فصول الكتاب

عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (1)

عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: إِنَّمَا يُقَالُ لَهُمْ هَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ.
وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (49) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ، أي بَعْدَ الْقُرْآنِ، يُؤْمِنُونَ، إِذَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ.

سُورَةُ النَّبَأِ
مَكِّيَّةٌ [وهي أربعون آية] [1]

[سورة النبإ (78) : الآيات 1 الى 8]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
عَمَّ يَتَساءَلُونَ (1) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (4)
ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ (5) أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (6) وَالْجِبالَ أَوْتاداً (7) وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (8)
عَمَّ، أَصْلُهُ (عَنْ مَا) فَأُدْغِمَتِ النُّونُ فِي الْمِيمِ وَحُذِفَتْ أَلِفُ مَا كَقَوْلِهِ: (فِيمَ) ، وَ (بِمَ) ، يَتَساءَلُونَ، أَيْ عَنْ أَيِّ شَيْءٍ يتساءل هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ.
وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا دَعَاهُمْ إِلَى التَّوْحِيدِ وَأَخْبَرَهُمْ بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ جَعَلُوا يَتَسَاءَلُونَ بَيْنَهُمْ فَيَقُولُونَ: مَاذَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ، قَالَ الزَّجَّاجُ: اللَّفْظُ لَفْظُ اسْتِفْهَامٍ وَمَعْنَاهُ التَّفْخِيمُ، كَمَا تَقُولُ: أَيُّ شَيْءٍ زَيْدٌ؟ إذا أعظمت أَمْرَهُ وَشَأْنَهُ.
ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ تَسَاؤُلَهُمْ عَمَّاذَا فَقَالَ: عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ (2) ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَالْأَكْثَرُونَ: هُوَ الْقُرْآنُ، دَلِيلُهُ قَوْلُهُ: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) [ص: 67] ، وَقَالَ قَتَادَةُ: هُوَ الْبَعْثُ.
الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ (3) ، فَمُصَدِّقٌ وَمُكَذِّبٌ، كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ، كَلَّا نَفْيٌ لِقَوْلِهِمْ سَيَعْلَمُونَ عَاقِبَةَ تكذيبهم حتى تَنْكَشِفُ الْأُمُورُ.
ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (5) ، وَعِيدٌ لَهُمْ عَلَى إِثْرِ وَعِيدٍ. قال الضَّحَّاكُ: كَلَّا سَيَعْلَمُونَ يَعْنِي الْكَافِرِينَ ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ يَعْنِي الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ ذَكَرَ صَنَائِعَهُ لِيَعْلَمُوا تَوْحِيدَهُ.
فَقَالَ: أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً (6) ، فِرَاشًا.
وَالْجِبالَ أَوْتاداً (7) ، لِلْأَرْضِ حَتَّى لَا تَمِيدَ.
وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً (8) ، أَصْنَافًا ذكورا وإناثا.

[سورة النبإ (78) : الآيات 9 الى 18]
وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (9) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (10) وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (11) وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (12) وَجَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً (13)
وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ مَاءً ثَجَّاجاً (14) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَباتاً (15) وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً (16) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كانَ مِيقاتاً (17) يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (18)
__________
(1) زيد في المطبوع.

(5/199)

وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19)

وَجَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً (9) ، أَيْ رَاحَةً لِأَبْدَانِكُمْ. قَالَ الزَّجَّاجُ: السُّبَاتُ أَنْ يَنْقَطِعَ عَنِ الْحَرَكَةِ وَالرُّوحُ فِيهِ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ جَعَلْنَا نَوْمَكُمْ قَطْعًا لِأَعْمَالِكُمْ لِأَنَّ أَصْلَ السَّبْتِ الْقَطْعُ.
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً (10) ، غِطَاءً وَغِشَاءً يَسْتُرُ كُلَّ شَيْءٍ بِظُلْمَتِهِ.
وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً (11) ، الْمَعَاشُ الْعَيْشُ وَكُلُّ مَا يُعَاشُ فِيهِ فَهُوَ مَعَاشٌ، أَيْ جَعَلْنَا النَّهَارَ سَبَبًا لِلْمَعَاشِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الْمَصَالِحِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُرِيدُ تَبْتَغُونَ فِيهِ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ، وَمَا قَسَّمَ لَكُمْ مِنْ رِزْقِهِ.
وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً (12) ، يريد سبع سموات.
وَجَعَلْنا سِراجاً، يَعْنِي الشَّمْسَ، وَهَّاجاً، مُضِيئًا مُنِيرًا. قَالَ الزَّجَّاجُ: الْوَهَّاجُ الوقاد. وقال مُقَاتِلٌ: جَعَلَ فِيهِ نُورًا وَحَرَارَةً، وَالْوَهَجُ يَجْمَعُ النُّورَ وَالْحَرَارَةَ.
وَأَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ، قَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ وَالْكَلْبِيُّ: يَعْنِي الرِّيَاحَ الَّتِي تَعْصِرُ السَّحَابَ، وَهِيَ رِوَايَةُ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: هي الرياح ذوات الأعاصير، وعلى هَذَا التَّأْوِيلِ تَكُونُ مِنْ بِمَعْنَى الْبَاءِ أَيْ بِالْمُعْصِرَاتِ، وَذَلِكَ أَنَّ الرِّيحَ تَسْتَدِرُّ الْمَطَرَ، وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالرَّبِيعُ وَالضَّحَّاكُ:
الْمُعْصِرَاتُ هِيَ السَّحَابُ وَهِيَ رِوَايَةُ الْوَالِبِيِّ عَنِ ابن عباس، وقال الفراء: المعصر السحابة الَّتِي تَتَحَلَّبُ بِالْمَطَرِ وَلَا تُمْطِرُ، كَالْمَرْأَةِ الْمُعْصِرِ هِيَ الَّتِي دَنَا حَيْضُهَا وَلَمْ تَحِضْ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ: هِيَ الْمُغِيثَاتُ مِنْ قَوْلِهِ:
فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: مِنَ الْمُعْصِرَاتِ أَيْ مِنَ السموات. مَاءً ثَجَّاجاً، أَيْ صَبَّابًا، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مِدْرَارًا. وَقَالَ قَتَادَةُ: مُتَتَابِعًا يَتْلُو بَعْضُهُ بَعْضًا. وَقَالَ ابْنُ زيد: كثيرا.
لِنُخْرِجَ بِهِ، أَيْ بِذَلِكَ الْمَاءِ، حَبًّا، وَهُوَ مَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ، وَنَباتاً، مَا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ مِمَّا تَأْكُلُهُ الْأَنْعَامُ.
وَجَنَّاتٍ أَلْفافاً (16) ، مُلْتَفَّةً بِالشَّجَرِ وَاحِدُهَا لَفٌ وَلَفِيفٌ [1] ، وَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ الْجَمْعِ، يُقَالُ جَنَّةٌ لَفًّا وَجَمْعُهَا لُفٌ، بِضَمِّ اللَّامِ وَجَمْعُ الْجَمْعِ أَلْفَافٌ.
إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ، يَوْمَ الْقَضَاءِ بَيْنَ الْخَلْقِ، كانَ مِيقاتاً، لِمَا وَعَدَ اللَّهُ مِنَ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ.
يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (18) ، زُمَرًا زُمَرًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ لِلْحِسَابِ.

[سورة النبإ (78) : الآيات 19 الى 25]
وَفُتِحَتِ السَّماءُ فَكانَتْ أَبْواباً (19) وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ فَكانَتْ سَراباً (20) إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً (21) لِلطَّاغِينَ مَآباً (22) لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً (23)
لَا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً (24) إِلاَّ حَمِيماً وَغَسَّاقاً (25)
وَفُتِحَتِ السَّماءُ، قَرَأَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فُتِحَتْ بِالتَّخْفِيفِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالتَّشْدِيدِ، أَيْ شُقَّتْ لِنُزُولِ الْمَلَائِكَةِ، فَكانَتْ أَبْواباً، أَيْ ذَاتَ أَبْوَابٍ. وَقِيلَ: تَنْحَلُّ وَتَتَنَاثَرُ حَتَّى تَصِيرَ فِيهَا أبواب وطرق.
وَسُيِّرَتِ الْجِبالُ، عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ، فَكانَتْ سَراباً، أَيْ هَبَاءً مُنْبَثًّا لِعَيْنِ النَّاظِرِ كَالسَّرَابِ.
إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً (21) ، طَرِيقًا وَمَمَرًّا فَلَا سَبِيلَ لِأَحَدٍ إِلَى الْجَنَّةِ حَتَّى يَقْطَعَ النَّارَ. وَقِيلَ: كَانَتْ مِرْصَادًا أَيْ مُعَدَّةً لَهُمْ، يُقَالُ: أَرْصَدْتُ لَهُ الشَّيْءَ إِذَا أَعْدَدْتُهُ لَهُ. وَقِيلَ: هُوَ مَنْ رَصَدْتُ الشَّيْءَ أرصده إذا
__________
(1) في المطبوع «وليف» .

