__________

19 ربيع الثاني - 1316هـ
سبتمبر - 1898م

الكاتب : محمد رشيد رضا
__________
سجايا العلماء [*]
العلماء والحكماء من مجموع الأمة بمنزلة العقل المدبر والروح المفكر من
الإنسان ، فصلاح حال العلماء والحكام يُصلح حال الأمة ، وفساد حالهما مُفسد لحال
الأمة بأسرها ، فإذا رأيت الكذب والزور والرياء والنفاق والحقد والحسد وأشباهها
من الرذائل فاشية في أمة فاحكم على أمرائها وحكامها بالظلم والاستبداد ، وعلى
علمائها ومرشديها بالبدع والفساد ، والعكس بالعكس ، ولا يصدنك عن الجزم بهذا
الحكم المؤرخون الكاذبون والشعراء الغاوون ، الذين يرفعون هياكل الإطراء ،
وينصبون تماثيل المدح والثناء لكل رئيس من أولئك الرؤساء ، بما ينشئونه من
الجرائد ، وما ينظمونه من القصائد ، ولا تعول في الاحتجاج والاستدلال ، إلا على
الآثار والأعمال ، فهي التي تشرح الحقائق وتترجم عن السجايا والخلائب ، من غير
كذب ولا محاباة وبلا مصانعة ولا مداجاة .
خذ بيد عقلك هذا الميزان وطف به جميع عالم الإنسان ، يظهرك على ما في
الضمائر ويطلعك على مخبآت السرائر ، ويبين لك الراجح من المرجوح والعادل من
المجروح ، بشرط أن تقيم الوزن بالقسط ولا تخسر الميزان ولا تطغى فيه ، كما أشار
إلى ذلك الفرقان الحكيم .
إذا التزمت الشرط فلا ريب أنك لا تقيم وزنًا لكثير ممن يزعم الدهماء أنهم
يوازنون الجبال ، ويرجحون في الفضل والكمال ، وربما رجح في قسطاسك
المستقيم من يَنقِصه وزنه أكثر الأقران والأقتال .
قلنا : لا يعول في الاستدلال على حال الإنسان إلا على أعماله ؛ لأن الأعمال
تنشأ عن الأخلاق والملكات الاعتقادية والأدبية ، ولا أخالك تذهل عن كون الكلام من
جملة الأعمال اللسانية ، ودلالته مقبولة فيما نحن بصدده ، من حيث كونه مظهرًا
لمعلومات المتكلم ، ومَجلًى لأخلاقة وآدابه ، لا من حيث مدلول الألفاظ في المدح
والذم ، فإن هذا هو الذي لا يعول عليه ، إلا بعد تطبيقه على ما في الخارج وشهادة
الأعمال والآثار له .
من علامات علماء السوء الذين يفسدون آداب العامة وأخلاقهم ويزعزعون
اعتقادتهم وأديانهم ، الانتصار لأنفسهم الخبيثة وحظوظهم وأهوائهم الباطلة ،
بعنوان الانتصار للدين والغيرة على الحق ، فيذمون من يحسدون وينالون من دينه
وعرضه قولاً أو كتابة ، بحيث يوهم أحدهم سامعه أو الناظر في كتابته أنه ينتصر
للدين ويبين الحق من الباطل ، وينقسم هؤلاء إلى أقسام : منهم من لا يذم إلا ما يراه
باطلاً ومن يعتقد صدور الباطل منه ، ومن أدلة كذبه في دعواه إذا لم يذم إلا الباطل ،
حقيقة كونه يأتي بهذه المذمة غيبة ، ولا ينصح من جاء بالباطل بينه وبينه ، وكونه
يحب أن تشيع الفاحشة وينتشر الباطل ، حيث لم يسعَ بمنعه من قِبل من جاء به ،
وكونه يمدح صاحب الباطل في وجهه ويعظمه بدلاً من نصيحته وتقريعه ، وكونه ينكر
ما نسب له أمام مذمومه أو بعض ذويه سيما إذا كان المذموم ذا مكانة عالية ومنزلة
سامية ، وكونه يدفن الحسنات ويعلن السيئات ، إلى غير ذلك مما لا يخفى على ذوي
البصائر ، ومنهم من يريه حسده وهواه الحق باطلاً ، والصحيح فاسدًا ، ويكفيك
عمى بصيرته دليلاً على كذبه في دعواه الانتصار للحق أو الغيرة على الدين ، ومنهم
الذين يقولون كذبًا ويخلقون إفكًا ، لا يكتفون بإخفاء المحاسن والمناقب وإبداء
المساوى والمثالب ، بل يتذقحون ويتجرمون ، ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون
( أنه كذب ) { أُوْلَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ } ( المجادلة : 19 ) ومن علاماتهم أنهم لا يكادون يعترفون بخطأ ، بل يؤولون لأنفسهم
ولمن يوافق قوله أهواءهم ، ولو بتحريف الكلم عن مواضعه والخروج باللغة عن
أساليبها ، كما يفعلون للغميزة والإزراء بمن يحسدونه ، ومن لا يطابق قوله أغراضهم
وأهوائهم ، وأن لباب الحق كما علمت .
