الكاتب : محمد رشيد رضا
__________
مشروع سكة حديد بين بورسعيد والبصرة
كنا اقتصرنا عند الكلام على هذا المشروع لأول مرة على الاعتراف بعظيم فائدته ، وتفويض الأمر فيه لحكمة مولانا السلطان الأعظم ووزرائه الصادقين ، وذلك لأمرين :أحدهما : ما ذكرناه في العدد الماضي من كون المقترح هو أن تكون لجنة العمل تحت رئاسة مولانا أيده الله تعالى ؛ لأنها لا يمكن أن تنجح بدون ذلك .
وثانيهما : أن للمشروع وجهة سياسية نبينها هنا ، لا كما زعم محرر جريدة
(وكيل) الغراء من أنه عمل تجاري صُرَاح لا شائبة للسياسة فيه ، ووافقه على ذلك
المؤيد الأغر ، وطفقا يعذلان المنار ومعلومات على تفويض الأولى الأمر للمرجع
الأعلى ، وقول الثانية بمداخلة الأجانب ، أو معارضتهم ، وإننا نذكر الآن فوائد هذا
المشروع العظيم وغوائله ، وبماذا تُتَّقَى الغوائل ، وكيف ينبغي أن يكون طلبه
سالكين طريق الاختصار والإيجاز فنقول :
فوائد المشروع :
(1) التمكن من إنشاء نواشط ( ج ناشط وهو الطريق ينشط يخرج من
الطريق الأعظم يمنة ويسرة ) ، ومد فروع من الطريق الأكبر إلى الحجاز و الشام
والأناضول ثم إلى اليمن ، وبذلك تتصل بلاد الدولة العلية بعضها ببعض وتكون
جسمًا واحداً .
(2) إقدام المسلمين على الأعمال الكبيرة وتمرنهم عليها ، وهي لا شك
منشأ الثروة والقوة والعزة ، بل الحياة القومية .
(3) كوْن هذا العمل ينبوع ثروة للمسلمين القائمين به لا ينقطع ولا يغيض.
(4) انتفاع الألوف الكثيرة من الصناع والعمال وتعيشهم به زمنًا مديدًا ، ولا
شك أن أكثرهم يكونون من العثمانيين وسائر الشرقيين .
(5) كون هذا المشروع ( كما قالوا ) مدرسة عملية ينجب لنا مئين وألوفا
من الشبان في الهندسة العملية والأشغال الصناعية والمالية ( وهذه الفائدة مغايرة
للثانية بالضرورة ) .
(6) عمران بلاد السلطنة الداخلية ، لا سيما بلاد العراق و الجزيرة ، فإذا
وطئت المسالك للمهاجرة إلى تلك البلاد ، وسهل النقل منها وإليها ، فلا تَسَلْ عن
مستقبلها ، وكيف لا وتربة دجلة و الفرات تربي على إبليز النيل . قال هيردوتس
المؤرخ : إن حاصلات الحبوب في تلك البلاد تزيد عن البذر مائتي ضعف إلى
ثلاثمائة ضعف ، وإن ساق القمح والشعير يبلغ عرضه غالباً أربعة أصابع ، وأمسك
عن ذكر ارتفاع نبات الدخن والسمسم ، قال : لأنه لا يكاد يصدقه السامع ، وقال
سترابو : إن غلة الشعير تكون قدر البذرة ثلاثمائة مرة ، وقال بليني : إن الغلة
هناك تكون مائة وخمسين ضعفًا ، وقد يتوهم السامع أن في الكلام مبالغة ، وقد قال
شسناي : لو بذلت في تلك الأرض بعض عناية الأقدمين لرأينا من خيراتها مصداقاً
لقول هيرودتس .
(7) توسيع دائرة التجارة شرقية وغربية ، فإن هذه البلاد التي ينشأ فيها
السخط هي معقد الارتباط والاتصال بين الخافقين ( الشرق والغرب ) .
(8) التعارف والتآلف واجتماع الكلمة بين العثمانيين والهنديين والإيرانيين
العاملين في المشروع والمشتركين فيه ، ويدخل في ذلك قوة نفوذ الدولة العلية
المعنوي في الممالك الهندية وغيرها من البلاد الإسلامية .
(9) اتصال الشرق الأدنى بالشرق الأقصى ، وذلك مبدأ لجمع كلمة
الشرقيين عموماً والمسلمين خصوصًا ، واتحادهم إذا أرادوا العمل للاجتماع
والاتحاد .
(10) صيرورة طرفي الخط وهما : البصرة و العريش من أهم المراكز
التجارية في العالم .
(11) تسهيل السبيل وتقريب المسافة على حجاج الشرقيين من الصين
والجَاوَا إلى سوريا و فلسطين .
(12) إغناء البلاد الحجازية عن الحاجة إلى الأجانب في القوت ، فإن أكثر
قوت عرب الحجاز جوز الهند الذي يرد إليهم من مواني البحر الأحمر الذي
قبضت إنكلترا على قطريه ، فصارت تعتقد أن حياة الحجاز أصبحت في قبضتها
حكماً ، وأنه لا بد أن يأتي يوم يمكنها فيه قطع موارد الرزق عنه لإخضاعه أو
إعدامه -والعياذ بالله تعالى - ، وإذا تسنى لها الاستقلال بالسلطة على البحر الأحمر-
لا قدر الله تعالى - فإن ذلك لواقع ما له من دافع ، إلا بامتداد السكك الحديدية من
الحجاز إلى بلاد الدولة الخصبة ، ولا تحسبنَّ أن هذا القول منا ناشئ عن التخيل
والذهاب مع الأفكار في إساءة الظن بالإنكليز ، بل هو من مقاصدهم الأولى في
احتلال مصر ، كما يؤخذ من مطاوِي كلامهم في خطبهم وجرائدهم ومن تقفَّى سير
سياستهم ، ولقد تمثل المقطم في أثناء الفتنة الأرمنية بأبيات منها :
ها مصر قد أودت وأودي أهلها ... إلا قليلاً والحجاز على شفا
(13) تمكن الدولة العلية في أي وقت من جمع قواها العسكرية في أي
رجا من أرجاء بلادها .
