الفصل التاسع
...
فصل
وقول العراقي: (هذه الآية صحيحة لكن الفهم باطل) مما يدل على جهله المركب، وكثافة فهمه، فإن القرآن أغنى وأعلى وأجل وأعظم من أن يعبر عنه بهذه العبارة، أو يقسم إلى صحيح وغيره.
وإنما تستعمل هذه العبارة فيما يقبل القسمة من الأحاديث، لأنها تنقسم إلى صحيح، وحسن، وضعيف، وموضوع1. ولا يُصَحِّح2 إلا من يضعف، ولا يحسّن إلا من يقبح.
وقد أنكر أبو حنيفة على رجل صار يحسن ما يسمع منه من الروايات، وزجره عن ذلك، وقال: "إنما يحسن من يقبح".
هذا في السنة ونحوها، فكيف بالقرآن الذي هو كله حق وهدى، تنزيل من حكيم حميد.
وقوله: (إن الدعاء هو السجود في هذه الآية، وأن نداء الصالحين ليس بعبادة) إلى آخر عبارته.
__________
1 قال النووي في "تقريبه": "الحديث: صحيح، وحسن، وضعيف".
قال السيوطي في شرح كلام النووي هذا: وإنما لم يذكر الموضوع لأنه ليس في الحقيقة بحديث اصطلاحاً، بل يزعم واضعه. اهـ من "تدريب الراوي" 1/ 62.
2 في "أ": " ... وموضوع، أما القرآن فكله حق وهدى، تنزيل من حكيم حميد" فعلى هذا يكون قد سقط من هذه النسخة أربعة أسطر.

(1/107)

فهذا الكلام نشأ عن جهله باللغة والشرع، وما جاءت به الأنبياء، فإن العبادة تتضمن غاية الخضوع والذل، ومنه طريق مُعَبَّد: إذا كان مذللاً قد وطئته الأقدام، هذا أصلها في اللغة.
وأما في الشرع فهي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. قاله شيخ الإسلام.
وقال بعضهم: هي ما أمر به شرعاً، من غير اقتضاء عقلي، ولا اطراد عرفي.
وقال بعضهم: هي فعل ما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهى الله عنه ورسوله، ابتغاء وجه الله والدار الآخرة.
فدخل في هذه التعاريف والحدود جميع أنواع العبادات، فلا يقصد بها غير الله، ولا تصرف لسواه.
وهذا الغبي لم يعرف من أفرادها غير السجود.
ودعاءُ المسألة من أفضل أنواعها، وأجلها، كما في حديث النعمان بن بشير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الدعاء هو العبادة" 1.
__________
1 أخرجه الإمام أحمد في مسنده 4/ 267-271-276-277، وأبو داود في سننه –كتاب الصلاة- 2/ 161، والترمذي في سننه –كتاب التفسير- 5/ 211، وفي –كتاب الدعاء- 5/ 456، وابن ماجه في سننه –كتاب الدعاء- 2/ 1258، وابن المبارك في الزهد ص 459، والطيالسي في مسنده ص108، وابن أبي شيبة في المصنف 10/ 200، والبخاري في الأدب المفرد 2/ 178، وابن جرير الطبري في تفسيره 24/ 78-79، وابن حبان في صحيحه –الموارد- (ص595) والطبراني في الصغير (2/97) والحاكم في مستدركه (1/ 490-491) , والبغوي في شرح السنة 5/ 184، وفي تفسيره

(1/108)

والحصر يقتضي الاختصاص الادعائي، والتمييز على سائر العبادات. قال بعض الشراح: هو كقوله: "الحج عرفة" 1. أي ركن العبادة الأعظم هو الدعاء.
__________
-حاشية ابن كثير- 7/ 309، والقضاعي في مسند الشهاب 1/ 51، وأبو نعيم في الحلية 8/ 120 جميعهم من طريق يُسَيْع بن معدان عن النعمان بن بشير مرفوعاً ... به وسنده صحيح.
وصححه الحاكم وأقره الذهبي، وقال الترمذي: حسن صحيح، وصححه النووي، كما في الأذكار، وقال الحافظ في الفتح: إسناده جيد. 1/ 49. وحسنه السخاوي –كما في شرح الأذكار- لابن علاّن 7/ 191.
والحديث عزاه السيوطي في الدر المنثور 7/ 301 لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي حاتم وابن مردويه وأبي نعيم في الحلية 8/ 120، والبيهقي في شعب الإيمان كلهم عن النعمان بن بشير ... به.
وأخرجه الخطيب في تاريخه 12/ 279، وابن مردويه –كما في الدر- 7/ 301 وأبو يعلى –كما في شرح الأذكار-7/ 191 عن البراء بن عازب رضي الله عنه.
1 أخرجه أبو داود في كتاب الحج من "سننه" باب من لم يدرك عرفة 2/ 485، والترمذي في "سننه" كتاب الحج، باب من أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج 2/ 188 ط السلفية بالمدينة المنورة، والنسائي في باب من لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة 5/ 264 من سننه، وابن ماجه في "سننه" كتاب المناسك، باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع 2/ 1003 جميعهم عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يَعْمر: "أن ناساً من أهل نجد أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بعرفة، فسألوه، فأمر منادياً فنادى: "الحج عرفة ... " الحديث.
قال الترمذي: قال ابن أبي عمر: قال سفيان بن عيينة: "وهذا أجود حديث رواه سفيان الثوري". اهـ.
وقال ابن ماجه: قال محمد بن يحيى: "ما أرى للثوري حديثاً أشرف منه".
وقال الحاكم في المستدرك 1/ 464، 2/ 278: صحيح الإسناد وأقره الذهبي في التلخيص.

(1/109)

وفي حديث أنس: "الدعاء مخ العبادة" 1. ومخ الشيء خالصه ولُبُّه.
وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين"2. والعماد والعمود: ما يقوم به الشيء ويعتمد عليه، جعله عماداً3 لأنه لا يقوم إلا به. وأنت ترى كل العبادات الباطنة والظاهرة دالة على الطلب والمسألة على اختلاف المطلوب والمسؤول.
وكان هذا هو الوجه في التعبير بالدعاء دون العبادة في أكثر موارد القرآن والسنة.
ويشهد لهذا قوله صلى الله عليه وسلم: "أفضل الدعاء يوم عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل
__________
1 أخرجه الترمذي في سننه –كتاب الدعاء- 5/ 456 وقال: حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة. اهـ.
2 أخرجه الحاكم في المستدرك 1/ 492 من جهة محمد بن الحسن بن الزبير الهمداني ثنا جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ... فذكره. قال الحاكم: هذا حديث صحيح، فإن محمد بن الحسن هذا هو التَّل، وهو صدوق في الكوفيين. اهـ. وأقره الذهبي في التلخيص.
وذكر الذهبي الحديث في "الميزان" في ترجمة التَّل مثالاً على مناكيره وقال: "فيه انقطاع" ثم ذكر الحديث في ترجمة "محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني" وقال: "وفيه انقطاع" وعليه فليحرر من محمد بن الحسن في هذا السند.
والحديث أخرجه أبو يعلى في مسنده 1/ 344 حدثنا الحسن بن حماد الكوفي حدثنا محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني عن جعفر بن محمد ... .
قال الهيثمي في "المجمع" 10/ 147: رواه أبو يعلى وفيه محمد بن الحسن بن أبي يزيد وهو متروك اهـ.
3 في ط: آل ثاني: "عماد".