من علامات علماء الآخرة وأنصار الحق الذين يهتدى بهديهم ، وتصلح أحوال
الأمم بالاقتداء بعملهم ، أنهم إذا رأوا معروفًا وخيرًا من أحد إخوانهم يذيعونه ،
وينوهون به ويثنون على صاحبه بما هو أهله ، وإذا رأوا سوءًا وأمرًا منكرًا
يسترونه وينصحون فاعله ، من غير أن يشعروا أحدًا آخر به ، فإن أصر على
منكره عامدًا متعمدًا ، وكان المنكر مما يتعدى ضرره ، حذروا منه من يُخشى عليه
منه ، سواء كان في غيبة صاحب المنكر أم في مشهده ، ومن علاماتهم أنهم يقبلون
النصيحة من أي ناصح ، ويقابلون عليها بالثناء والشكر ، ويرجعون عن الخطأ متى
علموا به ، ضالتهم الحكمة ينشدونها حيث وجدوا ، ويأخذونها حيث وجدت .
كل من نظر في كلامنا هذا يعلم بما أعطيناه من الفرقان أن علماء الحق أمسوا
أندر من الكبريت الأحمر ، وأن علماء السوء أعمّ وأكثر ، ولا يغتر بالعمائم المكورة
والأردان المكبرة والأذيال المجررة ، وإن كانت محل غرور الأكثرين والعنوان
عندهم على العلم والدين ، وإذا تنبه لعدم الاغترار بالمظاهر ، وعول على الاستدلال
بالأعمال والمآثر ، وأحب معرفة سيرة بعض رجال العلم والدين ، بما أشرنا إليه من
السلطان المبين ، فإننا نقص عليه خبر رجلين منهما ، مع الإشارة إلى ضدهما فنقول :
ألف حكيم الأمة الأستاذ الفاضل ، والعلامة الكامل الشيخ محمد عبده ( رسالة
التوحيد ) التي لم يؤلف مثلها في الإسلام ، فطفق بعض علماء السوء يوسوسون إلى
أوليائهم ويوحون إلى تلامذتهم وأصحابهم أن هذه الرسالة فيها نزغة اعتزالية ،
وبعضهم تهور فقال : إن فيها إنكار الوحدانية ، وهذا في غيبة المؤلف ، وفي مشهده
يثنون عليها أطيب الثناء ، ويطرونه عليها أشد الإطراء ، ومنهم من قيد ذلك الثناء
والشكر بالكتابة ، وهؤلاء كما علمت من الذين يجعلون الحق باطلاً والحالي عاطلاً ،
حسدا أو عمى بصيرة .
وقد كشفنا بهتانهم من غير أن نعرف أعيانهم في مقالة مخصوصة نشرناها في
العدد 12 من جريدتنا .
هل أتاك حديث علماء الآخرة وأنصار الحق ، وما كان من شأنهم تلقاء (رسالة
التوحيد ) قرأ الرسالة العلامة المحدث الذي انتهت إليه رئاسة علوم اللغة والحديث في
هذه الديار ، لا سيما علم الرواية للحديث الشريف ولأشعار العرب والمخضرمين ،
ألا وهو الأستاذ الفاضل الشيخ محمد محمود التركزي الشنقيطي ، فتوقف في بعض
حروف وفي بعض مواضيع منها ، فولى وجهه شطر بيت الأستاذ المؤلف ،
حتى إذا ما جاءه طلب منه أن يقرأ الرسالة معه ، فقرآها في يومين وتذاكرا فيما توقف
فيه ، فأزال له الأستاذ المؤلف بعض ما أشكل عليه ، واعترف له بالإصابة في بعض
ما انتقده ، وانتهى الأمر بشكر كل منهما للآخر . ومن حسن أخلاق الأستاذ المؤلف
واعترافه بالحق وشكره عليه : أنه قص هذه القصة على تلامذته في الجامع الأزهر،
وأثنى لهم على أخلاق الأستاذ الشنقيطي وعلمه ودينه ، وقال : هذه هي مزايا
العلماء . أما الانتقاد الذي اعترف المؤلف فيه للمنتقد بالإصابة فهو نحو قوله :
( دعيت للتدريس) وكان ينبغي أن يقول : ( دعيت إلى تدريس) فسبق القلم . هذا
من حيث اللفظ ، وأما من حيث المعنى فمسألة البحث في خلق القرآن ، انتقد
الشنقيطي بأن فيها مخالفة لما التزمه المؤلف من سلوكه في العقائد مسلك السلف ،
قال : والسلف لم يبحثوا في هذه المسألة ، فاعترف له المؤلف بذلك وقال : إنني
خالفت في هذه المسألة بخصوصها الشرط لأهميتها واشتباه كثير من الناس فيها .
