قوله: (شاسع الدار) هو بالشين المعجمة أولاً، والسين والعين المهملتين بعد الألف.
أي: بعيد الدار.
وقولُه: (لا يلايِمُني) أي: لا يوافقُني. وفي نسخ أبي داود: "لا يلاومني" بالواو، وليس بصواب. قاله الخطابيُّ وغيره.
قال الحافظ أبو بكر بن المنذر:
"رُوِّينا عن غير واحد من أصحاب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنّهم قالوا: "منْ سمع النداء ثم لمْ يجب مِن غير عذر؛ فلا صلاة له"، منهم ابن مسعود وأبو موسى الأشعري، وقد رُوي ذلك عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (1)؛ وممن كان يرى أنّ حضور الجماعات فرض: عطاء وأحمد بن حنبل وأبو ثَوْر. وقال الشافعي رضي الله عنه: لا أرخّص لمن قدر على صلاة الجماعة في ترك إتيانها إلاّ من عذر" انتهى.
وقال الخطابي بعد ذِكْر حديث ابن أم مكتوم:
"وفي هذا دليل على أن حضور الجماعة واجب، ولو كان ذلك ندباً لكان أولى مَن يسعه التخلفُ عنها أهلُ الضرورة والضعف؛ ومن كان في مثل حال ابن أم مكتوم، وكان عطاء بن أبي رباح يقول: ليس لأحد من خلق الله في الحضر وبالقرية رخصة إذا سمع النداء في أن يدع الصلاة. وقال الأوزاعي: لا طاعة للوالد في ترك الجمعة والجماعات" انتهى (2).

430 - (5) [صحيح] وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
أتى النبيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رجلٌ أعمى، فقال: يا رسولَ الله! ليس لي قائدٌ يقودُني
__________
(1) قلت: يشير إلى حديث ابن عباس المتقدم أول الباب.
(2) أي: كلام الخطابي، وهو في "المعالم" (2/ 291 - 292)، وله فيه تتمّة، تعمّد المؤلف عدم ذكرها لضعفها من حيث الدليل.

(1/303)

إلى المسجدِ، فسأل رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنْ يُرَخِّصَ له فيصلّي في بيته، فرخَّصَ له، فلما ولَّى، دعاه، فقال:
"هلْ تَسمعُ النداءَ بالصلاةِ؟ ".
فقال: نعمْ. قال:
"فأجِبْ".
رواه مسلم والنسائي وغيرهما.

431 - (6) [صحيح موقوف] وعن أبي الشعثاءِ المحاربيّ قال:
كنّا قعوداً في المسجدِ، فأذَّن المؤذنُ، فقام رجل من المسجدِ يَمشي، فأتْبعه أبو هريرةَ بَصَرَه حتّى خرج من المسجدِ، فقال أبو هريرة:
أمَّا هذا فقد عصى أبا القاسم - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
رواه مسلم وغيره. وتقدّم. [قلت: في "الضعيف" 5/ 4].

432 - (7) [صحيح] وعنه [يعني ابن عباس رضى الله عنهما] أيضاً قال:
مَنْ سَمعَ "حيَّ على الفلاح" فلم يُجِبْ؛ فقد ترك سُنَّةَ محمَّدٍ رسولِ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
رواه الطبراني في "الأوسط" بإسناد حسن (1).

433 - (8) [صحيح لغيره] وعن أسامة بنِ زيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
"لَيَنْتَهِيَنَّ رجالٌ عن تركِ الجماعةِ، أو لأُحَرِّقَن بيوتَهم".
رواه ابن ماجه من رواية الزِبْرِقان بن عَمروٍ الضَّمري عن أسامة، ولم يسمع منه.
__________
(1) قلت: بل هو صحيح؛ لأن رجاله في "الأوسط" (8/ 476/ 7986) ثقات رجال مسلم؛ غير (موسى بن هارون) شيخ الطبراني، وهو ثقة حافظ.