(14) الحطّ من شأن ترعة السويس التجاري والسياسي التي كانت مجلبة
الشقاء لمصر ؛ لأن هذا الطريق أقرب الطريقين إلى الهند وسائر أنحاء الشرق
الأقصى ، وإذا تقشع سحاب النفوذ الأجنبي عن مصر وعادت الترعة خالصة لها
من دون الأجانب فإنها ترضاها على انحطاط شأنها ، بل لا تراها منحطة إذا كان ما
نقص من منافعها عاد بالزيارة على السلطنة التي هي جزء منها ونقول كما يقول
العوام في أمثالهم : ( من الكيس إلى الجيب) .
(15) نكاية الإنكليز فإن هذا المشروع جائحة على تجارتها وسياستها ؛ لأنه
أقرب الأبواب إلى الهند ، فإذا أمكن إنفاذه تضطر بريطانيا العظمى إلى السعي في
مرضاة الدولة العلية ومسالمتها إن لم نقل إلى محالفتها ولو بتسوية المسألة المصرية،
وإلا تفعل فالهند على خطر من طروق نفوذ روسيا العسكري ونفوذ الدولة العلية
الروحي والعسكري إذا هي اتفقت مع روسيا وما ذلك يومئذ ببعيد .
(16) احتياج روسيا وفرنسا و ألمانيا لمحالفتنا أو مصافاتنا ومرضاتنا
لمصالحهن التجارية في الشرق ، ولمقاصد الأولى السياسية على الأخص ، فإن
تم لنا هذا المشروع قبل أن نتحالف مع أحد فلنا الخيار في حلاف من نشاء وإلا
فالسابقون السابقون أولئك المقربون هذا ما عنّ لنا من فوائد هذا المشروع .
غوائل المشروع :
ليس هناك غوائل كثيرة وإنما هما غائلتان :
( الأولى ) أن ما ينتظر من فوائد هذا المشروع الحسية والمعنوية للدولة العلية
وللعالم الإسلامي - الذي يسيء أوروبا كلها - وما ينجم عنه من المضرات التجارية
لشركة ترعة السويس ، لا سيما إنكلترا و فرنسا ، ولسائر شركات البواخر التجارية ،
وما تخشاه بريطانيا من مضرته السياسية ، كل ذلك يحمل هذه الدول على عرقلة
المشروع ومعارضته قبل إيجاده ما استطعن إلى ذلك سبيلاً ، ثم على اتخاذه ذريعة
لتداخلهم في شؤونه إذا هو وجد بحجة حقوق رعاياهم الهنديين وغيرهم .
يقول الفاضل محرر ( وكيل ) : إن هذا عمل تجاري محض لا يقدر أحد من
الدول أن يعارض فيه ؛ لأنه لا دخل له في السياسة البتة . ونحن نقول أيضًا : إن
الدولة إذا أرادت إنفاذ هذا المشروع لا تقدر الدول على معارضتها فيه رسميًّا ،
ولكنها تُحدث لها فتنًا ومشاكل ، وتتهمها بأنها تؤلف شركة من مسلمي الأرض لأجل
إحياء التعصب الديني الذي يتجرمون علينا به دائمًا مع بعدنا عنه ، ويتنصلون منه
مع ملابستهم له ، ولعل حضرة الفاضل لم تنسَ اتهام الجرائد الإنكليزية للدولة العلية
بثورة الهند الأخيرة ومنعها جرائد الآستانة العلية من دخول الهند ، وهذا هو الذي
لاحظه السيد طاهر بك صاحب ( معلومات) الغراء حيث قال : ( أما ما أشار به
الكاتب الهندي ، من حصول هذه الأمنية على يد لجنة تؤلف تحت مراقبة الحضرة
الشريفة السلطانية الشاملة النفوذ في العالم الإسلامي ، فمع كونه مصيبًا في نفس
الأمر لا يخلو في الظاهر من محاذير عظيمة لا تخفى على اللبيب ، إذ لا فائدة
لدولتنا العلية في أن تستدعي لنفسها عراقيل جديدة وصعوبات متنوعة من جارتها
الدول الأوربية اللاتي لا يغفلن عن تأويل كل أعمالها بما يوافق أوهامهن - ليته قال
أهواءهن - ، ولا يفترعن اتهامها بما لم يخطر لها ببال في كل أقوالها وأفعالها ،
فالأجدر بنا أن نقنع بالممكن القريب ونجتنب كل ما يَئُول بالتهلكة على العالم
الإسلامي والوطن العزيز العثماني ، فنأتي الأمور من مقدماتها متنبّهين إلى عواقبها .
وما أصوب قول رفيقتنا الجديدة (المنار) من أن صاحب البلاد أدرى بمصالحها
ومنافع أهلها نصره الله تعالى ووفقه في كل الأمور) اهـ . هذا ما قالته جريدة
معلومات ، وله وجه ظاهر ، نعم إنها بالغت بالتهويل لا سيما قولها : ( يئول
بالتهلكة ... إلخ ) .