لم يكتف الأستاذ الشنقيطي بالشكر للمؤلف في مشهده وعلى سمعه على هذا
الأثر الجليل ، بل قرظه بقصيدة غراء ذات حكم ونصائح ، وجاء الرواق العباسي
في الجامع الأزهر الشريف ، ولما حشر العلماء والطلاب لسماع درس الأستاذ
المؤلف استأذن منه بقراءة القصيدة عليهم ، وصعد كرسي الدرس وافتتح الكلام
بالبسملة والحمدلة والصلاة والسلام على خير الأنام ، وأنشد القصيدة والناس
مصيخون ، والأستاذ المؤلف بينهم وهي :
ألا إن خير الناس من كان قصده ... لنفع الورى أو كان في الضر زهده
لقد مات دين الله وانحل عقده ... فأحياه بالذكرى ( محمد عبده )
فذكر من يخشى بذا الدين وحده ... ومن كان لا يخشى وبالله أيده
ونشر للإسلام من بعد طيه ... لواء على الأعلام يخفق بنده
ونوه بالإسلام تنويه ماجد ... بتنويهه بالدين يزداد مجده
وجدد للآنام توحيد ربهم ... براهينه المهداة إذ طال عهده
براهين عقل ثم نقل مبينة ... حباهم بها عفوًا وما جد جده
وسار بها سير المجد نصيحة ... لطالب دين الله فاشتد عقده
ولم يستعن في ذا الرئيس وجنده ... ولكن جنود الله والعلم جنده
ولم يستعن أهل الإدارة كلهم ... ولا بعضهم فالله منه ممده
ولم يستعن بالأزهريين إنهم ... إذا استقدحوا زندًا ورى قبل زنده
ولم يتخذ حكم المحاكم عُدة ... ولكن حكم الدين قسطًا يعده
ولم يعتبر في حسن تأليفه الرضي ... تقاريظ من في الجهل لم يدر حده
ولم يسترق تأليف أستاذه الذي ... به لاح برق العلم يحدوه رعده
وخير كلام المرء ما زان نفسه ... بصدق حديث ليس يمكن رده
وشر مقال الحر ما شان ربه ... ببهتان قول لا يحاول جحده
فلازم دليل العقل والنقل صادعًا ... بأمر إله الخلق يلزمك رشده
ولا تعدون عيناك عنه فإنه ... إلى الله هذا الخلق طرًا مرده
ولا تسلكن سبل الضلالة سادرًا ... ففيها نرى المخذول يمتد كده
وإياك والتقليد في الجهل إنه ... بناء لدى النحرير يسهل هده
وجادل بسلطان مبين أولي النهي ... به كل من ماراك قهرًا ترده
ودع عنك تقوال الحسود وبغيه ... ففي نار غيظ الحقد يشويه حقده
ودع عنك بهتان الجهول وغيه ... فإخوانه في الغي كل يمده
فعاموا كعوم الحوت في بحر جهلهم ... وفي بحر طغواهم وقد طم مده
فإن تعددن ما حرفوه وصحفوا ... لجهلهم بالعلم يتعبك عده
أراك نصرت الدين بالحق حسبة ... إليها الفتى المقدام يشتد شده
وننصر مولانا ونعلم أنه ... هو الله فقر العبد منه ووجده
وينصرنا المولى ويصدق وعده ... وأصدق وعد النصر لا شك وعده
فدونك نصحًا مخلصًا واعلم أنه ... هو الدين نصح يا ( محمد عبده )
واحمد رب الناس سرًّا وجهرة ... على كل حال يلزم الناس حمده
__________
(*) فاتحة العدد الخامس والعشرين الصادر في يوم الثلاثاء 19 ربيع الثاني سنة 1316 .

الكاتب : محمد رشيد رضا
__________
] فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [ [*]
( تابع ما قبله )
( إن الناس قد أكثروا من دعاء غير الله تعالى من الأولياء ، الأحياء منهم
والأموات وغيرهم ، مثل : يا سيدي فلان أغثني ، وليس ذلك من التوسل المباح في
شيء ، واللائق بحال المؤمن عدم التفوه بذلك ، وأن لا يحوم حول حماه ، وقد عده
أناس من العلماء شركًا ، وأن لا يُكِنُّه فهو قريب منه ، ولا أرى أحدًا ممن يقول ذلك
إلا وهو يعتقد أن المدعو - الحي الغائب أو الميت المغيب - يعلم الغيب أو يسمع
النداء ، ويقدِر بالذات أو بالغير على جلب الخير ودفع الأذى ، وإلا لما دعاه ولا فتح
فاه . وفي ذلك بلاء من ربكم عظيم . فالحزم التجنب عن ذلك وعدم الطلب إلا من
الله تعالى القوي الغني الفعال لما يريد .
ومن وقف على سر ما رواه الطبراني في معجمه من أنه كان في زمن النبي -
صلى الله تعالى عليه وسلم - منافق يؤذي المؤمنين ، فقال الصديق رضي الله تعالى
عنه : قوموا بنا نستغيث برسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - من هذا المنافق ،
فجاءوا إليه فقال : ( إنه لا يُستغاث بي إنما يستغاث بالله تعالى ) لم يشك في أن
الاستغاثة بأصحاب القبور الذين هم بين سعيد شغله نعيمه وتقلبه في الجنان عن
الالتفات إلى ما في هذا العالم ، وبين شقي ألهاه عذابه وحبسه في النيران عن
إجابة مناديه والإصاخة إلى أهل ناديه - أمر يجب اجتنابه ، ولا يليق بأرباب العقول
ارتكابه . ولا يغرنك أن المستغيث بمخلوق قد تُقضى حاجته ، وتنجح طلبته ، فإن ذلك
ابتلاء وفتنة منه عز وجل ، وقد يتمثل الشيطان للمستغيث في صورة الذي استغاث
به ، فيظن أن ذلك كرامة لمن استغاث به ، هيهات هيهات ، إنما هو شيطان أضله
وأغواه ، وزين له هواه ، وذلك كما يتكلم الشيطان في الأصنام ليضل عبدتها الطغام
... إلخ ) . اهـ .
أقول : إن شياطين الأوهام والخيالات كافية لخداعهم بكل ما ذكر ، ويوجد مثل
ذلك عند جميع الأمم والملل ، ومَن قرأ التاريخ وكتب الأديان رأى من أمثال
الحكايات التي يتناقلها هؤلاء عن شيوخهم شيئًا كثيرًا ، ولو روعيت في نقلها شروط
رواية الحديث لم يكد يثبت منها شيء . هذا وإن ما أورده هذا المفسر الواسع
الاطلاع في الآية مغنٍ عن البحث في غيرها .
وأما قوله تعالى { أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ} ( الإسراء : 57 ) فمعناها كما عليه جماهير المفسرين : أن أولئك الآلهة الذين
يدعونهم - أي يعبدونهم أو ينادونهم لكشف الضر عنهم - يبتغون إلى ربهم الوسيلة
أيهم أقرب ، أي القربة بالطاعة والعبادة ، وأيهم أقرب معناه : من هو أقرب منهم
يطلب الوسيلة إلى الله تعالى ، كسيدنا عيسى ( عليه الصلاة والسلام ) فكيف بالأبعد .
وجوز الحوفي والزجاج : أن ( أيهم أقرب ) في محل نصب ( يبتغون ) والمعنى :
يبتغون أيهم أقرب فيتوسلون به ، أي بدعائه لا بذاته ، كما قال المحقق الآلوسي ،
وهذا التجويز إنما هو من حيث وجوه الإعراب ، لا أنه متبادر من اللفظ أو مأثور
عن السلف فيحتج به ، لا سيما في الاعتقاد ، ومع ذلك فقد تعقبه في ( البحر ) بأن في
إضمار الفعل المعلق نظرًا ، قال : ومع هذا هو وجه غير ظاهر . وصاحب الرقيم قد
حرف الكلم عن مواضعه ، وتعدى على كتاب الله ، وافترى على رسوله وعلى
السلف الصالح ، حيث قال ما نصه : ( أمر الله تعالى بابتغاء الوسيلة ، وفسرها
تعالى في الآية الآخرى ، أعني قوله : يبتغون أيهم أقرب فيتوسلون به إلى الله تعالى ،
وهو عام سواء كان التوسل بدعائه أو بشفاعته أو بجاهه أو بكرامته أو بذاته في حياته
وبعد مماته ، ولكلٍّ شاهد من الكتاب وصحيح الأخبار والآثار عن السلف الصالح ) .