(1/304)

434 - (9) [حسن صحيح] وعن أبي بُردةَ (1) عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
"مَن سَمعَ النداءَ فارغاً صحيحاً فلم يُجب؛ فلا صَلاةَ له".
رواه الحاكم من رواية أبي بكر بن عيّاش عن أبي حُصين عن أبي بُردة (2). وقال:
"صحيح الإسناد".
(قال الحافظ) رضي الله عنه: "الصحيح وقفه". (3)
__________
(1) في الأصل في الموضعين: "ابن بريدة"، وكذا في طبعة عمارة والمخطوطة! والصواب ما أثبتناه، والتصحيح من "المستدرك" وغيره، وأبوه هو أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، فالحديث من مسنده، وليس من مسند بريدة، وهو ابن الحصيب. وغفل عن هذا المغفلون الثلاثة، فأثبتوا الخطأ رغم أنني كنت نبهت عليه في الطبعة السابقة، وقد ساعدتهم على تصحيح بعض الأخطاء، وقد يصرحون بذلك أحياناً!
(2) في الأصل في الموضعين: "ابن بريدة"، وكذا في طبعة عمارة والمخطوطة! والصواب ما أثبتناه، والتصحيح من "المستدرك" وغيره، وأبوه هو أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، فالحديث من مسنده، وليس من مسند بريدة، وهو ابن الحصيب. وغفل عن هذا المغفلون الثلاثة، فأثبتوا الخطأ رغم أنني كنت نبهت عليه في الطبعة السابقة، وقد ساعدتهم على تصحيح بعض الأخطاء، وقد يصرحون بذلك أحياناً!
(3) قلتُ: لا وجه لهذا التصحيح، فقد تابع (أبا بكر بن عياش) مسعرٌ وغيره كما تراه في "الإرواء" (2/ 338)؛ رووْه ثلاثتهم عن أبي حصين به مرفوعاً. ويشهد له حديث ابن عباس المتقدم أول الباب. ومن جهل الثلاثة قولهم في تخريج الحديث (1/ 354): "صحيح موقوفاً، رواه الحاكم (1/ 246) ". ولا يخفى فساده على المبتدئ في هذا العلم.

(1/305)

21 - (الترغيب في صلاة النافلة في البيوت).
435 - (1) [صحيح] عن ابن عمرَ رضي الله عنهما؛ أنّ النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:
"اجعلوا من صلاتِكم (1) في بيوتِكم، ولا تَتَّخِذوها قبوراً (2) ".
رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.

436 - (2) [صحيح] وعن جابرٍ -هو ابنُ عبد الله رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
"إذا قضى أحدُكم الصلاة في مسجدِه فليجعل لبيته نصيباً مِن صلاتِه، فإنّ الله جاعلٌ في بيتِه مِن صلاتِه خيراً".
رواه مسلم وغيره.

437 - (3) [صحيح] ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" من حديث أبي سعيد (3).

438 - (4) [صحيح] وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:
"مَثَلُ البيتِ الذي يُذكرُ اللهُ فيه، والبيتِ الذي لا يُذكر اللهُ فيه، مَثَلُ الحيِّ والميِّتِ".
رواه البخاري ومسلم. (4)
__________
(1) أي: بعض صلاتكم، وهي صلاة النافلة، أي: اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم، صلّوا فيها، ولا تجعلوها كالقبور مهجورة من الصلاة.
(2) هذا من التشبيه البليغ البديع بحذف أداة التشبيه للمبالغة، وهو تشبيه البيت الذي لا يصلّى فيه بالقبر الذي لا يتمكّن الميّت من العبادة فيه عادة. والله أعلم.
قلت: والحديث أخرجه ابن خزيمة أيضاً (1205)، وقال:
"وفيه دليل على الزجر عن الصلاة في المقابر".
(3) أخرجه (2/ 212/ 1206) من طريق جابر عن أبي سعيد. وكذا رواه ابن ماجه وأحمد، وهو مخرَّج في "الصحيحة" (1392).
(4) إنما رواه بهذا اللفظ مسلم دون البخاري، فكان يتعين الاقتصار على عزوه إليه فقط، إذ =