تفسير النهر الماد / الأندلسي (ت 754 هـ)
تفسير سورة الفاتحة

{بِسمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ} * {الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} * {الرَّحْمانِ الرَّحِيمِ} * {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} * {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} * {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} * {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِم وَلاَ الضَّآلِّينَ}

الباء حرف معنى وذكر لها النحاة معاني كثيرة ولم يذكر لها سيبويه إلا معنى الازلاي الالصاق والاختلاط ثم قال فمن اتسع من هذا اتسع في الكلام فهذا أصله وذكروا أنها هنا للاستعانة وما يتعلق به محذوف فقدره الكوفيون بدأت وجعل البصريون ذلك في موضع خبر مبتدأ محذوف تقديره ابتدائي.

بسم الله أي كائن، بسم الله وخالف الزمخشري الفريقين فقدره متأخراً عن التسمية قال: تقديره بسم الله اقرأ أو أتلو لأن الذي يجيئ بعد التسمية مقروء والتقديم على العامل عنده يوجب الاختصاص وليس كما زعم قال سيبويه وقد تكلم على ضربت زيد ما نصه وإذا قدمت الإسم فهو عربي جيد كما كان ذلك يعني تأخيره عربياً جيداً فذلك قولك زيد ضربت والاهتمام والعناية ها هنا في التقديم والتأخيرَ سواء مثله في ضرب زيد عمرا وضرب عمرا زيد " انتهى " والاسم ها هنا هو اللفظ الدال بالوضع على موجود في العيان إن كان محسوساً وفي الأذهان ان كان معقولاً من غير تعرض بسببيته للزمان وهو ثلاثي حذفت منه واو فقال البصريون: هي لام الكلمة لأنه عندهم مشتق من السمو.

وقال الكوفيون: هي فاء الكلمة لأنه عندهم مشتق من الوسم وبعض العرب لم يعوض من المحذوف فقال: سم بكسر السين وضمها، والمشهور بهمزة وصل مكسورة وبعضهم يضمها ولا نعلم اسماً أوله: همزة وصل مضمومة غيره. وزعم بعض النحويين أنه ردت لأمُه وبني على فعل فقالوا: سمى كهدى فإِن صح هذا ففيه خمس لغات.

(1/1)

وحذف ما تتعلق به الباء لأنه موطن لا ينبغي أن يقدم فيه سوى ذكر الله تعالى، فلو ذكر ما يتعلق به لم يكن ذكر الله مقدماً ففي حذفه مشاكلة اللفظ للمعنى فطابق ذكر اللسان ذكر القلب وحذفت الألف من بسم الله تخفيفاً لكثرة الاستعمال " والله " لفظ عربي لا سرياني معرب وهو علم لموجود العالم وليس بمشتق عند الأكثر وألفه منقلبة عن أصل عند من يرى أنه مشتق فعن ياء إن كان من لاه يليه ارتفع أو عن واو إن كان من لاه يلوه لوها احتجب أو زائدة عند من يرى أنه مشتق من ألة أو وله فأصله إلاه أو ولاه فأبدلت واوه همزة كاعاء في وعاء ثم حذفت الهمزة اعتباطاً فقالوا: لاه كما قال بعضهم في ناس أن أصله أناس ودخلت عليه أل فقيل الله أو كان أصله الاه فنقلت حركة الهمزة إلى اللام بعد حذفها فأدغمت اللام في اللام ولزم النقل والادغام فقيل: الله، وصار لا ينطلق إلاّ على المعبود بحق وعلى هذا يكون فعال بمعنى مفعول كالكتاب بمعنى المكتوب وال هذه لازمة وشذ حذفها مع حذف حرف الجر في قولهم: لاه أبوك، يريدون لله أبوك.

{الرَّحْمانِ} لفظ عربي خلافاً لمن زعم أنه ليس عربياً بل أصله رخمان بالخاء المعجمة فعرب بالحاء وهو بناء على فعلان من الرحمة والظاهر أنه وصف على فعلان وإن كان شذ بناؤه من المتعدي وذهب الاعلم وابن طاهر وغيرهما إلى أنه اسم علم مشتق من المتعدي كما اشتقوا الدبران من دبر صيغ للعلمية ويدل على علميته وروده غير تابع الاسم قبله في أكثر الكلام فعلى قول هؤلاء يكون الرحمن بدلاً من اسم الله.

قال السهيلي: البدل فيه عندي ممتنع وكذلك عطف البيان لأن الاسم الأول لا يفتقر إلى مبيّن لأنه أعرف الاعلام كلها وأبينها ألا تراهم قالوا: وما الرحمن ولم يقولوا وما الله فهو وصف يراد به الثناء وإن كان يجري مجرى الاعلام.

