مُقَدِّمَةٌ

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
وَبِه ثقتي وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه
أخبرنَا الشَّيْخَانِ الصالحان الثقتان: الشَّيْخ تَاج الدَّين أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن عَليّ بن أبي الْفَضَائِل العكبري الْفَقِيه الشَّافِعِي، وَالشَّيْخ كَمَا الدَّين أَبُو حَفْص عمر بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن حُسَيْن سبط الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الْحَافِظ أبي مُحَمَّد عبد الرَّحِيم بن مُحَمَّد بن الزّجاج.
قِرَاءَة عَلَيْهِمَا وَأَنا أسمع، فِي يَوْم الْجُمُعَة السَّادِس عشر من شهر ربيع الآخر من سنة ثَلَاث وَثَلَاثِينَ وَسَبْعمائة فِي مَسْجِد السلَامِي بدار الْخَلِيفَة مشرقي بَغْدَاد.
قيل لَهما: أخبركما الشَّيْخ الإِمَام الْعَالم مجد الدَّين أَبُو الْفضل عبد الله بن مَحْمُود بن مودود بن مَحْمُود بن بلدجي إجَازَة فأقرابه.
قَالَا: أخبرنَا الشَّيْخ الإِمَام الزَّاهِد الصَّالح أَبُو بكر مِسْمَار بن عمر بن مُحَمَّد بن العويس النيار الْمُقْرِئ الْبَغْدَادِيّ سَمَاعا لجميعه قَالَ: أخبرنَا أَبُو الْفضل مُحَمَّد بن نَاصِر بن مُحَمَّد بن عَليّ الْحَافِظ قَالَ: أَنا أَبُو بكر أَحْمد بن عَليّ الطُّرَيْثِيثِيُّ قَالَ: أخبرنَاأبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ الْحَمَّامِيُّ رَحْمَة الله عَلَيْهِ، قَالَ: قَالَ أَبُو بكر مُحَمَّد بن الْحُسَيْن بن عبد الله الْآجُرِيّ، رَحمَه الله:

أَحَقُّ مَا اسْتُفْتِحَ بِهِ الْكَلَامُ: الْحَمْدُ لِمَوْلَانَا الْكَرِيمِ , وَأَفْضَلُ الْحَمْدِ مَا حَمِدَ

(1/31)

بِهِ الْكَرِيمُ نَفْسَهُ , فَنَحْنُ نَحْمَدُهُ بِهِ {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا} [الكهف: 2] وَ {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} أَحْمَدُهُ عَلَى قَدِيمِ إِحْسَانِهِ وَتَوَاتُرِ نِعَمِهِ حَمْدَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّ مَوْلَاهُ الْكَرِيمَ عَلَّمَهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُهُ عَلَيْهِ عَظِيمًا وَأَسْأَلُهُ الْمَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ , وَالشُّكْرَ عَلَى مَا تَفَضَّلَ بِهِ مِنْ نِعَمِهِ , إِنَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ , وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ وَنَبِيِّهِ وَأَمِينِهِ عَلَى وَحْيِهِ وَعِبَادِهِ , صَلَاةً تَكُونُ لَهُ رِضًا , وَلَنَا بِهَا مَغْفِرَةٌ , وَعَلَى آلِهِ أَجْمَعِينَ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا طَيِّبًا أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي قَائِلٌ وَبِاللَّهِ أَثِقُ لِتَوْفِيقِ الصَّوَابِ مِنَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ , وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ , قُلْتُ: أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْقُرْآنَ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَأَعْلَمَهُ فَضْلَ مَا أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ , وَأَعْلَمَ خَلْقَهُ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ أَنَّ الْقُرْآنَ عِصْمَةٌ لِمَنِ اعْتَصَمَ بِهِ , وَهُدًى لِمَنِ اهْتَدَى بِهِ , وَغِنًى لِمَنِ اسْتَغْنَى بِهِ , وَحِرْزٌ مِنَ النَّارِ لِمَنِ اتَّبَعَهُ , وَنُورٌ لِمَنِ اسْتَنَارَ بِهِ , وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ , وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ,

(1/32)

ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ خَلْقَهُ أَنْ يُؤْمِنُوا بِهِ , وَيَعْمَلُوا بِمُحْكَمِهِ فَيُحِلُّوا حَلَالَهُ , وَيُحَرِّمُوا حَرَامَهُ , وَيُؤْمِنُوا بِمُتَشَابِهِهِ , وَيَعْتَبِرُوا بِأَمْثَالِهِ وَيَقُولُوا {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} [آل عمران: 7] ثُمَّ وَعَدَهُمْ عَلَى تِلَاوَتِهِ وَالْعَمَلِ بِهِ النَّجَاةَ مِنَ النَّارِ , وَالدُّخُولَ إِلَى الْجَنَّةِ , ثُمَّ نَدَبَ خَلْقَهُ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا هُمْ تَلَوْا كِتَابَهُ أَنْ يَتَدَبَّرُوهُ , وَيَتَفَكَّرُوا فِيهِ بِقُلُوبِهِمْ , وَإِذَا سَمِعُوهُ مِنْ غَيْرِهِمْ أَحْسَنُوا اسْتِمَاعَهُ , ثُمَّ وَعَدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ الثَّوَابَ الْجَزِيلَ , فَلَهُ الْحَمْدُ , ثُمَّ أَعْلَمَ خَلْقَهُ أَنَّ مَنْ تَلَا الْقُرْآنَ وَأَرَادَ بِهِ مُتَاجَرَةَ مَوْلَاهُ الْكَرِيمِ , فَإِنَّهُ يُرْبِحُهُ الرِّبْحَ الَّذِي لَا بَعْدَهُ رِبْحٌ , وَيُعَرِّفُهُ بَرَكَةَ الْمُتَاجَرَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: جَمِيعُ مَا ذَكَرْتُهُ , وَمَا سَأَذْكُرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ , بَيَانُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ , وَفِي سُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمِنْ قَوْلِ صَحَابَتِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ , وَسَأَذْكُرُ مِنْهُ مَا حَضَرَ لِي ذِكْرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ , وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 29] , وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [الإسراء: 9] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا} [الإسراء: 82] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ

(1/33)

نُورًا مُبِينًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا} [النساء: 174] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] الْآيَةَ , وَحَبْلُ اللَّهِ هُوَ الْقُرْآنُ وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} [الزمر: 23] وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابُ} وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} [طه: 113] ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَعَدَ لِمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى كَلَامِهِ , فَأَحْسَنَ الْأَدَبَ عِنْدَ اسْتِمَاعِهِ: بِالِاعْتِبَارِ الْجَمِيلِ , وَلُزُومِ الْوَاجِبِ لِاتِّبَاعِهِ , وَالْعَمَلِ بِهِ - يُبَشِّرُهُ مِنْهُ بِكُلِّ خَيْرٍ وَوَعَدَهُ عَلَى ذَلِكَ أَفْضَلَ الثَّوَابِ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ} وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [الزمر: 54] إِلَى قَوْلِهِ: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} [الزمر: 55] قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ: