بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة الطبعة الثالثة
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اتبع هداهم إلى يوم الدين.
أما بعد، فبين يدَي القراء الكرام الطبعة الثالثة من هذا الكتاب القيِّم "صحيح الترغيب والترهيب"، وهي تمتاز عن الطبعتين السابقتين بمزايا جمة، أهمها اثنتان:
الأولى: أنني نقّحتها، وحذفت منها بعض الأحاديث التي تبيّنَ لي مع الزمن أنها بالكتاب الآخر أولى: "ضعيف الترغيب والترهيب"، يسّر الله لنا نشره، وهذه أرقامها في الطبعتين المشار إليهما: (43 و53 و150 و645 و851 و1041 و1069 و1071).
والحديث الأول منها يعود الفضل في تنبيهي لضعفه إلى الشيخ الفاضل بكر بن عبد الله أبو زيد في "جزء كيفية النهوض في الصلاة" (ص 86)، أقول هذا قياماً بواجب الاعتراف بالفضل، وتجاوباً مع قوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "لا يشكر الله من لا يشكر الناس"، وهذا لا ينافي أنني أخالفه في كثير مما كتب في هذا "الجزء"، وبخاصة في تضعيفه لحديث العجن في النهوض، وقد رددت عليه، وبينت خطأه في التضعيف في بحث واسع أودعته في "تمام المنة" (ص 191 - 201)، طبع عمان، وسيكون بين يدي القراء قريباً إن شاء الله تعالى.
وأما الحديث الثاني منها (53)، فهو مضعّف في "ظلال الجنة" (39)،

(1/31)

وقبل ذلك بزمان مخرّج في "الضعيفة" (1492)، فلا أدري -والله- كيف وقع في "صحيح الترغيب"؟!
وأما الثالث (150)، فهو خطأ قديم وقع اغتراراً بظاهر إسناده، وتبعاً لمن صححه، ثم تبينت ضعفه، وانكشفت لي علته؛ كما أشرت إلى ذلك في "المشكاة" (354)، و"ضعيف أبي داود" (8)، و"الإرواء" (55).
وأما الرابع (645)، فالسبب أنني كنت خرّجته في "الصحيحة" (195) من رواية ابن حبان في "صحيحه" وغيره، ثم تبين لي أن في سنده انقطاعاً مثل الحديث (93 - الصحيحة)، فلم أستجز لنفسي إبقاءه في هذا "الصحيح" بعد ظهور هذه العلة، مع أنني وقفت له على طريق أخرى موصولة، لكنها واهية، وقد بيّنت ذلك في حاشية "الصحيحة"، إعداداً لنقله إلى "الضعيفة"، والآن جاءت المناسبة للتنبيه على ذلك.
وأما الخامس (851)، فهو خطأ لا أدري كيف وقع، أمن الطابع، أم مني؟ لأنه في الأصل، أعني "التعليق الرغيب على الترغيب والترهيب" (2/ 20) مشار إليه بالضعف الشديد، وأشار المنذري لضعفه، وعلّقت عليه بأن فيه متروكاً، وبناء عليه كنت أوردته في "ضعيف الجامع" (1501).
وأما السادس (1041)، فهو من اختلاف الاجتهاد، فقد تبيّن لي فيما بعد أنه ضعيف الإسناد، فخرّجته في "الضعيفة" (1099)، وبيّنت هناك علته! وتناقض ابن القطان في راويه، فهو تارة يحسّن حديثه، وتارة يضعفه، فلا غرابة إذن أن يقع مثلي في مثل هذا الاختلاف، وسبب ذلك أن الراوي الذي يُحسّن حديثه يكون عادة مرشّحاً لتضعيف حديثه لقرينة تبدو للباحث، وقد أشار

(1/32)

الذهبي في "الموقظة" إلى شيء من هذا، ولا تحضرني الآن عبارته، فليراجع من شاء.
وأما السابع والثامن (1069 و1071)، فهو خطأ مني شبيه الذي قبله، وقد وقع في "صحيح الجامع" أيضاً (360 و6459)، وغيرهما، فلينقل إلى الكتاب الآخر "ضعيف الترغيب"، و"ضعيف الجامع"، وقد بيّنت علّته في "الإرواء" (4/ 48 - 51)، وإنما يصح الحديث من فعله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وهو الموجود في الباب، والله تعالى هو الهادي.
تلك هي المزيّة الهامّة الأولى لهذه الطبعة الجديدة.
وأما المزيّة الأخرى؛ فهي أنني ألحقت بها الحديث الآتي برقم (63)، كنت أعرضت عنه لضعف في إسناده، ثم وجدت له طريقاً أخرى، وبعض الآثار في "السنة" لابن أبي عاصم، وتكلمت عليها في "ظلال الجنة" (297 - 299)، وانتهيت إلى أن الحديث حسن لغيره. والله أعلم.
ولقد استلزم هذا التعديل الذي أدخلته على هذه الطبعة جهداً جهيداً لتغيير أرقام الأحاديث المتسلسلة، والأرقام التي ذُكِرت في كثير من الصفحات مقرونة بالإحالات؛ أحال بها المؤلف على بعض الأحاديث المتقدمة أو المتأخرة، كنا وضعنا تلك الأرقام لنيسّر على القراء الرجوع إليها، وكذلك كنا وضعنا في المقدمة والحواشي كثيراً من الأرقام لنفس الغرض، فاقتضى ذلك مني مراجعة الكتاب مرات ومرات، ومع ذلك فإني لا أستبعد أن يكون قد ندَّ عني تصحيح بعض الأرقام، فمن وجد شيئاً من ذلك، فليصحح، وجزاه الله خيراً.

(1/33)

وإن مما شجعني على القيام بهذا التعديل المُضْني؛ نشاط أولئك الشباب الذين قاموا على طبع الأرقام الجديدة، ولصْقها بدقة فوق الأرقام القديمة، وطبع بعض السطور الجديدة من الأرقام أو الكلمات عند اللزوم، تهيئة للنسخة المصححة لتقدّم للتصوير بـ (الأوفست)، ثم يُقدَّم الكتاب للناس في صورة تسر الناظرين إن شاء الله تعالى، فجزاهم الله خيراً.
هذا، وثمة أمور أخرى قمنا بها من التصحيح لا ضرورة للإشارة إليها؛ لأنها أمور معتادة.
وختاماً، أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع بهذه الطبعة نفعاً أعم من الطبعات السابقة، وأن يدخر لي أجرها إلى يوم القيامة {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}. والحمد لله رب العالمين.
عمان 13/ 4/ 1408 هـ
محمد ناصر الدين الألباني