( الغائلة الثانية ) : أن سهولة المواصلات وتمهيد طرق التجارة في داخل بلاد
السلطنة السنية من موجبات تداخل الإفرنج في أحشائها ونسلانهم إليها من كل حدب ،
وكيف لا ينسلون إليها مع السهولة ، وهم الآن يتغلغلون فيها مع الحزونة ، وهؤلاء
الإفرنج إذا دخلوا قرية أفسدوها ، وإذا عمدوا إلى ثروة قوم أبادوها ، وإذا تبوَّأوا بلادًا
شرقية استأثروا بمنافعها واستخدموا أهلها ؛ لأن أهل الشرق كسالى متقاعدون ، وهم
نشطاء مجدون ، وأهل الشرق فقراء جهلاء ، وهم أغنياء علماء ، وهذه بلاد الشرق
كلها تشهد بصحة ما نقول لا سيما التي تمهدت سبلها ، وأنشئت الخطوط الحديدية
فيها كالبلاد المصرية ، وكفاهم جهلاً وغباوةً أن الدولة تمنحهم امتيازات بأعمال
عظيمة نافعة ، فيبيعونها للأجانب الطامعين في بلادهم ، كما جرى في امتيازات
الخطوط الحديدية بين بيروت والشام ، وبين الشام و بره جك ، وبين بيروت و
جبيل أو طرابلس التي باعها أكابر تجارنا للفرنساويين ، فإذا كان هذا حال أغنيائنا
وكبرائنا ، فكيف لا يكون كل مشروع نافع سببًا لبلائنا وشقائنا ، وغنيمة وسعادة
لأعدائنا ، ولا يكتفي أولئك الدخلاء بالقبض على أزمة المنافع ، والاستئثار بالثروة ،
بل يخلقون الفتن ، ويستثيرون الإحن ، وإذا وقعت فتنة بشؤمهم أو مما لا تخلو عنه
طبيعة الوجود ، يغرمون الدولة العلية الأموال الطائلة باسم التعويض عما فات
تجارهم من المكاسب ، أو أنفقوا عند نزول المصائب ، والشاهد على هذا قريب ،
فلا تكاد تخلو جريدة من جرائد العالم اليوم عن ذكر مطالب الدولة الأوروبية من
الباب العالي التعويض عما خسره أتباعهم في أطواء فتنة الأرمن الأخيرة .
بقي علينا البحث في التوقي من هاتين الغائلتين وبماذا يكون . ورأينا أن الغائلة
الأولى لا يمكن تلافيها إلا بمحالفة روسيا أو ألمانيا أو إنكلترا ، والأرجح لنا ما يظهر
أن سيدنا ومولانا أمير المؤمنين مرجح له ، وهو حلاف ألمانيا أو الدول الثلاث لما
نبينه في النبذة التالية .
وأما الغائلة الثانية فعلاجها : السعي الحثيث في تعميم التربية والتعليم على
الوجه الذي شرحناه في العدد السادس عشر . ولا يقال : إن هذا يحتاج لزمن طويل ؛
لأننا نقول : إن إتمام المشروع أيضًا يحتاج لزمن طويل إذا أخذنا في غضونه
بالتربية والتعليم اللذين يشعران قلوبنا معنى الأمة والوطن ، ويزعجان نفوسنا للتمسك
بهما ووقف حياتنا على خدمتهما ، لا يتم المشروع إلا وروح الوطنية والقومية قد
انتشر فينا انتشارًا نرجو معه أن تكون فوائد عملنا لنا ، لا لأعدائنا فعلى هذا فلتحض
الجرائد في كل حين ولمثله فلتتوجه همم العاملين .
كيفية الطلب :
إن دعوة الجرائد إلى هذا العمل قبل عرضه على المرجع الأعلى ، والوقوف
على موقعه من ذلك الرأي الأسمى ، دعوة تشبه البناء على غير أساس ، والاستنباط
بدون مراعاة شروط القياس ، والذي نراه في هذا أن يشرح الموضوع شرحا تامًّا ،
ويعرض على الحضرة السلطانية أيدها الله تعالى بواسطة أحد رجال الما بين
المقربين منها[1] ، فإذا آنس الوسيط منها ارتياحًا وقبولاً للمشروع يؤخذ في الدعوة
إليه ، وتتألف اللجان للاكتتاب ، وتتصدى الجرائد للحث والحض والتنشيط
والترغيب . والأولى أن يكون الطلب من عدة أقطار ، وأن يكون الوسيط مقتنعًا
بفائدة المشروع راغبًا فيه ، هكذا ينبغي أن تُؤْتَى البيوت من أبوابها ، والله الموفق
وهو المستعان .
__________
(1) يظن قوم أن هذا التفويض إلى السلطان كان من الخطأ ، ولكن القيام بسكة الحجاز أثبت ذلك ، فلولا السلطان لما نهضت همة كل المسلمين بذلك .

الكاتب : محمد رشيد رضا
__________
من نحالف ؟!
تحالفت الدول الأوروبية ذوات الشأن في السياسة العامة إلا الدولة العلية
و إنكلترا . ولقد كان اختيار الحياد من مولانا السلطان الأعظم ومن ساسة بريطانيا
العظمى عن حكمة ودهاء وحفظ للموازنة الأوروبية وخدمة للسلام العام إلا أن تحالف
روسيا و فرنسا أثار في جو السياسة رياحًا سوافي شاهت لها الوجوه ، وتزعزعت لها
أركان الشرق الأقصى ، عصفت فلم تقو على مجاراتها إلا الريح المنبعثة من مهب
بلاد الألمان ، جرثومة التحالف الثلاثي وملاك أمره ، ولقد أحست إنكلترا بأنها لا
سبيل لها إلى مقاواة هذه الرياح المتناوحة ومصادمتها منفردة ، بل تحتاج في مجاراة
المحالفتين إلى دعامة تدعمها وحليفة تشد أزرها ، فألانت القول للدولة العلية بعد
إغلاظه ، وأظهرت الميل والانعطاف ، بعد الغطرسة والانحراف ، أملاً بالعود إلى
الود والولاء الذي تحفظ به منافعها في الشرق الأدنى ، فقد شاهدت أن تجارتها فيه
أمست بائرة ، وسياستها باتت في ربوعه خاسرة ، ووجدت بالحرب الأميركية
الأسبانية منفذًا للدخول على الولايات المتحدة مرتدية برداء الحب والوداد ، مدلة
بوشيجة الرحم ، مدلية بأواصر القرابة ، لتحمي حقيقتها ، وتمنع وثيقتها في الشرق
الأقصى ، فقد شعرت بأن ظلها ثمة في تقلص ، ومدها جزر أمام روسيا و ألمانيا
وفرنسا . وأما الدولة العلية فلم تدع المسألة المصرية موضعًا للصلح بينها وبين
الإنكليز وأصعب شيء ، دون المسألة المصرية سهل ، وأما الولايات المتحدة فقد
آنس الإنكليز منهم ميلاً لحلافهم ، وربما قضي الأمر بعد انقضاء الحرب .
