3 - كتاب العِلم
1 - (الترغيب في العلم وطلبه وتعلمه وتعليمه، وما جاء في فضل العلماء والمتعلمين).
67 - (1) [صحيح] عن معاوية رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
"من يُرِد الله به خيراً يفقِّهْهُ في الدين" (1).
رواه البخاري ومسلم وابن ماجه. (2)

[حسن لغيره] ورواه الطبراني في "الكبير"، ولفظه: سمعت رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول:
"يا أيها الناسُ! إنما العلم بالتعلّمِ، والفقهُ بالتفقه، ومن يُرِدِ الله به خيراً يفقهه في الدين، و {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} ".
وفي إسناده راوٍ لم يسم. (3)
__________
(1) (الفقه) في الأصل: الفهم، يقال: فَقِه الرجل بالكسر يفقه فقهاً إذا فهمٍ وعلم. وفَقُه بالضم يفقه إذا صار فقهياً عالماً. وقد جعله العرفَ خاصاً بعلم الشريعة، وتخصيصاً بعلم الفروع منها. قاله أبو السعادات!
أقول: تخصيصه بعلم الفروع لا دليل عليه، فقد روى الدارمي عن عمران المنقَرِيِّ قال: قلت للحسن يوماً في شيء: ما هكذا قال الفقهاء، قال: ويحك هل رأيت فقيهاً؟ إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بأمر دينه، المداوم على عبادة ربه.
(2) في الأصل هنا ما نصه: "ورواه أبو يعلى وزاد فيه: ومن لم يفقهه لم يبالِ به"، ولما كان إسناده ضعيفاً جداً، فلم أذكره مع "الصحيح" على ما هو مبين في "المقدمة"، وهو مخرج في "الضعيفة" (6708).
(3) له طرق وشواهد تقويه، فانظر "الصحيحة" (342).

(1/136)

68 - (2) [صحيح لغيره] وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
"فَضْلُ العلمِ خيرٌ من فضلِ العبادة، وخيرُ دينِكم الوَرَعُ".
رواه الطبراني في "الأوسط" والبزار بإسناد حسن.

(فصل)
69 - (3) [صحيح] عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
"من نفّس (1) عن مؤمنٍ كُربةً من كُربِ (2) الدنيا نفَّس الله عنه كُرْبةً من كُرَبِ يومِ القيامةِ، ومن ستر مسلماً (3) سَتَره الله في الدنيا والآخرةِ، ومن يسّر على مُعسرٍ (4) يسّر الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عونِ العبدِ (5) ما كان العبدُ في عونِ أخيه، ومن سَلَك طريقاً يلتمسُ (6) فيه علماً سهّل الله له به
__________
(1) بتشديد الفاء، أي: فرج وأزال بماله أو بجاهه أو إشارته أو إعانته أو وساطته أو دعائه وشفاعته.
(2) هو بضم الكاف وفتح الراء المهملة جمع (كربة)، وهي في أصل اللغة: ما يأخذ النفس من الغم. والمعنى: فرج وأزال هماً واحداً من هموم الدنيا أي هم كان، صغيراً أو كبيراً؛ من عِرضه وغرضه، وعَده وعُدده، وهذا فيما يجوز شرعاً، وأما ما كان محَرماً أو مكروها، فلا يجوز تفريجه، ولا تنفيسه.
(3) أي: بدنه باللباس، أو عيوبه عن الناس، وهذا إذا لم يكن معروفاً بالفساد، بأنْ يكون من ذوي الهيئات، لقوله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم؛ إلا الحدود". وهو حديث صحيح خرجته في "الصحيحة" برقم (638)، ويلزم أن يقيد بما يتعلق بحقوق الله تعالى، كالزنا وشرب الخمر وشبههما دون حقوق الناس، كالقتل والسرقة ونحوهما، فإن الستر هنا حرام، والإخبار به واجب.
(4) هو من ركبه الدَّين، وتعسر عليه قضاؤه بالإنظار أو بالإبراء، أو يراد بالعسر مطلق الفقر، فيسهل عليه أمره، بالهبة أو الصدقة أو القرض.
(5) أي: إعانته، (ما كان العبد) أي: مدة دوام كونه في عون أخيه، أي: إعانته بماله أو جاهه أو قلبه أو بدنه.
(6) أي: يطلب. وقوله: (في بيت من بيوت الله)؛ أي: مسجد أو مدرسة أو رباط، فلذلك لم يقل: من المساجد.

(1/137)

طريقاً إلى الجنَّةِ، وما اجتمع قومٌ في بيتٍ من بيوت الله، يتلُونَ كتابَ الله ويتدارسونهُ (1) بينهم إلا حفّتهم الملائكةُ، ونزلت عليهم السّكينةُ (2)، وغشيتْهم الرحمةُ، وذكرَهُم الله فيمَن عنده، ومن بطّأ (3) به عملُهُ، لم يُسرِعْ به نَسبُه".
رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم، وقال:
"صحيح على شرطهما" (4).