اهـ .
نعوذ بالله من الجرأة على الله ورسوله ، والتلاعب في الدين بمحض الهوى .
إذا كان عند هذا الجاهل المنحرف آيات قرآنية وأحاديث صحيحة على
التوسل بذوات الأموات والأحياء تشهد لما أخذه من وجه الإعراب الضعيف المردود
الذي اتخذه عقيدة فما باله لم يأتِ بها ؟ !
وأما قوله تعالى { فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْراً} ( النازعات : 5 ) فقد قال بعضهم : يحتمل
أن تكون المدبرات : الأرواح بعد انفصالها من الجسد ، وفسروه بأن الإنسان قد يرى
أباه في المنام فيرشده إلى شيء مفيد أو يرى شيخه فيحل له مسألة عويصة ،
ومثل هذا واقع استشهدوا له بما ينقل عن جالينوس أنه مرض فرأى في المنام
من أرشده إلى علاج فتناوله في اليقظة فبرئ من مرضه .
وقد اعترف المفسرون بأن هذا الاحتمال لم يرد في خبر نبوي ولا أثر سلفي ،
وأوردوه بصيغة الضعف ، فهل يصح أن نمده مد الأديم ، ونضيف إليه الإضافات ،
ونلحق به الملحقات التي انتحلتها الأوهام والخيالات ، ونجعل ذلك كله عقيدة دينية
ونقول { إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا } ( الزخرف : 22 ) { وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} ( الأعراف
: 28 ) حاش لله ! لا تؤخذ العقائد من الاحتمالات ، ولا يُستدل عليها بالأحلام
والمنامات .
هذا ما يحتمله المقام من الكلام على الآيات . وأما الأحاديث فليس في الباب إلا
حديث استسقاء عمر بالعباس رضي الله تعالى عنهما ، وهو حجة على صاحب
الرقيم ومَن على رأيه ومذهبه من وجهين :
( الأول ) : قول عمر : اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا صلى الله عليه وسلم ،
وإننا لنتوسل بعم نبينا فاسقنا ، فهو دليل على أن المراد بالتوسل طلب الدعاء من
الحي ، كما نقلنا ذلك في تفسير الآلوسي ، ولو صح التوسل بالذات لما عدل عمر
عن التوسل بالنبي - وذاته الشريفة موجودة - إلى التوسل بعمه العباس ، على أن
وقائع الأحوال يعروها الاحتمال ، فيكسوها ثوب الإجمال ، فيسقط بها الاستدلال ،
كما قال الأصوليون ، وذلك بالنسبة للأحكام التي يكتفى فيها بالأدلة الظنية ، فما بالك
بالعقائد التي تبنى على البراهين اليقينية .
( الثاني ) : قول العباس رضي الله تعالى عنه في دعائه على ما في رواية
الزبير بن بكار : ( اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب ولم يكشف إلا بتوبة ) إلخ ، وهو
نص صريح في أن كشف البلاء لا يكون إلا بتوبة من خلاف الشريعة الإلهية الذي
أوجب البلاء والرجوع إلى العمل بها ، والنفي يشمل التوسط الذي ما أنزل الله به من
سلطان ، ولو شئنا لنأتين بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تنفي الوسائط
الشركية والشفاعات الوثنية ، وإن كادت تكون غير محصية ، لكن من لا يقنعه
القليل لا يقنعه الكثير ، والمدار على التربية العملية والتعليم .
هذا وإن سابق كلامنا ولاحقه لم يُبنَ على إنكار الكرامات ، ولا على نفي
شفاعة الأصفياء في الآخرة ، وصرحنا بأن زيارة قبور الصالحين فيها من الفائدة
والاعتبار ما ليس في زيارة سائر القبور ، وهو الذي عبر عنه الغزالي بالبركة ،
وقد فسرناها تفسيرًا معقولاً في العدد ( 22 ) وأن هذه الفائدة أو البركة إنما تحصل
لأهل القلوب المتفقهة والعزائم الصادقة ، ولكن كثيرًا من الناس لا تطمئن قلوبهم
بالتوحيد الخالص لله تعالى ، وإنما يلوكونه بألسنتهم ، ولا تنشرح صدورهم لأن
يعبدوه مخلصين له الدين حنفاء ، ولذا اتبعوا سنن من قبلهم حتى في النزغات
الوثنية وتحريف الكلم عن مواضعه ، فضلوا كثيرًا وأضلوا عن سواء السبيل ،
ومحوا مزايا الإسلام وخصائصه ، فصار المعروف منكرًا والمنكر معروفًا ، إنا لله
وإنا إليه راجعون .
