26 - كتاب البعث وأهوال يوم القيامة.
(قال الحافظ):
"وهذا الكتاب بجملته ليس صريحاً في "الترغيب والترهيب"، وإنما هو حكاية أمور مهولة تَؤُول بالسعداء إلى النعيم، وبالأشقياء إلى الجحيم، وفي غضونها ما هو صريح فيها أو كالصريح، فلنقتصر على إملاء نُبَذٍ منه يحصل بالوقوف عليها الإحاطة بجميع معاني ما ورد فيه على طرف من الإجمال، ولا يخرج عنها إلا زيادةٌ شاذة في حديث ضعيف أو منكر، إذ لو استوعبنا منه كما استوعبنا من غيره من أبواب هذا الكتاب لكان ذلك قريباً مما مضى، ولخرجنا عن غير المقصود إلى الإطناب الممل. والله المستعان، وجعلناه فصولاً (1) ".

1 - فصل في النفخ في الصور وقيام الساعة
3568 - (1) [صحيح] وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله عنهما قال:
جاءَ أعْرابيٌّ إلى النبيِّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: ما الصُّورُ؟ قال:
"قَرْنٌ يُنْفَخُ فِيهِ".
رواه أبو داود، والترمذي وحسنه، وابن حبان في "صحيحه".

3569 - (2) [صحيح لغيره] وعن أبي سعيدٍ رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
"كيفَ أنْعَمُ وقدِ التَقم صاحِبُ القْرنِ القَرنَ، وحنى جَبْهَتَهُ، وأصْغَى سَمْعَهُ؛ يَنْتَظرُ أنْ يُؤْمَر فَينْفُخَ؟! ".
فكأنَّ ذلك ثَقُلَ على أصْحابِه فقالوا: كيفَ نَفْعَلُ يا رسول الله! أوَ نَقولُ؟ قال:
"قولوا: حَسْبُنا الله، ونِعْمَ الوكيلُ، على الله توَكَّلْنا -وربَّما قالَ: توكَّلْنا
__________
(1) قلت: وعلى ذلك، فقد رأينا أن نعامل الفصول هنا معاملتنا للأبواب، من حيث إعطاء رقم لكل فصل؛ رقمه المتسلسل.

(3/408)

على الله-".
رواه الترمذي، واللفظ له، وقال: "حديث حسن"، وابن حبان في "صحيحه".

3570 - (3) [صحيح لغيره] ورواه أحمد، والطبراني من حديث زيد بن أرقم.

3571 - (4) [صحيح لغيره] ومن حديث ابن عباس أيضاً.

3572 - (5) [صحيح لغيره] وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
". . . فوالذي نفسي بيده إن الرجلين ينشران الثوبَ فلا يطويانه، وإن الرجل لَيمْدُرُ حوضَه فلا يسقي منه شيئاً أبداً، والرجل يحلبُ ناقته فلا يشربه أبداً".
رواه الطبراني بإسناد جيد رواته ثقات مشهورون. (1)
(مَدَر) الحوض، أي: طيَّنه لئلا يتسرب منه الماء.

3573 - (6) [صحيح] وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
"لتَقومُ الساعَةُ وثوبُهما بَيْنَهُما لا يَتبايَعانِه ولا يَطْويانِه، ولَتَقومُ الساعَةُ وقدِ انْصرَف بلَبنِ لَقْحَتِه لا يَطْعَمُه، ولَتقومُ الساعَةُ يلوط حَوْضَهُ لا يَسْقيه، ولَتقومُ الساعَةُ وقد رفَع لُقْمَتَهُ إلى فيه لا يَطْعَمُها".
رواه أحمد، وابن حبان في "صحيحه" (2).
__________
(1) كذا قال! ومثله قول الهيثمي: ". . ورجاله رجال الصحيح؛ غير محمد بن عبد الله مولى المغيرة، وهو ثقة".
قلت: لم يوثقه أحد، بل صرح بجهالته جمع كما بينته في "الضعيفة" (5009)؛ وأما الجهلة فحسنوه! ولا أدري لمَ لم يصححوا هذا وأمثاله؟! بل هم أنفسهم لا يدرون! (خبط عشواء)! نعم يمكن أن يكون عذرهم أنهم وجدوا للشطر المثبت هنا شاهداً من حديث أبي هريرة الآتي بعده، ولكنه عذر أقبح من ذنب؛ لأنه شاهد قاصر ليس فيه ما يشهد لهذا، ولهم من مثله كثير، وقد مضى التنبيه على ما تيسر منه، فمن عيهم وجهلهم أُتوا!!
(2) قلت: والسياق لابن حبان، ورواه البخاري (6506) في حديث نحوه، ومسلم (8/ 210) دون الجملة الأخيرة.

