الفصل الثاني
...
فصل
قال العراقي: (ومن الأدلة على جواز دعاء الصالحين وندائهم ما ذكر الله عن نبيه سليمان، وقوله لآصف، فإنه1 طلب منه ما لا يقدر عليه إلا الله) .
فنقول: سبحانك هذا بهتان عظيم، ما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا.
وقصة آصف من أدلة التوحيد، وآصف توسل إلى الله بتوحيده وإلهيته، وكرر ذلك في دعائه، وقد قيل: إنه يعرف الاسم الأعظم، فهو طالب من الله، راغب إليه، سائل له، ليس بفاعل أصلاً2، وسليمان عليه السلام آمر ليس بسائل ولا طالب. وفرق بين الأمر والمسألة.
ومن لم يفرق بين الأمرين، و3لم يدر حكم المسألتين، فليرجع إلى وراء، وليقتبس نوراً من كلام أئمة العلم والهدى.
__________
1 في طبعة آل ثاني:"وقد".
2 سقطت من طبعة آل ثاني:"ليس بفاعل أصلاً".
3 سقطت: و"من طبعة آل ثاني.

(1/47)

وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب: "لا تنسنا يا أُخَيَّ من صالح دعائك" 1.
__________
1 أخرجه الإمام أحمد في "مسنده": (1/ 29، و2/ 59) ، وأبو داود: (2/ 169) ، والترمذي: (5/ 559) وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه: (2/ 966) ، وابن السني في "عمل اليوم والليلة":ص 103، وابن عدي في "الكامل": (5/ 1868) ، وابن حبان في "المجروحين": (2/ 128) ، وأبو يعلى الموصلي، والخطيب في "تاريخه": (11/ 396-397) جميعهم من طريق عاصم بن عبيد الله عن سالم عن ابن عمر عن عمر ... به. وهذا إسناد ضعيف –كما قال شيخنا العلامة المحدّث عبد العزيز بن باز-وعلّته عاصم بن عبيد الله بن عاصم بن عمر بن الخطاب. قال فيه البخاري: منكر الحديث، وكذا قال أبو حاتم وابن نمير، وضعفه أحمد وابن معين وغيرهم (انظر:"تهذيب التهذيب"لابن حجر) وقال الحافظ ابن حجر في "التقريب": (ضعيف) .
وللحديث طريق آخر أخرجه الخطيب في "تاريخه": (11/ 396) من طريق أبي عبيد بن الحسين، ثنا الحسن الزعفراني، ثنا أسباط، عن سفيان الثوري، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قال: استأذن عمرُ النبي صلى الله عليه وسلم في العمرة ... الحديث.
قال البرقاني: قيل هذا لا يتابع عليه أبو عبيد، وإنما الصحيح ما حدّث به الزعفراني عن شبابة عن شعبة عن عاصم بن عبد الله عن سالم عن ابن عمر عن عمر. اهـ.
وقال ابن عبدان: وبلغني عن أبي عبيد بن حربويه حدث به عن الزعفراني مثل هذا –أي من طريق عبيد الله بن عمر-وليس بمحفوظ من حديث الثوري وأظنه وهماً. اهـ. من "تاريخ بغداد".
وهو كما قال، فإن سائر الثقات الذين رووا هذا الحديث عن الثوري قالوا فيه: عن عاصم بن عبيد الله. وخالفهم في ذلك أسباط بن محمد عن الثوري فقال: عن عبيد الله بن عمر.
وأسباط هذا ضعيف في الثوري. قال ابن معين: كان يخطئ عن سفيان. وقال الحافظ في "التقريب": (ثقة ضعف في الثوري) .
فعلى هذا تكون هذه الطريق منكرة، وذلك أن أسباط وإن كان ثقة فهو ضعيف في روايته عن الثوري، فمخالفته للثقات هنا من باب مخالفة الضعيف للثقة والله أعلم.

(1/48)

وهذا من جنس الأسباب العادية، فإن الرجل إذا كان معروفاً بالصلاح، وإجابة الدعاء، فطلب منه الدعاء، أو أمر به، فدعا الله واستجيب له، لا يكون هو الفاعل للاستجابة، وليس المطلوب منه ما يختص بالله من الفعل، وإنما يطلب منه ما يختص به من الدعاء والتضرع.
فالآية من أدلة التوحيد، وصرف الوجوه إلى الله، وإقبال القلوب عليه، فإن آصف توسل إلى الله بتوحيده وربوبيته، وقَصَدَه وحده، ولم يقصد سليمان ولا غيره، مع أن سليمان أفضل منه لنبوته.
وفيها أن الأنبياء لا يسألون ولا يقصدون، بل ربما صار حصول مقصودهم، ونيل مطلوبهم على يد من هو دونهم من المؤمنين.
وأن أعظم الوسائل وأشرف المقاصد هو توحيد الله بعبادته ودعائه وحده لا شريك له، كما فعل آصف.
وفيها براءة أولياء الله من الحول والقوة، كما دلت عليه القصة، فإنه1 توضأ، وصلى، ودعا، فقال في دعائه: "يا ذا الجلال والإكرام" قاله مجاهد.
وقال الزهري2: يا إِلهَنا وإله كل شيء، إلهاً واحداً، لا إله إلا أنت، ائتني بعرشها".
فأي شبهة تبقى مع هذا، وأي حجة فيه على أن غير الله يدعى؟
1 في النسخ الخطية: "وأنه".
2 في طبعة آل ثاني: "الزيادي" وهو خطأ.

(1/49)

ثم أخذ العراقي في هذيان وإسهاب حاصله: أن السبب لا يفعل، وأن الله هو الفاعل.
ومراده بهذا أن دعاء الأموات والغائبين من الأولياء والصالحين يجوز ويسوغ، إذا اعتُقِد أن الله هو الفاعل.
وقد مَرَّ رد هذا، وتقرير جهل قائله، ومفارقته لما عليه أهل الإسلام، وقد تقدم أن أصل الإسلام وقاعدته: هي عبادة الله وحده لا شريك له، وإفراده بالقصد والطلب.
وأن توحيد الربوبية، واعتقاد الفاعلية له تعالى لا يكفي في السعادة والنجاة، ولا يكون به الرجل مسلماً حتى يعبد الله وحده، ويتبرآ مما سواه من الأنداد والآلهة.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لوفد عبد القيس: "آمركم بأربع، وأنهاكم عن أربع: آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله" 1.
وهذا ظاهر بحمد الله، وإن خفي على خفافيش البصائر، الذين لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجؤوا2 إلى ركن وثيق، فهاموا من
__________
1 أخرجه البخاري في "صحيحه": كتاب الإيمان (1/ 129) ، وفي العلم (1/ 185) عن ابن عباس قال: إن وفد عبد قيس أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "من الوفد –أو من القوم.... الحديث".
وأخرجه مسلم في "صحيحه": كتاب الإيمان 1/ 46، 47، 48، 49، 50) ، عن ابن عباس وأبي سعيد.
2 في طبعة آل ثاني: "يلجأوا".