__________
(*) (غافر : 14) .

الكاتب : محمد رشيد رضا
__________
العقيدة الإسلامية
( كتاب يحتوي على ذكر شهادات علماء أوروبا وأشهر كتابها بفضل الدين
الإسلامي في نشر المدنية وارتقاء العمران ، مع بيان الأساسات الجوهرية التي بني
عليها الدين المبين ، وتطبيقها على القواعد العقلية والأصول الفلسفية ).
هذا عنوان كتاب ألفه بالإنكليزية الشيخ عبد الله كويلبام ، شيخ المسلمين
ورئيسهم في ليفربول من بلاد الإنكليز ، وقد عربه الفاضل محمد أفندي ضيا
المصري ، وأهدانا نسخة منه تصفحناها فألفيناها جديرة بالمطالعة ، ولكن عنوان
الكتاب أكبر منه ، فإنه وإن بين الكثير من الأسس الجوهرية التي بني عليها هذا
الدين ، لم يستوفها مع التطبيق الذي يشعر به العنوان ، ومما يحسن ذكره في تقريظ
هذه العقيدة : أنها تتكلم عن الإسلام من الوجوه التي تستلفت نظر الأوروبيين وسائر
أبناء التمدن العصري إليه ، من ذكر محاسنه وفوائده للنوع الإنساني ، وتأثيره في
سوق من يأخذ به على حقه للمدنية الصحيحة ، والجواب عن انتقاد متمدني العصر
على بعض أحكامه : كالطلاق وتعدد الزوجات ، وبمثل هذا ينبغي أن يدعى إلى الدين
في هذه الأيام ، لا بمثل كتب العقائد التي يتداولها طلاب العلم : كحواشي السنوسية
والجوهرة التي تبحث عن مزايا الدين وفوائده وتأثيره في سعادة أهله ، بناءً على أن
هذا ليس من أصول العقائد ، لكنها تذكر أن خوارق العادات تقع من كل صنف أو
على يد كل صنف من أصناف البشر ، حتى الكفار والفساق وتسمى كل نوع من تلك
الأنواع باسم ، ولم يرد شيء من ذلك في كتاب الله ولا سنة رسوله وسيرة أصحابه
وسائر سلف الأمة الصالح ، وإنما هو تقسيم لاح في ذهن بعض المؤلفين الذين لا
يؤخذ بقولهم في فروع الدين فضلاً عن أصوله وعقائده ، التي اختُلف في صحة
إيمان المقلد فيها ، ولو للأئمة المجتهدين .
ومما نقله في هذه العقيدة عن علماء أوروبا في وصف الإسلام ، مسألة حقيقة
بأن يلتفت لها طلاب العلم ، بل والعلماء المسلمون ، وهي أن دين الإسلام سهل
قريب من الفهم يمكن لكل إنسان أن يتناوله من طرف الثمام مع التعقل والإذعان في
مدة قليلة جدًّا ، وإنما أستلفت لهذه المسألة أهل العلم مع أنها لا نزاع فيها ؛ لأن كتبهم
وتآليفهم التي يتداولونها اليوم قد جعلت السهل حزنًا والقريب بعيدًا ، وصار تناول
الدين الذي كان يأخذه الأعراب من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في مجلس واحد
يحتاج فيه إلى سنين طويلة ، فعسى أن يضعوا لنا كتبًا سهلة العبارة ، خالية من
الحشو والأبحاث الغريبة والمسائل المبنية على الفرض واحتمال الوقوع ، لأجل
تعليم الناس الدين بها ، فإن أكثر منتحلي علوم الدين - إن لم نقل كلهم - في عجز
عن إلقاء الدروس الدينية من غير كتب يقرءون بها ، والكتب كما تعلم ، فالحاجة إلى
غيرها شديدة ، وما ينتقد به على هذه العقيدة أنها تنقل مسائل دينية عن علماء أوروبا
مخالفة لما عليه المسلمون ، وتقر أصحابها عليها ، مثل : الجزم بأن سيدنا إبراهيم
عليه الصلاة والسلام كان يعبد النجوم ، كما يلوح لغير العالم بدين الإسلام من آيات
سورة الأنعام ، ومثل : نقله عن بعض كتب التاريخ الإفرنجية أن النبي عليه الصلاة
والسلام كان شاعرًا ، وعبارته المنقولة هي : وهكذا انتهت حياة الرجل الوحيد في
تاريخ العالم الذي جمع في آن واحد بين شاعر ونبي ، ومتشرع ومؤسس لدين
ومملكة ، ومثل : نقله أن أكثر القرآن منزل بالنثر المسجع ، وليس كذلك ، ومثل :
نقله عن بعضهم في القرآن أنه يثبت انقلاب هذه الأرض القاحلة على بغتة أرضًا طيبة
تجري من تحتها الأنهار ، وهو ناجم عن عدم فهم القرآن . هذا ما سنح لنا الآن ،
وربما نطالع العقيدة ثانية بدقة وإمعان ، ونوفيها حقها في التقريظ والانتقاد ، ونختم
الكلام بالثناء على حضرة المترجم ، ونستلفته إلى العناية بتصحيح الترجمة في طبعة
ثانية ، ونحث أبناء العربية على الإقبال على هذه العقيدة كما أقبل عليها أهل اللغات
الأجنبية .
