هذا نوع مهم، وقد أفرده الناس بالتصنيف، وكتب التفسير مشحونة به، لكن يذكرون فيه أشياء عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وأبي العالية والسدي ومقاتل وغيرهم، وقد صنف الواحدي في ذلك كتابا لا بأس به.

[49]

وما كان من أسباب النزول مرويا عن صحابي بإسناد صحيح، مرفوع؛ إذ قول الصحابي فيما لا مجال للاجتهاد فيه في حكم المرفوع، وما كان عن صحابي بغير إسناد فهو منقطع.

فأما المنقول عن التابعي بسنده فهو مرسل، وما كان بغير سند فلا يقبل.

وقد صح من ذلك أشياء نورد منها أمثلة:

في سورة البقرة فيها ما رواه البخاري في الصحيح في باب:

{واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}، قال: حدثنا مسدد، عن يحيى بن سعيد، عن حميد، عن أنس قال: قال عمر رضي الله عنه:

وافقت الله في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث؛ قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} وقلت: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فنزلت آية الحجاب.

[50]

وبلغني معاتبة النبي صلى الله عليه وسلم بعض أزواجه، فدخلت عليهن فقلت: إن انتهيتن أو ليبدلن الله رسوله صلى الله عليه وسلم خيرا منكن؟ فأنزل الله:

{عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزوجا خيرا منكن} الآية.

ومنها ما رواه البخاري في الصحيح في قوله – تعالى-:

{إن الصفا والمروة من شعائر الله} عن عائشة رضي الله عنها أنها إنما نزلت في الأنصار كانوا يهلون لمناة، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا. بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل الله– تعالى -: {إن الصفا والمروة من شعائر الله}.

وعضده ما رواه البخاري، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه سئل عن الصفا والمروة، فقال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما كان الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله – تعالى -: {إن الصفا والمروة من شعائر الله}.

ومنها ما رواه البخاري، في الصحيح من طريق البراء بن عازب رضي الله عنه قال: لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله – سبحانه-:

{علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم} الآية.

ومنها ما رواه البخاري في الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كانت عكاظ

[51]

ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية، فتأثموا أن يتجروا في المواسم فنزلت {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} في مواسم الحج.

ولنقتصر على هذه الأمثلة ففيها مقنع.

ومن ذلك الوقائع المشهورة مثل قصة الإفك، وقصة التيمم، وقصة المتخلفين عن غزوة تبوك ونحو ذلك.

والاختلاف في نقل أسباب النزول فوائد، فكل ما وقع فيه الاختلاف في سبب النزول فهو اضطراب يقتضي طرح ما ذكر إن لم يمكن الجمع، ولا سيما إذا كان بغير سند.

وإذا تعارض فيه حديثان، فإن أمكن الجمع بينهما فذاك، كآية اللعان ثبت في الصحيح من طريق سهل بن سعد الساعدي.

[52]

أنها نزلت في قصة عويمر العجلاني.

وثبت – أيضا – في الصحيح أنها نزلت في هلال بن أمية.

ويمكن الجمع بينهما بأنها نزلت في حقهما.

[53]