كذلك شأن الدولة العلية في الحاجة إلى الانضمام والانضواء إلى إحدى
المحالفات ، فإن البقاء على الانفراد خطر على سياستنا بعد اجتماع الدول العظمى
والتئامها ، ولكن : من نحالف و أوروبا بأسرها عدوة لنا ، وإنما ترغب دولها
التقرب منا لنيل مآربها وتحقيق مطامعها .
إنكلترا تختار بقاءنا وإضعافنا ، وروسيا رئيسة التحالف الثنائي تود إتلافنا ،
وألمانيا رئيسة التحالف الثلاثي تقنع منا برواج تجارتها في بلادنا ، فليس لها مطمع
في بنية المملكة وجثمانها ، ولا مستعمرات إسلامية لها تخاف من قوتنا عليها ، ولم
تغتصب منا بلادًا فتحذر الحقد منا عند العجز ، والتألب لاسترجاعها عند القدرة ،
ولا هي منتحلة للرياسة الدينية ومدَّعية حماية النصارى فنخشى من دسائسها في إلقاء
الفتنة بين أبناء مملكتنا من المسيحيين والمسلمين ، وإحداث المَشاغب والهرج كما
هو شأن الدول الأخرى ذوات المآرب التي رمزنا إليها ، إذًا إن الأجدر بنا أن نفضل
محالفة الألمان ونصطفيهم على سائر الأقتال والأقران .
عَرَفَ هذا وغيره مما لا تصل أفكارنا إليه سيدنا أمير المؤمنين السلطان
الأعظم عبد الحميد خان الثاني أيده الله تعالى وسدده ، وأنس من الإمبراطور العظيم
غليوم الثاني ميلاً للوداد ورغبة بالاتحاد ، فكال له مولانا الصاع بالصاع ، وزاده من
مكارمه كما هو شأنه في حب التفضل ، وشدت في زيارة الإمبراطور الأولى
للآستانة أواخي التآلف ، وسيبرم في الزيارة الثانية مرير التحالف ، بل صرحت
بعض الجرائد الأوروبية بأن هناك وفاقًا سريًّا ، وحلافًا خفيًّا ، والذي لا ريب فيه أن
الود محكم العُرى .
أظهر الإمبراطور ضلعه مع الدولة العلية في الحرب الأخيرة ، فعرف له
مولانا هذا الجميل ، ولما آذن مولانا بعزمه على زيارة الآستانة العلية و القدس
الشريف صدرت الإرادات السنية آمرة بالاستعداد للاحتفال بالزائر الكريم ، ولقد
أكبرت جرائد أوروبا أمر الاستعداد ، وذكره بعضها في معرض الانتقاد لأغراض
في النفوس . ومما جاء في جرائد بريد أوروبا ما ذكرته ( الديلي ميل ) وملخصه :
أن الإمبراطور لما زار الآستانة من قبل بنى له جلالة السلطان قصرًا في حديقة يلدز
بثلاثين ألف ليرة ، وأمر الآن بأن يزاد في زخرفه وزينته ، حتى قاولوا فراشًا على
فرش غرفة واحدة من غرفاته بأربعة آلاف ليرة ، فما بالك بفُرشه كلها ، وسينفق
على تزيين العاصمة سبعين ألف ليرة ، وأربعين ألف ليرة على إصلاح جسر غلطة ،
وتقدر هذه الجريدة أن نفقات الزينة مع نفقات الخمسة عشر ألف عسكري - التي
صدرت الإرادة السنية بأن يعمل لها ملابس جديدة ، وتكون في فلسطين مدة زيارة
الإمبراطور لها -لا يقل المجموع على مائتي ألف ليرة ، هذا ما عدا الإحسانات
والإنعامات ، التي تنالها حاشية الإمبراطور من المكارم السلطانية ، وقد صدرت
الإرادة السنية بأن تسافر فرسان الحرس الشاهاني في يلدز إلى فلسطين لحراسة
الإمبراطور مدة إقامته هناك .
إن مظاهر الابتهاج ومعدات الحفاوة والإكرام للإمبراطور العظيم هي أهم ما
تشتغل به الجرائد الأوروبية في هاته الأيام ، لا سيما الجرائد الروسية والفرنسوية
والإنكليزية ، فمن هذه الجرائد ما ينصحنا بحفظ أموالنا وعدم الإسراف فيها ، ومنها
ما يحذرنا من مطامع الإمبراطور في سوريا و الأناضول ، وأنه لا بد أن يأخذ منا
إحدى المواني السورية ، بل نقل سعادة مدير جريدة الأهرام عن محدث له من
الإنكليز في الآستانة العلية - أنه قال نقلاً عن السفير هويت الإنكليزي المتوفى :
( ليست فرنسا هي الدولة الطامعة في سوريا ، بل هي ألمانيا وحدها ) ، وتقول
الجرائد الإنكليزية : إن جلالة الإمبراطور سيجزينا على حفاوتنا واحتفالنا به بإجازة
الاحتلال الإنكليزي في مصر والتصديق عليه ، وذلك عندما يرى إصلاحاتهم
وفتوحاتهم في أثناء زيارته لمصر .