__________

الكاتب : محمد رشيد رضا
__________
مقتطفات الجرائد
( شاه العجم ومنظوماته )
إن لشاه العجم شغفًا شديدًا بنظم الشعر ، وهو يعد نفسه من أشعر شعراء
مملكته ، ففي ذات يوم طرق أذنه خبر وجود شاعر مجيد من مدينة طهران ،
فاستقدمه على جناح السرعة إلى بلاطه ، ودفع إليه منظوماته ليرى رأيه فيها ويعلمه
علم اليقين عنها ، فلما طالعها ذلك الشيخ الشاعر التفت إلى الشاه بدون خشية وقال له
بحرِّية ضمير : إن قصائدك يا مولاي متباينة القوافي ، وعارية عن المعاني ، ولما
كان الشاه ينتظر من الشاعر تقريظها ، وسمع منه بجرأة هذه العبارات أخذت منه
الحدة مأخذها ، وكاد يتميز من الغيظ ، فأمر حالاً بأن يساق الشاعر إلى الإسطبل
ويجلد ، ونفذ على عجل أمره فيه ، وبعد مضي مدة أيام استحضره الشاه إليه وكلمه
برقة وبشاشة عن الشعر والشعراء ، فأخذ ذاك يتداول معه الحديث حتى اتصل بالشاه
أن يتلو عليه أبيات كان قد نظمها مؤخرًا ، فما كاد الشاعر يسمع منها بيتين حتى
نهض حالاً من حضرته وسار متخذًا وجهة الإسطبل لا يلوي على شيء ، فناداه
الشاه قائلاً له : إلى أين أنت متوجه ؟ فأجابه الشيخ الشاعر بكلام متقطع وهو يهز
رأسه : إنني ذاهب يا مولاي إلى الإسطبل لأستعد للجلد ثانية ، فما كاد يتم هذه
العبارة اللطيفة حتى استغرق الشاه في الضحك ثم عينه عضوًا في بلاطه .
***
( النساء في مملكة سيام )
كل فرد من المدرينيين في تلك الجهة يقتني من النساء من اثنتي عشرة إلى
ثلاثين امرأة بحسب قلة ثروته أو كثرتها ، ولا يمتاز الشريف منهم إلا بكثرة عدد
حرمه وجمال هيئتهن .
ثم إن بين حرم الواحد منهم من تسمى : ( كبرى) وهي التي يكون قد اقترن بها
بعد خطبة رسمية ، أما الباقيات فيسمين : ( صغريات) وكلهن تقريبًا يشترين بالمال ،
فإن المدريني منهم يمكنه أن يشتري عدة نساء جميلات بسبعمائة أو بثمانمائة
فرنك بالأكثر ، وإذا دفع ألف وخمسمائة فرنك يحصل على نساء يحاكين حور
الجنان ، أما زوجته الكبرى التي أشرنا إليها فهي التي تشتري له بقية زوجاته بحسب
مطلوبه ، وهي التي يلقي إليها أيضًا مقاليد رئاستهن ، فتذهب بهن إلى التنزه وتكون
المقدَّمة عليهن في كل ما يتعلق بشؤون بيته ، وبعد وفاته تكون وحدها وريثته ،
ويكون ولدها خلفًا لأبيه ، ولا يمكن بيعها ألبتة .