70 - (4) [حسن لغيره] وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول:
"من سلك طريقاً يلتمِسُ فيه علماً سهّلَ الله له طريقاً إلى الجنّةِ، وإن الملائكةَ لتضَعُ أجنحتها لِطالبِ العلم رِضاً بما يصنع، وإن العالِمَ ليَسْتَغْفِرُ له من في السمواتِ ومَن في الأرضِ، حتى الحيتانُ (5) في الماءِ، وفضلُ العالم على العابد كفضل القمرِ على سائر الكواكب، وإنّ العلماء ورثة الأنبياء، إنّ الأنبياء لم يُورِّثُوا ديناراً ولا درهماً، إنما ورَّثُوا العلمَ، فمن أخذه أخذ بحظٍ وافرٍ (6) ".
__________
(1) يشمل هذا ما يناط بالقرآن من تعليم وتعلم. وتدارس بعضهم على بعض، والاستكشاف والتفسير، والتحقيق في مبناه ومعناه.
(2) أي: ما يسكن إليه القلب من الطمأنينة والوقار والثبات وصفاء القلب.
وقوله: (غشيتهم الرحمة) أي: غطتهم، وقوله: (حفتهم الملائكة): أحدقت بهم وأحاطت.
(3) هو بتشديد الطاء، أي: من أخره عمله السيئ وتفريطه في العمل الصالح لم ينفعه في الآخرة شرف النسب وفضيلة الآباء، ولا يسرع به إلى الجنة، بل يُقدّم العامل بالطاعة -ولو كان عبداً حبشياً- على غير العامل -ولو كان شريفاً قرشياً- قال الله تعالى: {إن أكرَمَكم عندَ الله أتقاكم}.
(4) في هذا التخريج أوهام عجيبة نبَّهَ عليها الشيخ الناجي -رحمه الله تعالى-، (ق 16 - 18)، يطول الكلام بذكرها، لكن المهم هنا التذكير بأن سياق الحديث إنما هو لابن ماجه فقط دون مسلم وغيره ممن قرن معه، وسنده صحيح على شرط الشيخين.
(5) جمع (حوت): وهو العظيم من السمك، وهو مذكر، قال تعالى: {فالتقمه الحوت}.
(6) (الحظ): النصيب، والمعنى: أخذ نصيباً تاماً لا حظ أوفر منه.

(1/138)

رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"، والبيهقي، وقال الترمذي:
"لا يُعرَف إلا من حديث عاصم بن رجاء بن حَيْوة، وليس إسناده عندي بمتّصل، وإنما يُروى عن عاصم بن رجاء بن حيوة عن داود بن جميل عن كثير بن قيس عن أبي الدرداء عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وهذا أصح".
قال المملي رحمه الله:
"ومن هذه الطريق رواه أبو داود وابن ماجه وابن حبان في "صحيحه"، والبيهقي في "الشُّعب" وغيرها. وقد رُوي عن الأوزاعي عن كثير بن قيس عن يزيد بن سمُرة عنه، وعن الأوزاعي عن عبد السلام بن سليم عن يزيد بن سمُرة عن كثير بن قيسٍ عنه. قال البخاري: "وهذا أصح". ورُوي غيرُ ذلك، وقد اخْتُلفَ في هذا الحديث اختلافاً كثيراً، ذكرت بعضه في "مختصر السنن" (1)، وبسطته في غيره. والله أعلم".

71 - (5) [حسن] وعن صفوان بن عسالٍ المُرادي رضي الله عنه قال:
أتيت النبيّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهو في المسجد مُتكئٌ على بُردٍ له أحمرَ، فقلتُ له: يا رسولَ الله! إني جئتُ أطلبُ العلمَ. فقال:
"مرحباً بطالبِ العلمِ، إنَّ طالبَ العلمِ تَحُفُّه الملائكةُ [وتظله] (2) بأجنحتِها، ثم يركبُ بعضُهم بعضاً حتى يبلغوا السماءَ الدنيا من محبتهم لما يطلُبُ".
__________
(1) رقم الحديث عنده (3494)، قلت: وقد ذكر الخلاف أيضاً الحافظ ابن عبد البَر في "جامع بيان العلم"، وأطال فيه، فراجعه (1/ 33 - 37). ومدار الحديث على داود بن جميل عن كثير بن قيس، وهما مجهولان، لكن أخرجه أبو داود من طريق أخرى عن أبي الدرداء بسند حسن.
(2) زيادة سقطت من الأصل، استدركتها من "الطبراني" (8/ 63/ 1347).