أما وسر الحق إن هذا النصح والإنذار لم ينشأ عن الحب والود ، ولم يكن
الحامل عليه الإخلاص والصدق ، وإنما ساء القوم اتفاقنا واتحادنا مع هذه الدولة
القوية التي يعززها دولتان أخريان ، علمًا منهم بأن ذلك يقطع أسباب مطامعهم في
بلادنا فعمدوا إلى التنفير ، لكنهم أفرغوه في قالب النصيحة والتحذير ، ولكن قد تفجر
من أنابيب أقلام بعضهم الحسد ، فرقم على صفحات جرائدهم جملاً تُشعر بتوقعهم
ضياعَ مصالحهم وذهاب منافعهم من الشرق الأدنى ، والإدالة بها لألمانيا بسبب
ولائها لنا واتفاقها معنا .
نسأل الله تعالى أن يوفق سلطاننا ودولتنا لما فيه خير البلاد والرعية إنه سميع
مجيب .
__________

الكاتب : محمد رشيد رضا
__________
مقتبسات من الجرائد
قررت نظارة الحربية إنشاء ثلاث وخمسين قلعة على التخوم العثمانية مقاربة
بعضها لبعض ، وأن تبذل العناية الكبرى في تحصينها تحصينًا متينًا على الطراز
الجديد .
وقررت أيضًا أن يكون في حدود تساليا ستة عشر تابورًا من العساكر ، وأربع
كتائب مدفعيات جبلية ، وألاي سواري تحت قيادة الفريق سعادة عمر نشأت باشا ،
ويكون في جهة يانيا اثنا عشر تابورًا من البيادة ، وثلاث كتائب مدفعية جبلية بقيادة
خيري باشا .
لما هاجر اليونان من ( يِنِي شهر ) حين الحرب اليونانية أودعوا مفاتيح
ديارهم عند أحد القسيسين ، وأمنوا جانبه في المحافظة على ما بها من الأمتعة ،
وبعد انتهاء الحرب ورجوعهم إلى أوطانهم تفقدوا منازلهم فوجدوها خالية من كل
متاع نفيس ، فسألوا القسيس عن الأمر فقال لهم : إن العساكر العثمانية هي التي
نهبتها وسلبتها ، وكادوا يصدقونه لولا أن أحد العارفين بأحوال ذلك القسيس دلهم
على حقيقة الحال ، وأعلمهم بأنه هو المختلس الناهب لأمتعتهم ، وأرشدهم إلى بئر
في بيته أخفيت الأمتعة فيها ، فتوجهوا إليها فرأوا بئرًا تحفّها الأشجار ، ولما فتحوها
وجدوا جميع ما نُهب منهم تحت غطاء البئر ، وعلموا أن القسيس ردم البئر أولاً
بأحجار ، ثم وضع فيها تلك الأمتعة وغطاها ووضع الأشجار حولها تمويهًا على
العيون ، ومثل هذه الوقائع - مما لم يظهر أمرها - تدلك على أن العساكر العثمانية
بريئة من كل ما يرميها به ذَوُو الأغراض من وصمة السلب والنهب ، وأن الجماعة
هم الذين ينهبون أنفسهم بأنفسهم ، وإذا كان مثل القسيس يقدم على هذا الفعل ، فما لك
بمن ليس عنده زاجر من دين ، ولا رادع من تحريم .
... ... ... ... ... ... ( مصباح الشرق )
***
قال اللورد سالسبوري أثناء الحوادث الأرمنية : إن المرحوم المستر
غلادستون - ومَن على شاكلته - هم المسؤولون عن كل نقطة دم تُسفك ؛ لأن
مذابح الأرمن نتائج تحريضات خطباء وكُتاب الإنكليز . وقال هذا اللورد - عقيب
انكسار اليونان- : إن الواجب أن يُرهن المائة وعشرة نواب الإنكليز عند الدولة
العثمانية حتى آخر درهم من الغرامة الحربية ، هذا ما قاله كبير وزراء جلالة
الملكة وهو بمثابة اعتراف رسمي بأن الخسائر التي أصابت رعايا الدول الأجنبية
في بلاد الدولة لم تكن إلا بسبب الدسائس الإنكليزية ، ومع هذا فإن حكومات
أوروبا تطالب الباب العالي بالتعويضات ، ولو أنصفت لطالبت اللورد سالسبوري
بأقواله ، وطالبته بما أصاب رعاياها من الخسائر ، ولكن من أين يأتي الإنصاف
والخلاف بين دولة شرقية وبين بعض الدول الأجنبية ؟ !