(3/409)

(لاطَه) بالطاء المهملة بمعنى: مَدَرَه (1).

3574 - (7) [صحيح] وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -:
"ما بينَ النَّفْخَتَيْنِ أربَعون".
قيل: أربَعون يوماً؟ قال أبو هريرة: أبَيْتُ، قالوا: أربعونَ شَهْراً؟ قال: أبَيْتُ، قالوا: أربعون سنَةً؟ قال: أبَيْتُ.
ثُمَّ ينْزِلُ مِنَ السماءِ ماءٌ فيَنْبُتونَ كما يَنْبُت البَقْلُ، وليسَ مِنَ الإنْسانِ شيْءٌ إلا يَبْلَى إلاَّ عَظْمٌ واحِدٌ، وهو عَجْبُ الذَّنَبِ، منه يُرَكَّبُ الخَلْقُ يومَ القِيامَةِ.
رواه البخاري ومسلم. ولمسلم قال:
"إنَّ في الإنْسانِ عَظْماً لا تأْكُله الأرْضُ أبداً، فيه يُرَكَّبُ الخَلْقُ يومَ القِيامَةِ".
قالوا: أيُّ عظْمٍ هو يا رسولَ الله؟ قال:
"عَجْبُ الذَّنَبِ".
[صحيح] ورواه مالك وأبو داود، والنسائي باختصار وقال:
"كلُّ ابْنِ آدَم تأْكُله الأرْضُ إلا عَجْبُ الذَّنَبِ، منه خُلِقَ، وفيه يَركَّبُ".
(عَجْب الذَّنب) بفتح العين وإسكان الجيم بعدها باء أو ميم، وهو العظم الحديد الذي يكون في أسفل الصلب، وأصل الذنب من ذوات الأربع.

3575 - (8) [صحيح] وعنه [يعني أبا سعيدٍ الخدريِّ رضي الله عنه]:
أنَّه لمّا حضَره الموتُ دَعا بثِيابٍ جُدُدٍ فلَبِسَها، ثُمَّ قال: سمعتُ رسولَ الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يقول:
__________
(1) و (المدر): هو الطين المتماسك.

(3/410)

"الميِّتُ يُبْعَثُ في ثيابِه التي يَموتُ فيها".
رواه أبو داود، وابن حبان في "صحيحه"، وفي إسناده يحيى بن أيوب، وهو الغافقي المصري، احتج به البخاري ومسلم وغيرهما، وله مناكير، وقال أبو حاتم: "لا يحتج به".
وقال أحمد: "سيئ الحفظ". وقال النسائي: "ليس بالقوي".
وقد قال كل من وقفت على كلامه من أهل اللغة: إن المراد بقوله: "يبعث في ثيابه التي قبض فيها"؛ أي: في أعماله. قال الهروي:
"وهذا كحديثه الآخر: "يبُعث العبد على ما مات عليه". قال: وليس قول من ذهب إلى الأكفان بشيء، لأن الميت إنما يكفن بعد الموت" انتهى.
(قال الحافظ):
"وفِعل أبي سعيد راوي الحديث يدل على إجرائه على ظاهره، وأن الميت يبعث في ثيابه التي قبض فيها. وفي "الصحاح" وغيرها أن الناس يبعثون عراة؛ كما سيأتي في الفصل بعده إن شاء الله. فالله سبحانه أعلم" (1).
__________
(1) قلت: انظر وجهاً آخر للجمع في "الفتح" (11/ 383).