (13) ، أَيْ مِنَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ مِنْ لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى زَمَانِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم، والثلة: الجماعة غَيْرُ مَحْصُورَةِ الْعَدَدِ.
وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (14) ، يَعْنِي مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، قال الزجاج [هم] [2] الَّذِينَ عَايَنُوا جَمِيعَ النَّبِيِّينَ مِنْ لَدُنْ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَصَدَّقُوهُمْ، أَكْثَرُ مِمَّنْ عَايَنَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (15) ، مَنْسُوجَةٍ كَمَا تُوَضَنُ حِلَقُ الدِّرْعِ فَيُدْخَلُ بَعْضُهَا فِي بعض. قال المفسرون: هي مرمولة [3] مَنْسُوجَةٌ بِالذَّهَبِ وَالْجَوَاهِرِ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مَوْضُونَةٌ مَصْفُوفَةٌ.
مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (16) ، لَا يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ فِي قَفَا بعض.

[سورة الواقعة (56) : الآيات 17 الى 23]
يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (17) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (18) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (19) وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21)
وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23)
__________
(1) زيادة عن المخطوط.
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) في المطبوع «موصولة» والمثبت عن المخطوط.

(5/6)

جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24)

يَطُوفُ عَلَيْهِمْ، لِلْخِدْمَةِ، وِلْدانٌ، غِلْمَانٌ، مُخَلَّدُونَ، لَا يَمُوتُونَ وَلَا يَهْرَمُونَ وَلَا يَتَغَيَّرُونَ.
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: تَقُولُ الْعَرَبُ لِمَنْ كَبِرَ وَلَمْ يَشْمَطْ [1] إِنَّهُ مُخَلَّدٌ. قَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: يَعْنِي وِلْدَانًا لَا يُحَوَّلُونَ مِنْ حَالَةٍ إِلَى حَالَةٍ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: مُقَرَّطُونَ يُقَالُ خَلَّدَ جَارِيَتَهُ إِذَا حَلَّاهَا بِالْخِلْدِ، وَهُوَ الْقِرْطُ.
قَالَ الْحَسَنُ: هُمْ أَوْلَادُ أَهْلِ الدُّنْيَا لَمْ تَكُنْ لَهُمْ حَسَنَاتٌ فَيُثَابُوا عَلَيْهَا وَلَا سَيِّئَاتٌ فَيُعَاقَبُوا عَلَيْهَا لِأَنَّ الْجَنَّةَ لَا ولادة فيها فهم خدم أَهْلِ الْجَنَّةِ.
بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ، فَالْأَكْوَابُ جَمْعُ كُوبٍ وَهِيَ الْأَقْدَاحُ الْمُسْتَدِيرَةُ الْأَفْوَاهِ لَا آذَانَ لَهَا وَلَا عرى، والأباريق [جمع إبريق] وَهِيَ ذَوَاتُ الْخَرَاطِيمِ سُمِّيَتْ أَبَارِيقَ لِبَرِيقِ لَوْنِهَا مِنَ الصَّفَاءِ. وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ، خَمْرٍ جَارِيَةٍ.
لَا يُصَدَّعُونَ عَنْها، لا تصدع رؤوسهم من شربها، وَلا يُنْزِفُونَ [لا يذهب عقولهم] [2] أَيْ لَا يَسْكَرُونَ هَذَا إِذَا قُرِئَ بِفَتْحِ الزَّايِ وَمَنْ كَسَرَ فَمَعْنَاهُ لَا يَنْفَدُ شَرَابُهُمْ.
وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) ، يَخْتَارُونَ مَا يَشْتَهُونَ يُقَالُ تَخَيَّرْتُ الشَّيْءَ إِذَا أَخَذْتُ خَيْرَهُ.
وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَخْطُرُ عَلَى قَلْبِهِ لَحْمُ الطَّيْرِ فَيَصِيرُ مُمَثَّلًا بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى مَا اشْتَهَى، وَيُقَالُ: إِنَّهُ يَقَعُ عَلَى صَحْفَةِ الرَّجُلِ فَيَأْكُلُ مِنْهُ مَا يَشْتَهِي ثُمَّ يَطِيرُ فَيَذْهَبُ.
وَحُورٌ عِينٌ (22) ، قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَالنُّونِ، أَيْ وَبِحُورٍ عِينٍ أَتْبَعَهُ قَوْلَهُ:
«بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ- وَفَاكِهَةٍ- وَلَحْمِ طَيْرٍ» فِي الْإِعْرَابِ وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الْمَعْنَى لِأَنَّ الْحُورَ لَا يُطَافُ بِهِنَّ.
كَقَوْلِ الشَّاعِرِ:
إِذَا مَا الْغَانِيَاتُ بَرَزْنَ يَوْمًا ... وَزَجَّجْنَ الْحَوَاجِبَ وَالْعُيُونَا
وَالْعَيْنُ لَا تُزَجَّجُ وَإِنَّمَا تُكَحَّلُ وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ وَيُكْرَمُونَ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمِ طَيْرٍ وَحُورٍ عِينٍ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ أَيْ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ حُورٌ عِينٌ.
وَقَالَ الْأَخْفَشُ: رُفِعَ عَلَى مَعْنَى لَهُمْ حُورٌ عِينٌ ورجاء فِي تَفْسِيرِهِ حُورٌ عِينٌ بِيضٌ ضِخَامُ الْعُيُونِ.
كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) ، الْمَخْزُونِ فِي الصَّدَفِ لَمْ تَمَسَّهُ الْأَيْدِي.
وَيُرْوَى أَنَّهُ يَسْطَعُ نُورٌ فِي الْجَنَّةِ قَالُوا وَمَا هَذَا قَالُوا ضَوْءُ ثَغْرِ حَوْرَاءَ ضَحِكَتْ فِي وَجْهِ زَوْجِهَا.
وَيُرْوَى: أَنَّ الحوراء إذا مشت ليسمع تَقْدِيسُ الْخَلَاخِلِ مِنْ سَاقَيْهَا وَتَمْجِيدُ الْأَسْوِرَةِ مِنْ سَاعِدَيْهَا، وَإِنَّ عِقْدَ الْيَاقُوتِ لَيَضْحَكُ مِنْ نَحْرِهَا، وَفِي رِجْلَيْهَا نَعْلَانِ مِنْ ذَهَبٍ شِرَاكُهُمَا من لؤلؤ يصران بالتسبيح.