... ... ... ... ... ... ... ... ( الرائد المصري )
__________

14 ربيع الأول - 1316هـ
أغسطس - 1898م

الكاتب : محمد عبده
__________
منتدياتنا العموميةوأحاديثها [*]
لفضيلة الأستاذ الحكيم الشيخ محمد عبده الشهير

إن أحاديث الأمم تدور على محور أفكارها ؛ إذ اللسان هو المترجم عما يختلج
بالضمير من الصور المحفوظة والمعاني المتخيلة على اختلاف أشكالها وتنوع
فنونها ، فباختلاف صنوف البشر في المعارف والأمزجة تتباين مفاوضاتها وأحاديثها
وتتشعب مجادلاتها ومحاوراتها ، وإن تواريخ الأمم الغابرة وحوادث الملل
الحاضرة لترشدنا إلى ذلك بأجلى بيان ، فهذه الأمة العربية في صدر الإسلام وقُبيله
لما مال عنصرها إلى التحبب في خُلُق الجرأة ، وحملتها شهامة النفس على الجولان
في ميادين الغزو والفتوح ، قصرت أحاديث رجالها على ما يتعلق بحرب ماضية ،
ومعركة آتيه ، تعقد مجالسها على ذكر جياد الخيل ومحاسنها ، شارحة معايب الأقواس
وأوتارها ، منتقلة إلى الكلام عمن اشتهر من رجالها بالإقدام والبسالة والانتصار ،
وقصائدهم الشعرية مشحونة بأوصاف الحماسة ، وخطبهم النثرية موقوفة على مدح
النزال والبراز ، وبقيت هكذا أحاديثهم إلى أن ضعفت تلك الحواس ، واستعيض عنها
بالميل إلى الراحة والانغماس في النعيم ، فتولد فيهم من ذلك المحبة والعشق ،
ولهجت شعراؤهم بأوصاف الغزل بعد الحماس ، وبِنَعْتِ الحاجِبيْن والخصر بعد
الإسهاب في وصف القوس والوتر .
وهذه اليونان لما كانت ديارها مهد الحكمة ومطلع شموس العرفان ، دارت
أحاديث قومها في المجامع على تحديد العلوم ، وتبيين مهايا الأجناس والفصول ،
يطلب الواحد منهم منزل صديقه ليتحاور معه في كيفية إنتاج الأقيسة المنطقية مع
تغاير أشكالها ، فيطول بينهما الحديث ، وهما بين مثبت وسالب ، ومعترض ومجيب ،
وهذا في حال كون المجالس الأخرى غاصة بجماهير النبلاء . فئة تغوص في
البحث عن أمزجة المواد وعناصرها ، وأخرى تطلق عنان اللسان لاستكناه حركات
الأفلاك ومراكزها ، فإذا عقدوا عزائمهم على المزايلة والانصراف ، ودعتهم أوقات
أحاديثهم شاكرة لهم على ما أودعوا فيها من تقرير المسائل ، وإزالة الحجاب عن
كثير من المشكلات والمعضلات ، واستقبلتهم الأيام بوجه باش ، وثغر باسم ، فرحة
بما سيكون لها في بطون التواريخ مرسومًا بمداد الثناء على صفحات الأعصار
والدهور ، لما ستبرزه فيها أفكار هؤلاء القوم إلى عالم الوجود من المطالب العالية
المؤيدة بالبراهين الصحيحة والحجج السديدة ، وهذا مع محافظتهم وقت المحاورة
والجدال على رعاية الآداب ، وحرمة قوانين المباحثة .
وهذه أمم أوروبا تشعبت مجالسها ، وتنوعت مواضيعها ، تحمل إلينا الجرائد من
أخبارها ما لا نكاد نصدقه لولا علمنا بوفرة معلوماتهم وكثرة مخترعاتهم ، فيومًا
نسمع بأن ذوي الشركات التجارية اجتمعوا للمداولة فيما يلزم اتخاذه لإنشاء بنك مالي
يكون مركزه في إحدى الممالك الأسيوية مثلًا ، فتطول بينهم المخابرة في ذلك ،
ويعلو صوت الخلاف بين أعضائها ، فمنهم من يرجح إنشاءه في الأملاك الفلانية من
تلك القارة محتجًّا بأن فلاحي تلك الديار يقترضون النقود بفوائد باهظة لاحتياجهم
وشدة فقرهم ، فتكون الثمرة أجزل والربح أوفر مما لو أنشئ هذا البنك في إحدى
الديار الأفريقية التي أصبحت لخصب تربتها ووفرة حاصلاتها وأخذ الأموال
الأميرية منها بتقسيط عادل لا تحتاج إلى استقراض من مالنا ، بل ربما إذا دامت لنا
هذه الحال يتوفر لها كثير من إيراداتها التي تقتدر بها على إنجاز مشروعات عمومية
حتى تصير بذلك معادلة لأعظم ممالك أوروبا في الثروة واليسار ، فيجاوبه الآخر
قائلًا : إن الأجدر بنا أيها الشريك أن نعدل عن إنشائه في أي مركز من مراكز آسيا
مطلقًا إلى اتخاذه بديار مصر ، وأما ما قيل من أن تخفيف الضرائب عنها مع حسن
تربتها وكثرة إيراداتها يجعلانها غنية عن الاستقراض ، فذلك إنما يكون لو رجع
فلاحها عن سرفه وسفهه ، وإلا فما دام على هذه الحال فإنه يكون أبدًا مثقلًا بديوننا ،
يقرع أبوابنا آناء الليل وأطراف النهار ، ولو أثمرت أرضه ذهبًا وعوفي من جميع
الضرائب سرمدًا ، فإنه - على ما يقال - رهن عند أحد البيوت المالية فيها ما يجاوز
العشرين في المائة من أطيانها تأمينًا على ما أخذ منه من النقود في مدة لا تزيد عن
العام كثيرًا ، فيستحسن الحضور بيانه ، ويختم الجلسة بالعزم على المشروع فيما
قصدوا ليدركوا من الربح مثل من سلفوا .
وبينما هم كذلك ترى فئة أخرى تتروى في مد سكك حديدية في إحدى الإيالات
المشرقية وإنشاء أسلاك برقية فوق البحار وتحتها تسهيلًا للمواصلات التجارية ،
وإحكامًا للعلاقات الدولية ، وأخرى مجتمعه لتتخير من بينها نبيلًا يكون رسولًا من
قِبلها عند رجال إحدى البلاد ، فيعقد معها شروط التزام مصالح عديدة ، وأراضي
فسيحة ، ومياه عذبة ما كانت أهل تلك الديار في حاجة إلى التزامه .