(5/200)

جَزَاءً وِفَاقًا (26)

تَرَقَّبْتُهُ وَالْمِرْصَادُ الْمَكَانُ الَّذِي يَرْصُدُ الرَّاصِدُ فِيهِ الْعَدُوَّ. وَقَوْلُهُ: إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً (21) ، أَيْ تَرْصُدُ الْكُفَّارَ.
وَرَوَى مُقْسِمٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ عَلَى جِسْرِ جَهَنَّمَ سَبْعَةُ مَحَابِسَ يُسْأَلُ الْعَبْدُ عِنْدَ أَوَّلِهَا عَنْ شَهَادَةِ أَنْ لَا إله إلا الله فإن جاء بها تَامَّةً جَازَ إِلَى الثَّانِي، فَيُسْأَلُ عن الصلاة فإن جاء بها تَامَّةً جَازَ إِلَى الثَّالِثِ، فَيُسْأَلُ عن الزكاة فإن جاء بها تَامَّةً جَازَ إِلَى الرَّابِعِ، فَيُسْأَلُ عَنِ الصَّوْمِ فَإِنْ جَاءَ بِهِ تَامًّا جَازَ إِلَى الْخَامِسِ، فَيُسْأَلُ عَنِ الْحَجِّ فَإِنْ جَاءَ بِهِ تَامًّا جَازَ إِلَى السَّادِسِ، فَيُسْأَلُ عن العمرة فإن جاء بها تَامَّةً جَازَ إِلَى السَّابِعِ، فَيُسْأَلُ عَنِ الْمَظَالِمِ فَإِنْ خَرَجَ مِنْهَا وَإِلَّا يُقَالُ: انْظُرُوا فَإِنْ كَانَ لَهُ تَطَوُّعٌ أُكْمِلَ بِهِ أَعْمَالُهُ، فإذا فرغ انْطُلِقَ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ.
لِلطَّاغِينَ، لِلْكَافِرِينَ، مَآباً، مَرْجِعًا يَرْجِعُونَ إِلَيْهِ.
لابِثِينَ، قَرَأَ حَمْزَةُ وَيَعْقُوبُ لَبِثِينَ بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَقَرَأَ الْعَامَّةُ لابِثِينَ بِالْأَلِفِ وَهُمَا لُغَتَانِ. فِيها أَحْقاباً، جَمْعُ حِقْبٍ، وَالْحِقْبُ الْوَاحِدُ: ثَمَانُونَ سَنَةً، كُلُّ سَنَةٍ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، كُلُّ شَهْرٍ ثَلَاثُونَ يَوْمًا، كل يوم ألف سنة. وروي ذَلِكَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالب، وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْأَحْقَابُ ثَلَاثَةٌ وَأَرْبَعُونَ حِقْبًا، [كُلُّ حِقْبٍ سَبْعُونَ خَرِيفًا، كُلُّ خَرِيفٍ سَبْعُمِائَةِ سَنَةٍ، كُلُّ سنة ثلاثمائة وستون يوما، وكل يَوْمٍ أَلْفُ سَنَةٍ] [1] قَالَ الْحَسَنُ: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِأَهْلِ النَّارِ مُدَّةً، بَلْ قَالَ: لابِثِينَ فِيها أَحْقاباً (23) فو الله مَا هُوَ إِلَّا إِذَا مَضَى حِقَبٌ دَخْلَ آخَرُ ثُمَّ آخَرُ إِلَى الْأَبَدِ، فَلَيْسَ لِلْأَحْقَابِ عِدَّةٌ إِلَّا الْخُلُودُ. وَرَوَى السُّدِّيُّ عَنْ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: لَوْ عَلِمَ أَهْلُ النَّارِ أَنَّهُمْ يَلْبَثُونَ فِي النَّارِ عَدَدَ حَصَى الدُّنْيَا لَفَرِحُوا، وَلَوْ عَلِمَ أَهْلُ الْجَنَّةِ أَنَّهُمْ يَلْبَثُونَ فِي الْجَنَّةِ عَدَدَ حَصَى الدُّنْيَا لَحَزِنُوا. وَقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: الْحِقْبُ الْوَاحِدُ سَبْعَ عَشْرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ. قَالَ: وَهَذِهِ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ نَسَخَتْهَا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً [النبأ: 30] يَعْنِي أَنَّ الْعَدَدَ قَدِ ارْتَفَعَ وَالْخُلُودَ قَدْ حَصَلَ.
لَا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً (24) ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْبَرْدَ النوم، ومثله قال الكسائي وأبو عُبَيْدَةَ، تَقُولُ الْعَرَبُ: مَنَعَ الْبَرْدُ الْبَرْدَ أَيْ أَذْهَبَ الْبَرْدُ النَّوْمَ. وَقَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ: لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا أَيْ رَوْحًا وَرَاحَةً. قال مُقَاتِلٌ: لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا فينفعهم مِنْ حَرٍّ وَلَا شَرَابًا يَنْفَعُهُمْ مِنْ عَطَشٍ.
إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً (25) ، قَالَ [ابْنُ عَبَّاسٍ] [2] : الْغَسَّاقُ الزَّمْهَرِيرُ يَحْرِقُهُمْ بِبَرْدِهِ. وَقِيلَ: صَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي سُورَةِ ص.

