فصول الكتاب

صديقنا الملك

 

جيل بيرو

(1)

الرجل

إنه آتٍ من بعيد. ردد ابنه الحسن بفكاهة وإعجاب: "ولدت أنا على درجات سلم العرش" أما هو فقد شبَّ  في مطابخ القصر، محتقراً من أبيه وأخويه الأكبر منه، يزدريه الحاجب المهيمن، ولا اعتبار له بين رجال الحاشية. هو ولد عليل، منغلق على نفسه، نفور. لن يتمكن المجد أو السلطة أن يمسحا عن وجهه الفتي غشاوة كآبة السنوات الأولى؛ وعندما توفي والده، في العام 1927، كان في السابعة عشرة من عمره، شاباً يهوى النساء والمال، لا شأن له في الميدان السياسي؛ لذلك فضله الفرنسيون على أخويه. حسبوا أنه سيكون سلطاناً طيّعاً في أيديهم، ومليكاً طيعاً تؤمَّن له مباهجه شريطة أن يبقى بعيداً عن قضايا الحكم. خُدِعوا دون شك. اختاروا الأكثر خطراً، فالطفولات السعيدة هي التي تخلق الرجال الطيّعين؛ والفتى الجفول الذي دخل بأبهة رسمية إلى الرباط بتاريخ 18 تشرين الثاني 1927 في جو كئيب، له ثارات سيأخذها. كان يجثم على حصان أبيض والمطر يتساقط بغزارة على المظلة التي يرفعها جندي الحرس الأسود فوق رأسه. إنه تتويج حزين لسلطان شاحب على مملكة أسيرة. لكن ما فائدة إظهار الحيوية والاندفاع؟ فالظرف غير ملائم لتمردات سيُقضى عليها بسرعة إنما هو للكتمان والصبر الطويل. والتطابق كامل بين الرجل وبلاده، فالمغرب يعاني من

 

الإذلال منذ خمسة عشر عاماً، وسلطانه الشاب يلقى المصير ذاته منذ سبعة عشر عاماً أيضاً.

منذ الفتح العربي في العام 681 بقي المغرب العربي بمنجاة من الفتوحات مدة ثلاثة عشر قرناً تقريباً، فالسلطة العثمانية تنتهي على حدوده مع الجزائر. غير أن الحروب لم تنقطع فيه على مر الأزمان، والمؤرخون يتقصّون بارتباك ذلك التاريخ العاصف والبسيط الذي تهتز نوابضه باستمرار بين قرن وآخر، فالسلطة ليست وراثية والحكم شورى، والعلماء شيوخ الدين هم الذين يختارون الخليفة. غير أن معظم السلاطين كانوا يتخذون احتياطاتهم فيعهدوا إلى ابنهم المفضل بقيادة فِرَق الجيش الصلبة والأمينة بطريقة توجّه اختيار العلماء، عندما يحين الوقت في الاتجاه السليم. لكن الأمور لا تستتبُّ حتى عند انتقال الخلافة بانسجام وتوافق؛ فتجمعات الأعيان تناقش في كل منطقة صيغة البيعة، أي عقد الولاء للسلطان الجديد. نقاشات حادة تجري حول مبالغ الضرائب المطلوبة والموافق عليها؛ وحيث يتعذر الاتفاق وخاصةً في المناطق الجبلية تتمرّد القبائل دون أي شعور بالخيانة، فهي تحافظ على احترام السلطة للسلطان أمير المؤمنين، لكنها تهاجم جُباتِه الممثلين لسلطةٍ أُطلق عليها اسم "المخزن"، وهو اسم ذو مغزى، فهو يمثل مكان تجميع الضرائب النقدية والإتاوات العينية ووسائل الحصول عليها بما فيها كتائب السلطان المسلّحة. قد يحدث أن يهزم المتمردون هذه الكتائب ويقتلوا جباة السلطان ويمثلوا بهم، بينما قادة الفتنة المنتصرون ينحنون باحترام أمام أمير المؤمنين ويشاركونه في الصلاة.

هكذا فإن مملكة السلطان ذات أبعاد هندسية متغيرة، فنِسب القوى المتبدلة باستمرار ترسم حدود "المخزن" أي المناطق التي يمارس عليها العرش سيادته المطلقة وتلك "السائبة" أي المنشقّة عنه. وتختلف العلاقات والتحالفات وفقاً لولاء القبائل، فبعضها المخلصة الأمينة الممتثلة لواجباتها ضمن حدود "المخزن" تنشقّ

 

عنه عندما تبدو لها هيمنته قد بلغت حدّاً تشكل فيه خطراً على مستقبلها؛ بينما قبائل أخرى تعود لولائها والانضمام إليه عندما يصل منافسوها المجاورون لها إلى درجة من القوة تقلقها. أمام هؤلاء الرعايا المستبسلين للحيلولة دون إقامة سلطة مسيطرة يسعى "المخزن" لتوسيع حدود رقعته بالحرب أو الدبلوماسية؛ ويؤكد مَثَل شعبي على أن السلطان الجيّد يحتاج إلى سرج لتوطيد قاعدة عرشه وإلى سماء لرفع قبة ذلك العرش؛ وقد تعامل معظم السلاطين مع تلك الحياة البدوية بأساليب متنوعة يفاوضون دون كَلَل القبائل والجمعيات الدينية ذات التأثير النافذ. يتكلمون بالبارود عندما تميل نسبة القوى لصالحهم ويتراجعون إلى مثلث الرباط –فأس- مراكش في أوقات انتصار "السائبة".