ونرى على مقربة من هذه الفئات جماهير متألبة ، وجماعات متضافرة
يحسنون صنع الخطابة ، ولا يجهلون تاريخ الخليقة ، يقلبون العالم بين أصابعهم ،
ويقطعون وجه البسيطة في أقل من لمح البصر ، وهم جلوس يتحادثون يعينون
أوقات الفرص الملائمة للاستيلاء على تلك الجزيرة أو هذه الإمارة أو ذلك الإقليم .
يستطلعون الرسائل المتوالية الورود من أبناء جلدتهم المنبثين في أنحاء المعمورة
لاستكشاف خبايا القبائل والشعوب التي هم بين ظهرانيهم ، يذللون المصاعب
ويمهدون طرق الاستيلاء والفتوح ، ونحن عن كل ذلك غافلون نواصل الليل بالنهار
في اللهو واللعب . بلغت منا الخرافات والهذيانات مبلغًا جسيمًا ، حتى استحوذت
علينا فأنستنا ذكر الحقائق النافعة والمصالح المهمة ، وصارت تلك الأخلاط الفاسدة
كملكات للنفس ، يتعسر زوالها إلا بذهاب الأرواح والأشباح ، تعقد عندنا المجالس
ولكن على ذكر أنواع الخمور والمسكرات ، يطرب المجتمعون فيها بذكر أوصاف
الغيد الحسان ويصرفون ثلثي الليل على قهاويهم ( هكذا اصطلح وإلا فهي مواضع
رجس ودنس ) يشربون فيها من المواد الممزوجة بالعقاقير السامة قدرًا لا تسوغه
طباع الوحوش الضارية ولا الأسود الكاسرة ، وفي خلال ذلك يتناقشون
ويتخاصمون ، حيث إن كلاًّ منهم يفضل مألوفه من ذلك ، بل مألوفات أصحابه ،
ويعدد أوصافه ويذكر محاسنه ويشرح مزاياه ، من حَوَر عيون ، ورقة خصور ،
وعذوبة منطق ، ومما شاكل ذلك . ويحتج عليه بأن فلانًا لا يبيت في ذلك المخدع
ولا يطأ ذلك الموضع حتى يدفع عشرين أو ثلاثين جنيهًا وما شابه ذلك . والآخر
يناقضه وينافسه ويروم إقناعه في مقام الجدل ، ولا يروق لهم الحديث إلا إذا انتقلوا
إلى القذف في شرف من بينه وبينهم جامعة ديوانية ، وعلاقة مجاورة منزلية ، أو لا
هذه ولا تلك ، وإنما حدتهم شهرة ذكره إلى معرفته ، فيرمونه بالجبن وعدم الذوق ،
لكونه نزيه النفس ، أنف من سلوكهم ، ويرومونه بغلظ الطبع والتقشف ، ويسمونه
( نطعًا ) وهم في خلال ذلك يهزؤون ويسخرون ويضحكون بصوت جهوري ( ولا
يبكون وهم سامدون ) يتبارون في ميادين البذاء ، واستحضار كل ما قبح وخبث
من الألفاظ ، وهو المسمى عندهم ( تنكيتًا ) فقسموا الألفاظ العرفية أبوابًا وفصولًا
ليستعملوها في هزلياتهم السخيفة ، حتى كثرت الفصول وتنوعت المواضيع ، وإذا
تبارى اثنان منهم في باب منها استداما ساعة أو أكثر ، وهما مع الحضور في خلال
ذلك يرفعون أصواتهم بالضحك المزعج ، فمن عجز منهما قبل صاحبه أوسعوه
توبيخًا ، وصفقوا للمنتصر إعلانًا بظفره ، وأجلسوه مكانًا عليًّا ، ويسمونه المعلم
الماهر ، وهذه فئة غير قليلة في المدن ، وأكثرها من أبناء الأغنياء عديمي التربية .
وأما مجالس ذوي الكمالات من أهل المدن فإنها إن اتفق وتجردت عن الحديث
في منكر ، فهي لا تخلو عن حشو ، فإنه على الأقل لا بد أن يتشرف المجلس ولو
زمنًا قليلًا بحلول الغيبة أو النميمة المرافقتين لنا مرافقة الشخص لظله ، اللهم إلا إذا
سمحت الصدفة وكان زمن المجلس قليلًا جدًّا لا يسع سوى التحية دون ردها .
وإنهم لن يستطيعوا أن يبرهنوا على خلاف ذلك ، فإني قائل : إذا لم يجلسوا
مستديمين الصمت ومنصرفين كذلك ، فبمَ ينطقون ؟ هل بعلم شرعي وقد جهلوه أو
تجاهلوه ؟ أم بعلم صناعي وقد عادوه ؟ أم فن طبي وقد تناسوه ؟ أو حديث عن منفعة
عمومية وقد أغفلوها ؟ أم استفسار عن حوادث سياسية ، وقد زعموا أن الاشتغال بها
لا ينفع ؟ فإذًا لا سبيل إلا الاشتغال بألعابهم المعتادة كالشطرنج والنرد ( الطاولة )
وغيرهما من أصناف الملاعب ، وإنها دون ريب لتحملهم إلى أسوأ مما فروا منه ، كما
هو مشاهد .
نعم يوجد بيننا بعض الأذكياء الذين يتحدثون عن المعارف والسياسة ، ولكن
فضلًا عن كونهم نزرًا يسيرًا فإن أعمالهم غير منطبقة على ما يقولون ، لكونها جملًا
حفظوها من غير أن يعقلوا لها معنى ، أو لكونها أمورًا إجمالية ضيقة المجال لم يبحثوا
في تفاصيلها . هذه هي المجالس المنزلية .
