الفصل السابع
...
فصل
قال: (وقد أجمع الحنابلة وغيرهم على طلب الشفاعة من الرسول بعد موته عند زيارته) .
والجواب أن يقال: هذه دعوى عريضة كبيرة، لا تصدر إلا عن اطلاع كلي، وإحاطة تامة بأقوال أهل العلم، أو عن وقاحة كلية، وتهور في الكذب، وإيغال في الافتراء.
ومن المعلوم ضرورة عند من نظر في كلام هذا من أهل العلم، أنه ليس من القسم الأول، بل هو ممن يجهل الضروريات الإسلامية، والبديهيات الإيمانية اليقينية، مما لا يخفى على عامة المسلمين، فكيف له بمعرفة الإجماع في هذه المسألة.
والمدَّعِي يطالب بتصحيح دعواه. ولكن نتنزل مع هذا ونكتفي منه بتصحيح ذلك عن واحد فقط ممن يحتج به من أئمة العلم والفتوى، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو من بعدهم من التابعين، وتابعي التابعين، أو الأئمة الأربعة، أو أصحاب الوجوه والترجيحات في مذاهبهم.
وأما من لا يحتج به من الخُلُوْفِ الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فهؤلاء ليسوا بحجة، ولا يرجع إليهم بالاتفاق، والآثارُ والأحاديث دَلَّت على عيبهم وذمهم بما أحدثوه في دين الله من

(1/83)

الأقوال والأفعال، كما في حديث العرباض بن سارية1، وغيره من الأحاديث.
وما علمت أحداً من أهل العلم وأئمة الفتوى، قال هذا، لا من الصحابة ولا من غيرهم.
__________
1 ونصه: قال العرباض بن سارية: "وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. قلنا: يا رسول الله، إن هذه لموعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال: "وقد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بما عرفتم من سنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعليكم بالطاعة وإن عبداً حبشياً، عضوا عليها بالنواجذ، فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما انقيد انقاد". هذا لفظ أحمد. وفي لفظ له: "أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن كان عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم يرى بعدي اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وإن كل بدعة ضلالة". أخرجه أحمد 4/ 126-127، وأبو داود 5/ 13-14-15، والترمذي 5/ 44-45، وابن ماجه 1/ 15-16-17، وابن حبان 1/ 105، والآجري في الشريعة ص 47، والمروزي في السنة ص21-22، وابن أبي عاصم في السنة 1/ 17-18-19-20-26-27-29-30، والطبراني في الكبير 18/ 245- 246- 247، والحاكم في المستدرك 1/ 95-96-97، وفي المدخل إلى الصحيح ص79-80-81، والبيهقي في الدلائل 6/ 541، وفي مناقب الشافعي 1/ 10-11.
قال الترمذي: حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح ليس له علّة، وأقره الذهبي، وصححه شيخ الإسلام ابن تيمية في الاقتضاء 2/ 579. وقال الحافظ ابن كثير في "تحفة الطالب" ص163: صححه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني، والذعولي، وقال شيخ الإسلام الأنصاري: هو أجود حديث في أهل الشام وأحسنه. اهـ.

(1/84)

بل حكى الشيخ الإمام أحمد بن عبد الحليم الإجماع على المنع من دعائه صلى الله عليه وسلم، والطلب منه، وقرر أن هذا من شعب الشرك الظاهرة، وسيأتيك بسط كلامه.
وذكر الحنابلة كصاحب "الفروع" و"الإقناع" وغيرهم، حتى أصحاب المختصرات: أن المُسَلِّم عند القبر لا يستقبله عند الدعاء، ولا يدعو الله عنده. وهذا منهم صيانة للتوحيد.
وأبو حنيفة قال: لا يستقبله عند السلام عليه صلى الله عليه وسلم، بل يستقبل القبلة، وحكاه شيخ الإسلام.
وقد كره مالك للرجل أن يدعو عند القبر الشريف، على صاحبه أفضل الصلاة والسلام، وذكر أنه يستقبل القبلة عند الدعاء، كما ذكره في "المبسوط" وغيره من كتب المالكية.
وفي منسك الإمام أحمد مثل هذا، بل كرهوا للرجل من أهل المدينة أن يأتي القبر الشريف كما دخل المسجد، لأنه محدث، لم يفعله أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال مالك: ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصْلَحَ أوّلَها1.
__________
1 باعث هذه الكلمة التي هي من جوامع الكلم، ما ذكره القاضي عياض –رحمه الله- في "الشفا" ج2/ 676 ط الحلبي، نقلاً من "المبسوط" للإمام إسماعيل بن إسحاق الجهضمي، عن الإمام مالك –رحمه الله- أنه قال: لا بأس لمن قدم من سفر أن يقف على قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيصلي عليه، ويدعو لأبي بكر وعمر –رضي الله عنهما.
فقيل له: فإن ناساً من أهل المدينة لا يقدمون من سفر، ولا يريدونه –أي لا يريدون السفر بل هم مقيمون- يفعلون ذلك في اليوم مرّة أو أكثر عند القبر،

(1/85)

وأما مَنْ قدم من سفر أو أراده من أهل المدينة فرخصوا1 له في إتيان القبر الشريف للسلام، لأن ابن عمر كان يفعله.
قال ابن أخيه عبيد الله بن عمر بن عاصم: لم يفعله أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلا ابن عمر2.
وعبيد الله المصغَّر3 من أفضل آل عمر، ومن أعيان وقته، ثقةً وزهداً وعلماً.
وأما دعاؤه، وطلب الشفاعة منه صلى الله عليه وسلم بعد موته، فهم مجمعون على المنع منه.
ولم ينقل عن أحد من أئمة المسلمين، لا الأئمة الأربعة، ولا غيرهم، ما يقتضي الجواز والإباحة.
__________
فيسلمون، ويدعون ساعة؟ فقال: لم يبلغني هذا عن أحد من أهل الفقه ببلدتنا، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ولم يبلغني عن أول هذه الأمة وصدرها أنهم كانوا يفعلون ذلك. ويكره إلا لمن جاء من سفر، أو أراده. اهـ.
وانظر "الاقتضاء" لشيخ الإسلام ابن تيمية، 2/ 754.
1 في النسخ الخطية: "فرخص".
2 قال عبد الرزاق في "المصنف" 3/ 576: عن معمر عن أيوب عن نافع قال: كان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه.
وأخبرنا عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر. قال معمر: فذكرت ذلك لعبيد الله بن عمر، فقال: ما نعلم أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك إلا ابن عمر.
3 في ط: آل ثاني "المصفر".