9 - كتاب الصوم.
1 - (الترغيب في الصوم مطلقاً، وما جاء في فضله. .).
978 - (1) [صحيح] عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
"قال الله عز وجل: كل عملِ ابن آدمَ له (1)، إلا الصوم؛ فإنه لي، وأنا أجزي به، والصيامُ جُنَّة (2)، فإذا كان يوم صومِ أحدِكم، فلا يَرفُثْ، ولا يَصْخَبْ، فإنْ سابَّه أحد أو قاتله فليقل: إنِّي صائم، إنِّي صائم (3)، والذي نفسُ محمد بيده لَخُلُوف فمِ الصائمِ أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما؛ إذا أفطر فرح بفطره، إذا لقي ربَّه فَرِحَ بصومه". (4)
__________
(1) أي: له أجر محدود (إلا الصوم)، فأجره بدون حساب. ويشهد لهذا المعنى رواية مسلم الآتية بلفظ: "كل عمل ابن آدم يضاعف؛ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصوم. .".
(2) بضم الجيم: كل ما سترَ، ومنه (المِجن)، وهو الترس، ومنه سُمي الجن لاستتارهم عن العيون. وإنما كان الصوم جنة، لأنه إمساك عنَ الشهوات، والنار محفوفة بالشهوات كما في الحديث الصحيح: "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات".
قال ابن الأثير في "النهاية": "معنى كونه جنة: أي يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات".
(3) يحتمل أنْ يكون كلاماً لسانياً ليسمعه الشاتم والمقاتل فينزجر غالباً. ويحتمل أنْ يكون كلاماً نفسانياً، أي: يحدث به نفسه ليمنعها من مشاتمته.
قلت: والراجح الأول: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والصحيح أنَّه يقوله بلسانه كما دل عليه الحديث، فإنَّ القول المطلق لا يكون إلا باللسان، وأما ما في النفس فمقيد، كقوله: "عما حدثت به أنفسها"، ثم قال: ما لم تتكلم أو تعمل به"، فالكلام المطلق إنما هو الكلام المسموع، فإذا قال بلسانه: إنِّي صائم، بيّن عذره في إمساكه عن الرد، وكان أزجر لمن بدأه بالعدوان".
(4) أي: بجزائه وثوابه. ففي رواية لأحمد (2/ 232): "وإذا لقي الله فجزاه؛ فرح"، وسنده صحيح على شرط مسلم. وقد أخرجه في "صحيحه" (3/ 158) في رواية كما يأتي في الكتاب، وابن خزيمة (1900).

(1/574)

رواه البخاري -واللفظ له- ومسلم.
وفي رواية للبخاري:
"يترُكُ طعامَه وشرابَه وشهوتَه من أجلي، الصيامُ لي، وأنا أجزي به، والحسنةُ بعشرِ أمثالِها".
وفي رواية لمسلم:
"كل عملِ ابنِ آدمَ يضاعف؛ الحسنةُ بعشر أمثالها، إلى سبعمئة ضِعف، قال الله تعالى: إلا الصوم؛ فإنَّه لي، وأنا أجزي به، يَدعُ شهوته وطعامه من أجلي، وللصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولَخلُوف فم الصائم، أطيبُ عند الله من ريحِ المسكِ".
وفي أخرى له أيضاً ولابن خزيمة:
"وإذا لقيَ اللهَ عزَّ وجلَّ فجزاءُ؛ فرح" الحديث.
ورواه مالك وأبو داود والترمذي والنسائي بمعناه، مع اختلاف بينهم في الألفاظ.
[صحيح لغيره] وفي رواية للترمذي: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
"إنَّ ربكم يقول: كلُّ حسنةٍ بعشرِ أمثالها إلى سبعمئة ضعف، والصوم لي وأنا أجزي به، والصوم جُنَّةٌ مَن النار، ولخُلوفُ فم الصائم أطيبُ عندَ الله من ريح المسك، وإنْ جَهِل على أحدكم جاهل وهو صائم، فليقل: إنِّي صائم، إنِّي صائم".
وفي رواية لابن خزيمة (1): قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يعني:
"قال الله: كل عملِ ابن آدم له إلا الصيام، فهو لي، وأنا أجزي به،
__________
(1) قلت: وأحمد أيضاً. وكذا للبخاري في رواية. وهي هنا الرواية الأولى، لكنْ ليس فيها قوله: "يوم القيامة". وهو عند النسائي في "الكبرى" (ق 16/ 2).