[سورة الواقعة (56) : الآيات 24 الى 31]
جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (24) لَا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (25) إِلاَّ قِيلاً سَلاماً سَلاماً (26) وَأَصْحابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28)
وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) وَماءٍ مَسْكُوبٍ (31)
جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (24) .
لَا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (25) إِلَّا قِيلًا، أَيْ قَوْلًا: سَلاماً سَلاماً، نَصَبَهُمَا اتِّبَاعًا لِقَوْلِهِ قِيلًا أَيْ يَسْمَعُونَ قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا. قَالَ عَطَاءٌ: يُحَيِّي بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِالسَّلَامِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَصْحَابَ الْيَمِينِ وعجب من
__________
(1) في المطبوع «ولمن شمط» والمثبت عن المخطوط.
(2) زيادة عن المخطوط.

(5/7)

          وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32)

شَأْنِهِمْ فَقَالَ جَلَّ ذِكْرُهُ:
وَأَصْحابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحابُ الْيَمِينِ (27) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (28) ، لَا شَوْكَ فِيهِ كَأَنَّهُ خُضِدَ شَوْكُهُ أَيْ قُطِعَ وَنُزِعَ مِنْهُ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا يَعْقِرُ الْأَيْدِيَ. قَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: هُوَ الَّذِي لَا أَذًى فِيهِ. قال: وليس شيء من ثمرة الْجَنَّةِ فِي غُلُفٍ كَمَا يَكُونُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْبَاقِلَّاءِ وَغَيْرِهِ بَلْ كُلُّهَا مَأْكُولٌ وَمَشْرُوبٌ وَمَشْمُومٌ وَمَنْظُورٌ إِلَيْهِ. قَالَ الضَّحَّاكُ وَمُجَاهِدٌ: هُوَ الْمُوَقَرُ حِمْلًا. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ:
ثِمَارُهَا أَعْظَمُ مِنَ الْقِلَالِ. قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالضَّحَّاكُ: ونظر الْمُسْلِمُونَ إِلَى وَجٍّ وَهُوَ وَادٍ مُخْصِبٌ بِالطَّائِفِ فَأَعْجَبَهُمْ سِدْرُهَا، وَقَالُوا: يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ هَذَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ.
وَطَلْحٍ، أَيْ مَوْزٍ وَاحِدَتُهَا طَلْحَةٌ، عَنْ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ. وَقَالَ الْحَسَنُ: لَيْسَ هو بالموز ولكنه شجر لها ظِلٌّ بَارِدٌ طَيِّبٌ. قَالَ الْفَرَّاءُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ: الطَّلْحُ عِنْدَ الْعَرَبِ شَجَرٌ عِظَامٌ لَهَا شَوْكٌ. وَرَوَى مَجَالِدٌ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: قَرَأَ رَجُلٌ عِنْدَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (29) ، فَقَالَ: وَمَا شَأْنُ الطَّلْحِ إِنَّمَا هُوَ «طَلْعٌ مَنْضُودٌ» ثُمَّ قَرَأَ طَلْعُها هَضِيمٌ [الشعراء: 148] ، قُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهَا فِي الْمُصْحَفِ بِالْحَاءِ أَفَلَا تَحَوِّلُهَا؟ فَقَالَ: إِنَّ الْقُرْآنَ لَا يُهَاجُ اليوم ولا يحول.
والمنضود الْمُتَرَاكِمُ الَّذِي قَدْ نُضِّدَ بِالْحَمْلِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ، لَيْسَتْ لَهُ سُوقٌ بَارِزَةٌ.
قَالَ مَسْرُوقٌ: أَشْجَارُ الْجَنَّةِ مِنْ عُرُوقِهَا إِلَى أفنانها ثَمَرٌ كُلُّهُ.
وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) ، دَائِمٌ لَا تَنْسَخُهُ الشَّمْسُ وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلشَّيْءِ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ مَمْدُودٌ.
«2102» أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ حَسَّانُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَنِيعِيُّ أَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمِشٍ الزِّيَادِيُّ أَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بن الحسين القطان ثَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ قَالَ: ثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فِي الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا» .
وَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (30) قَالَ: شَجَرَةٌ في الجنة على ساق [1] يَخْرُجُ إِلَيْهَا أَهْلُ الْجَنَّةِ فَيَتَحَدَّثُونَ فِي أَصْلِهَا وَيَشْتَهِي بَعْضُهُمْ لَهْوَ الدُّنْيَا فَيُرْسِلُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عليها ريحا من الجنة فتتحرك تِلْكَ الشَّجَرَةَ بِكُلِّ لَهْوٍ فِي الدُّنْيَا.
وَماءٍ مَسْكُوبٍ (31) ، مَصْبُوبٍ يَجْرِي دَائِمًا فِي غَيْرِ أُخْدُودٍ لَا ينقطع.

[سورة الواقعة (56) : الآيات 32 الى 36]
وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (33) وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (34) إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (35) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً (36)
وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (32) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلا مَمْنُوعَةٍ (33) ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تَنْقَطِعُ إِذَا جنيت ولا تمتنع من
__________
2102- إسناده صحيح، أحمد بن يوسف خرج له مسلم، وقد توبع هو ومن دونه، ومن فوقه رجال البخاري ومسلم.
- عبد الرزاق هو ابن همام، معمر بن راشد.
- وهو في «شرح السنة» 4266 بهذا الإسناد.
- وهو في «مصنف عبد الرزاق» 20876 عن معمر به.
- وأخرجه ابن حبان 7412 من طريق عبد الرزاق به.
- وأخرجه عبد الرزاق في «التفسير» 3130 من طريق مَعْمَرٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ مرفوعا.
- وقد تقدم في سورة الرعد عند آية: 29 من طريق ابن المبارك، فانظره.
(1) زيد في المطبوع «العرش» .