وأما المجالس التي تعقد على قهاوي الشعراء والحشاشين المخرفين ، فلا
نستطيع تفصيل ما فيها من العجائب والأحاديث الجنونية ، لكثرتها وتشعب مسالكها
سيما حديثهم فيما يتعلق بالجن والشياطين ، أو خرافات المعاتيه والمجانين . كما أننا
نكتفي في الكلام على منتديات الأرياف ؛ لأنها وإن قيل فيها ما يتعلق بالزراعة
ومصالحها ، ولكن لا تخلو من كلمات تدل على تمكن الحسد والحقد في أفئدتهم ، وأن
العداوة والبغضاء راسختان في ضمائرهم ، بحيث يعسر زاولهما ، وهذا مع مساواة
غالبهم لأهل المدن في البغي والفجور ، وإن بعض عمد البلاد أسوأ حالًا وأقبح عملًا
من أهل المدن كما هو معروف .
فهذه أحاديثنا في مجالسنا ، وتلك أقاويل غيرنا في مجامعهم ، سردناها لذوي
النقد والبصيرة ، معرضين عن كثير مما نتفوه به وقت اجتماعنا ، ولعلنا نذكره وقتًا
ما ، إذا رأينا لهذه البذرة أوراقًا يانعة وثمارًا طيبة ، فيقوى فينا ضعيف الأمل
ويحيا ميت الرجاء ، ونشمر عن ساعد الاجتهاد ونطلق لسان العظة ، داعين إلى
طرق النجاح . وإنا لنخشى أن تقابَل هذه الجملة بما قوبلت به أخواتها من قبل ، كأن
يقول زيد : ما كتبت هذه الجملة إلا للتنديد على أقوالي ، ويظن مثله عمرو ،
فيصرفونها عما وضعت لأجله من خالص النصح ومحض الإرشاد ، من غير أن
تناط بشخص مخصوص أو فئة معينة ، فالملحوظ فيها - كسابقاتها - الخُلُق من حيث
تعلقه بالأفراد أيًّا كانت ، كما هو الشأن في جميع المواعظ والنصائح العمومية ، لا
المرء المخصوص المتصف بتلك الأخلاق حتى تكون تنديدًا وطعنًا ، فعسى أن لا
نسمع بعد بمثل تلك التصورات من أحد من الناس ، ويعلموا أن ما كتب وسيكتب
صادر عن نفوس تسعى في تهذيب الأخلاق ما استطاعت ، ويسرها أن ترى أبناء
الديار رافلة في حُلل من الكمالات متحلية بالعزة والفخار ، حقق الله آمالنا وختم لنا
بحسن مآلنا . اهـ .

( المنار )
كتب الأستاذ هذه المقالة في 10 ربيع الأول سنة 1298 أي : من بضع عشرة
سنة ، وفيها من المناسبة لحال هذه الأيام ما ترى . أما ما ذكره عن أحاديث
الأوروبيين ومقاصدهم من ذلك فهو :
( 1 ) إنشاء شركاتهم بنكًا في مصر ؛ لأن أغنياء المصريين وعمدهم ما
داموا لا ينفكون عن السفه والتبذير فهم في غمرات الديون التي تجلب على بلادهم
رَيْب المَنُون ، وإن أنبتت تربتهم الذهب الوهاج ، وأعفتهم الحكومة من كل إتاوة
وخراج ، وقد تقرر الآن إنشاء البنك في مصر .
( 2 ) إنشاؤها سككًا حديدية في بعض الأيالات الشرقية . وقد جاء في
الجرائد الأوروبية أن ( الكونت ولدمير كاينتز ) ابن أخت سفير روسيا من فينا طلب
من حضرة مولانا السلطان امتيازًا بإنشاء سكة حديدية جديدة من ميناء طرابلس الشام
إلى الكويت على خليج العجم ، وقد أنشئت شركة مختلفة لمدها ، وهاتان المسألتان من
أهم المسائل المالية الحاضرة الآن .
وقد ذكرنا في العدد 18 أن الباب العالي منح امتياز سكة حديد بين قونيه
والبصرة للمسيو كوتار الفرنسوي ( نقلنا ذلك عن الاتحاد المصري والعهدة عليه ) .
وبقية ما ذكره عن الأوروبيين من إرسال رسل من نبلاء بلادهم ليعقدوا مع رجال
بلاد أخرى شروط التزام مصالح عديدة ، وقيام خطبائهم لبيان كيفية استيلائهم على
البلاد البعيدة ، هو الآن أشد وأكثر مما كان في سائر الأحايين ، وناهيك بما هو جارٍ
في مملكة الصين ، وأما ما ذكره من أحاديث أبناء هذه البلاد ومجالسهم ، في
معاقرتهم ومقامرتهم ، فهو على ما كان في تلك الأيام . نعم قد زاد لغطهم وثرثرتهم
بالسياسة على الوجه الذي ذكره وهو كون أعمالهم غير منطبقة على أقوالهم ، ولقد
صدَّر المقالة بكلمات قال فيها عن أحاديث منتدياتنا : ( إنها عقبات في طريق
تقدمنا وظلمات متكاثفة في وجه انتظام هيئتنا الاجتماعية وحواجز دون الوصول إلى
محجة الرشاد ، وانتهاج خطة السداد ، وإن خاله الكثير منا تمدنًا وزعمه السواد
الأعظم من شعار الأدب وعلائم الذوق والترف) وإنما لم نذكرها في صدر المقالة ؛
لأنها جاءت في خلال الكلام عن وعد سابق في الكلام عن الموضوع كان وقع له
يومئذ ، ولا محل له عندنا اليوم فيصدر الكلام به .
__________
(*) فاتحة العدد العشرين الصادر في يوم الثلاثاء 14 ربيع الأول سنة 1316 .