(1/575)

الصيام جُنَّة، والذي نفس محمد بيده لَخلُوفُ فم الصائم أطيبُ عندَ الله يوم القيامة من ريحِ المسكِ، للصائم فرحتان: إذا أفطر فرح بفطرِه، وإذا لقيَ ربه فرِح بصومِهِ".
[صحيح] وفي أخرى له:
"قال: كلُّ عملِ ابنِ آدمَ له؛ الحسنةُ بعشرِ أمثالِها، إلى سبعمائة ضعف، قال الله: إلا الصيامُ، فهو لي، وأنا أجزي به، يدعُ الطعامَ من أجلي، ويدَعُ الشرابَ من أجلي، ويدعُ لذَّته من أجلي، ويدعُ زوجتَه من أجلي، ولخُلوفُ فمِ الصائم أطيبُ عند الله من ريحِ المسكِ، وللصائم فرحتان: فرحةٌ حين يفطرُ، وفرحةٌ حين يلقى ربه".
(الرفث) بفتح الراء والفاء: يطلق ويراد به الجماع، ويطلق ويراد به الفحش، ويطلق ويراد به خطاب الرجل والمرأة فيما يتعلق بالجماع. وقال كثير من العلماء: إنَّ المراد به في هذا الحديث الفحش ورديء الكلام.
و (الجُنة) بضم الجيم: هو ما يُجِنُّك، أي: يسترك ويقيك مما تخاف.
ومعنى الحديث: أنَّ الصوم يستر صاحبه ويحفظه من الوقوع في المعاصي.
و (الخلوف) بفتح الخاء المعجمة (1) وضم اللام: هو تغير رائحة الفم من الصوم.
وسئل سفيان بن عيينة عن قوله تعالى:
"كلُّ عملِ ابنِ آدمَ له؛ إلا الصومَ، فإنَّه لي"؟ فقال:
"إذا كان يومُ القيامةِ يحاسِبُ اللهُ عز وجل عبدَه، ويؤدي ما عليه من المظالم من
__________
(1) قلت: ضم الخاء في هذه اللفظة هو المعروف في كتب اللغة والغريب، وهو الذي ذكره الخطابي وغيره. بل هو الصواب، قال الخطابي: "والخلوف بالفتح: الذي يَعِد ويخلف". انتهى ملخصاً من "العجالة" (120/ 2 - 121/ 1).

(1/576)

سائرِ عملِه، حتى لا يبقى إلا الصومُ، فيتحملُ اللهُ ما بقيَ عليه من المظالِم، ويدخِلُه بالصومِ الجنةَ"!
هذا كلامه، وهو غريب. وفي معنى هذه اللفظة أوجه كثيرة ليس هذا موضع استيفائها.
وتقدم حديث الحارث الأشعري، وفيه:
"وآمُركم بالصيامِ، ومَثَلُ ذلك كمثلِ رجلٍ في عصابة معه صرة مسك، كلهم يحب أنْ يجد ريحها، وإنَّ الصيامَ أطيبُ عندَ اللهِ من ريح المسك" الحديث.
رواه الترمذي وصححه؛ إلا أنَّه قال:
"وإنَّ ريحَ الصائمِ أطيبُ عندَ الله من ريحِ المسكِ".
وابن خزيمة في "صحيحه" -واللفظ له- وابن حبان والحاكم.
وتقدم بتمامه في "الالتفات بالصلاة" [5 - الصلاة/ 36].

979 - (2) [صحيح] وعن سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال:
"إنَّ في الجنةِ باباً يقال له: (الريَّان)، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخلُ منه أحدٌ غيرُهم، فإذا دخلوا أُغلِق، فلم يدخل منه أحد".
رواه البخاري ومسلم والنسائي والترمذي، وزاد:
"وَمنْ دخلَه لم يظمأْ أبداً".
[حسن صحيح] وابن خزيمة في "صحيحه"؛ إلا أنَّه قال:
"فإذا دخلَ آخرُهم (1) أُغلقَ، مَنْ دخلَ شَرِبَ، ومن شرَب لم يظمأْ أبداً".
__________
(1) الأصل: "أحدهم"، والتصحيح من "ابن خزيمة" (1902) وغيره.