(1/2)

" الرحيم " صيغة مبالغة فعلى القول بأن الرحمن صفة قيل دلالتهما واحدة كندمان ونديم وقيل معناهما مختلف فالرحمن أكثر مبالغة وأردف الرحيم ليكون كالتتمة ليتناول ما دق منها ولطف وقيل الرحيم أكثر مبالغة والذي يظهر ان جهة المبالغة مختلفة فلا تكون من باب التوكيد فمبالغة فعلان من حيث الاستيلاء والغلبة ومبالغة فعيل من حيث التكرار والوقوع بمحال الرحمة ولذلك لا يتعدى فعلان ويتعدى فعيل ومن ذهب إلى أنهما بمعنى واحد وليس توكيداً احتاج أن يخص كل واحد منهما بشيء فقيل رحمن الدنيا ورحيم الآخرة وقيل العكس وقيل لأهل السماء والأرض وقيل غير هذا وسمعت إضافة الرحمن في قولهم رحمن الدنيا والآخرة وسمع أيضاً استعماله بغير ألْ وبغير إضافة في قولهم لا زلت رحماناً ووصفه تعالى بذلك مجاز عن إنعامه على عباده ألا ترى أن الملك إذا عطف على رعيته ورق لهم أصابهم إحسانه فعلى هذا هي في حق الله صفة فعل وقيل صفة ذات وهي إرادة الخير لمن أراد الله له ذلك.

" الحمد " مصدر حمد يحمد والأصل في المصدر أن لا يجمع. وحكى ابن الاعرابي جمعه على أحمد.

قال الشاعر:
وأبلج محمود الثناء خصصته بأفضل أقوالي وأفضل أحمدي
وأل في الحمد الظاهر أنها لتعريف الجنس فتدل على استغراق الأحمد كلها بالمطابقة وقراءة الجمهور والحمد بالرفع وهو يدل على ثبوت الحمد واستقراره لله تعالى فيكون قد أخبر بأن الحمد مستقر له تعالى أي حمده وحمد الحامدين وقراء بالنصب على إضمار فعل قيل من لفظه تقديره حمدت الحمد لله فيتخصص الحمد بتخصيص فاعله وأشعر بالتجدد والحدوث ويكون من المصادر التي حذف فعلها وأقيمت مقامه وذلك في الاخبار نحو قولهم شكراً لا كفراً وقيل التقدير اقرؤوا الحمد لله أو الزموا الحمد لله واللام في قراءة الرفع تكون للاستحاق وفي قراءة النصب تكون للتبيين فيتعلق بمحذوف تقديره.

(1/3)

" لله " أعني نحو قولهم سقيا لزيد. وقراء بكسر الدال اتباعاً لحركة اللام فاحتمل أن يكون الاتباع في مرفوع أو منصوب وقراء بضم لام الجر اتباعاً لحركة الدال.

" الرب " السيد والمالك والمعبود والمصلح وهو اسم فاعل حذفت ألفه كما قيل بار وبر وقيل مصدر وصف به ويطلق الرب على الله وحده وبقيد الاضافة على غيره نحو رب الدار وقراء رب بالنصب على المدح ويضعف الخفض الصفات بعدها إلا أن فرع على أن الرحمن علم.

" العالمين " العالم لا مفرد له كالأنام واشتقاقه من العلم أو العلامة والمختار أنه كل مصنوع وجمع لاختلاف أنواع المصنوعات بالواو والياء على جهة الشذوذ ورب والرحمن والرحيم صفات مدح لأن ما قبله علم لم يعرض بالتسمية فيه اشتراك فيتخصص وبدئ بالرب لأن له التصريف في المسوّد والمملوك والعابد بما أراد من خير أو شر واتبع بالرحمانية والرحيمية لينبسط أملٍ العبد في العفو إن زل وإن كان الرب بمعنى المصلح كان الوصف بالرحمة مشعراً بعلة الاصلاح لأن الحامل للشخص على إصلاح العبد العمل رحمته له ومعنى سياق هذه الأوصاف ان المتصف بها مستحق للحمد وقراء بنصب الرحمن الرحيم ورفعهما وإذا قلنا بأن التسمية من الفاتحة كان تكرار هاتين الصفتين تنبيهاً على قدر عظمهما. قراء في السبعة.

" مالك " وملك وقراء ملك على وزن سهل وملكي بإِشباع كسرة الكاف وملك على وزن عجل وبرفع الكاف ومالك بنصب الكاف ومالكاً بالألف والنصب والتنوين وبالرفع والتنوين ومليك وملاك ومالك بالامالة المحضة وملك فعلاً ماضياً فينتصب بعده وبعد المنون يوم وهذه القراءات بعضها راجع لمعنى الملك وبعضها لمعنى الملك وكلاهما قهر وتسليط فالملك على من تأتت منه الطاعة باستحقاق وراجع بغيره والملك على من تأتت منه ومن لا تتأت وذلك باستحقاق فبينهما عموم وخصوص. واليوم هو المدة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس ويطلق أيضاً على مطلق الوقت.