[سورة النبإ (78) : الآيات 26 الى 37]
جَزاءً وِفاقاً (26) إِنَّهُمْ كانُوا لَا يَرْجُونَ حِساباً (27) وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذَّاباً (28) وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً (29) فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذاباً (30)
إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (31) حَدائِقَ وَأَعْناباً (32) وَكَواعِبَ أَتْراباً (33) وَكَأْساً دِهاقاً (34) لَا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً (35)
جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً (36) رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً (37)
جَزاءً وِفاقاً (26) ، أي جازيناهم جَزَاءً وَافَقَ أَعْمَالَهُمْ. قَالَ مُقَاتِلٌ: وَافَقَ الْعَذَابُ الذَّنْبَ فَلَا ذَنْبَ أَعْظَمَ مِنَ الشِّرْكِ وَلَا عَذَابَ أَعْظَمَ مِنَ النَّارِ.
إِنَّهُمْ كانُوا لَا يَرْجُونَ حِساباً (27) ، لَا يَخَافُونَ أَنْ يُحَاسَبُوا، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ كَانُوا لا يؤمنون بالبعث
__________
(1) سقط من المخطوط. [.....]
(2) سقط من المخطوط.

(5/201)

يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (38)

وَلَا بِأَنَّهُمْ مُحَاسَبُونَ.
وَكَذَّبُوا بِآياتِنا، أي بما جاء به الأنبياء، كِذَّاباً، يعني تَكْذِيبًا، قَالَ الْفَرَّاءُ: هِيَ لُغَةٌ يَمَانِيَّةٌ فَصِيحَةٌ، يَقُولُونَ فِي مَصْدَرِ التفعيل فعال قال [و] [1] قَالَ لِي أَعْرَابِيٌّ مِنْهُمْ، عَلَى الْمَرْوَةِ يَسْتَفْتِينِي: الْحَلْقُ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَمِ القِصَّارُ.
وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً (29) ، أَيْ وَكُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْأَعْمَالِ بَيَّنَّاهُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ، كَقَوْلِهِ:
وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ [يس: 12] .
فَذُوقُوا، أَيْ يُقَالُ لَهُمْ فَذُوقُوا، فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً.
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (31) ، فوز وَنَجَاةً مِنَ النَّارِ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: مُتَنَزَّهًا.
حَدائِقَ وَأَعْناباً (32) ، يُرِيدُ أَشْجَارَ الْجَنَّةِ وَثِمَارَهَا.
وَكَواعِبَ، جَوَارِيَ نَوَاهِدَ قَدْ تَكَعَّبَتْ ثُدِيُّهُنَّ، وَاحِدَتُهَا كَاعِبٌ، أَتْراباً، مُسْتَوِيَاتٍ فِي السِّنِّ.
وَكَأْساً دِهاقاً (34) ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةَ وَابْنُ زَيْدٍ: مُتْرَعَةً مَمْلُوءَةً. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ: مُتَتَابِعَةً. قَالَ عِكْرِمَةُ: صَافِيَةً.
لَا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً، بَاطِلًا مِنَ الْكَلَامِ، وَلا كِذَّاباً، تَكْذِيبًا، لَا يُكَذِّبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا. وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ كِذَّاباً، بالتخفيف [وهو] [2] مصدر المكاذبة، وَقِيلَ: هُوَ الْكَذِبُ. وَقِيلَ: هُوَ بِمَعْنَى التَّكْذِيبِ كَالْمُشَدَّدِ.
جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً (36) ، أَيْ جَازَاهُمْ جَزَاءً وَأَعْطَاهُمْ عَطَاءً حِسَابًا أَيْ كَافِيًا وَافِيًا، يُقَالُ:
أَحْسَبْتُ فُلَانًا أَيْ أَعْطَيْتُهُ مَا يَكْفِيهِ حَتَّى قَالَ حَسْبِي. وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: عَطَاءً حِسَابًا أَيْ كَثِيرًا. وَقِيلَ: هُوَ جَزَاءٌ بِقَدْرِ أَعْمَالِهِمْ.
رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الرَّحْمنِ، قَرَأَ أَهْلُ الْحِجَازِ وَأَبُو عَمْرٍو رَبِّ رفع على الاستئناف والرحمن خَبَرُهُ وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالْجَرِّ إِتْبَاعًا لِقَوْلِهِ (مِنْ رَبِّكَ) وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ وَيَعْقُوبُ الرَّحْمنِ جَرًّا اتباعا لقوله: رَبِّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَقَرَأَ الْآخَرُونَ بِالرَّفْعِ، فَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ يَقْرَآنِ رَبِّ بِالْخَفْضِ لِقُرْبِهِ مِنْ قَوْلِهِ: جَزاءً مِنْ رَبِّكَ وَيَقْرَآنِ الرَّحْمنِ بِالرَّفْعِ لِبُعْدِهِ مِنْهُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَقَوْلُهُ: لَا يَمْلِكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ خَبَرُهُ، وَمَعْنَى: لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطاباً، قَالَ مُقَاتِلٌ: لَا يَقْدِرُ الْخَلْقُ عَلَى أَنْ يُكَلِّمُوا الرَّبَّ إِلَّا بِإِذْنِهِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: لَا يَمْلِكُونَ شَفَاعَةً إِلَّا بإذنه.

[سورة النبإ (78) : الآيات 38 الى 40]
يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً (38) ذلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ مَآباً (39) إِنَّا أَنْذَرْناكُمْ عَذاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَداهُ وَيَقُولُ الْكافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً (40)
يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ، أَيْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا، وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا الرُّوحِ، قَالَ الشَّعْبِيُّ وَالضَّحَّاكُ: هُوَ جِبْرِيلُ. وَقَالَ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: الرُّوحُ مَلَكٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَا خَلَقَ اللَّهُ مَخْلُوقًا أَعْظَمَ مِنْهُ، فَإِذَا كَانَ يوم القيامة قام [هو] [3] وَحْدَهُ صَفَّا وَقَامَتِ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ صَفًّا وَاحِدًا، فَيَكُونُ عِظَمُ خَلْقِهِ مِثْلُهُمْ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ [قَالَ] [4] : الروح ملك أعظم من السموات وَمِنَ الْجِبَالِ، وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ وَهُوَ في
__________
(1) زيادة عن المخطوطتين.
(2) زيادة عن المخطوط.
(3) زيادة عن المخطوط.
(4) زيادة عن المخطوط.