قد تقدم في سورة الفتح أنها نزلت بالليل كما سبق من قوله صلى الله عليه وسلم لعمر: ((أنزلت علي الليلة سورة هي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس)).

وتقدم في سورة الحج أن فيها ليليا ونهاريا.

وآية القبلة ورد فيها ما يفيد أنها نزلت بالليل كما في حديث نسخها الثابت في الصحيحين، عن ابن عمر رضي الله عنهما بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ أتاهم آت فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنزل عليه الليلة قرآن". الحديث.

وكذلك ما رواه أنس. رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي نحو بيت المقدس فنزلت {قد نرى تقلب وجهك في السماء} الآية، فمر رجل من بني سلمة وهم ركوع في صلاة الفجر وقد صلوا ركعة، فنادى: ألا أن القبلة قد حولت فمالوا كلهم نحو القبلة.

[42]

وفي الصحيحين من طريق البراء بن عازب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى قبل بيت المقدس ستة عشر شهرا، وكان صلى الله عليه وسلم يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وكان أول صلاة صلاها العصر، وصلى معه قوم، فخرج رجل ممن صل معه فمر على أهل المسجد وهم راكعون، فقال: " أشهد بالله لقد صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الكعبة، فداروا كما هم قبل البيت". الحديث.

فهذا يقتضي أنها حولت بين الظهر والعصر، والحديثان السابقان يدلان على أنها حولت ليلا.

والأرجح بمقتضى الاستدلال نزولها بالليل، لأن قصة أهل قباء كانت في الصبح، وقباء قرية من المدينة، فيستحيل أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أخر البيان لهم من العصر إلى الصبح، وهذا بعيد.

ومما نزل ليلا آية الإذن في خروج النساء للحاجة في سورة الأحزاب، والظاهر أنها قوله – تعالى -: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين} روى البخاري من طريق عائشة رضي الله عنها قالت: خرجت سودة. بعد ما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جسيمة لا

[43]

تخفى على من يعرفها، فرآها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال: يا سودة أما والله ما تخفين علينا، فانظري كيف تخرجين! قالت: فانكفأت راجعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي وإنه ليتعشى وفي يده عرق، فدخلت فقالت: يا رسول الله إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر كذا وكذا، قالت: فأوحى الله عز وجل إليه ثم رفع عنه وإن العرق في يده ما وضعه، فقال: ((إنه قد أذن لكن أن تخرجن لحاجتكن))..

وإنما قلنا: إن ذلك ليلا لأنهن إنما كن يخرجن ليلا كما في حديث عائشة رضي الله عنهما في قصة الإذن: إنهن إنما كن يخرجن للحاجة من ليل إلى ليل إلى المتبرز.

ولم يعين في البخاري الآية التي فيها الإذن، وسيأتي ذلك في التفسير، والظاهر ما قدمناه. ومما نزل ليلا الآية التي فيها توبة الثلاثة الذين خلفوا عن غزوة تبوك، ففي حديث كعب بن مالك.

"فأنزل الله توبتنا حتى بقي الثلث الأخير من الليل"، ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت أم سلمة رضي الله عنها وكانت أم سلمة محسنة في شأني معنية في أمري، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا

[44]

أم سلمة، تيب على كعب)). قالت: أفلا أرسل إليه فأبشره، قال: ((إذا يحطمكم الناس فيمنعونكم النوم سائر الليل، حتى إذا صلى الفجر آذن بتوبة الله علينا)).

وفي هذا مثال – أيضا للنوع الذي سيأتي، وهو الفراشي، فإنها نزلت في بيت أم سلمة، والنبي صلى الله عليه وسلم نائم عندها.

[45]