***
( الآلام العصبية والبيانو )
يزعم أحد علماء الفرنسويين أن أغلب الآلام العصبية التي تعتري السيدات
تنجم عن لعب البيانو .
***
( ميتة شنيعة )
نشرت جرائد بريكسول خبر ميتة شنيعة ، وهو أن بعض العملة كانوا يتعاطون
المدام في إحدى الحانات ، فمر بهم بائع سمك فاستوقفه أحدهم ليشتري منه ، فرأى
بين السمك فرخ انقليس ( حنكليس ) حيًّا ، فقبض عليه للحال ، وخاطر رفاقه على
شرب كأس خمر على نفقتهم إذا قطع رأس ذلك الفرخ بأسنانه ، فحالما فغر فاه
وأدنى الفرخ منه انتفض هذا من يده وانساب في حلقه إلى جوفه ، وبعد مضي دقيقة
انتابت ذاك المسكين آلام شديدة في أمعائه ، وملأ صراخه تلك الناحية ، ومع كل
الوسائط التي أجريت له لم يلبث إلا بضع ساعات ومات مأسوفًا عليه .
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ( لبنان )
***
( فتح أم درمان والقضاء على السودان )
لم تكد ترتفع الشمس في يوم الأحد الماضي إلى ربع السماء حتى فاجأتنا
أصوات المدافع من قلعة مصر ، وأول ما خطر لنا من السبب في ذلك ، فتح أم
درمان والنصر على السودان ، وكان كذلك ، فقد بعث سعادة كتشنر باشا سردار
الجيش المصري في صبيحة ذلك اليوم ( الأحد ) رسالة برقية رسمية إلى صاحب
السعادة فخري باشا ، نائب القائم مقام الخديوي يؤذنه فيه باحتلال الجنود المصرية
المظفرة ( أم درمان ) فصدر أمره سريعًا بإطلاق واحد وعشرين مدفعً من القلعة إعلامًا
بالنصر ، فأطلقت الساعة التاسعة صباحًا .
وأرسل سعادته رسالة برقية يبشر فيها سمو الخديوي المعظم ورسالة أخرى
لعطوفة مصطفى باشا فهمي رئيس النظار ( وهما في أوروبا ) .
كانت الملحمة الكبرى في صباح يوم الجمعة الماضي ، وكان البادئ بالهجوم
التعايشي بدراويشه ، ولقد جالدوا مجالدة الأبطال ، لكنهم رأوا بأعينهم أنه لا قبل لهم
بالسردار وجنوده وما لديهم من المدافع والعدد الكاملة والأهب التامة ، وما هم عليه من
التنظيم والشجاعة ، فولوا الأدبار وأركنوا إلى الفرار ، وكان التعايشي يقاتل في قلب
الجيش فتقهقر ، ثم ولى وأدبر ، فَكَرَّ رجاله على أثره ، كما هو شأن الجيوش الغير
منظمة إذا قتل أو ولى رئيسها لا تقوم لها قائمة ، اتباعًا لنظام الشطرنج ، وهاك
تفصيل خبر الملحمة والفتح نقلاً عن الأخبار البرقية الواردة من مكاتب شركة روتر
( نقلاً عن المؤيد الأغر ) .
كان أول من رأى العدو قادمًا هم طلائع السواري ، حيث رأوا جيوش الأعداء
زاحفة كالسيل على بعد ثلاثة أو أربعة أميال ، وهم بين راجل وفارس ، رافعين
الأعلام ، مترنمين بالأناشيد الحربية الحماسية . حينذاك اصطفت البيادة وعلى
يسارها الأورطة العشرون والأورطة الخامسة من الريفل والجاردس ، وانضمنت
إليها أورطة مكسيم فيوزلرس الأيرلندية ، وأورط وارويكس وكمرون وسيفورث
ولينكولن ورويال وتيلري ، وأورطتا مكسويل ومكدونالند السودانيتان ، ثم وضعت
المدافع على الجانبين ، وأقيمت ألوية لويس وكولنسن وراء الجيش للحاجة .
وما جاءت الساعة 7 والدقيقة 20 حتى زحف العدو من المرتفعات جملة واحدة
وقبل ذلك أطلقت مدافعنا حيث كانت الساعة 6 والدقيقة 40 فجاوبتها بنادق
الدراويش ، ثم حملوا حملة منكرة مندفعين من الأعالي على الجناح الأيسر ، إلا أننا
أسرعنا وصوبت نحوهم البنادق من كل صوب وحدب ، وانصبت عليهم النيران من
جميع الجهات ، فاضطروا إلى الانسحاب نحو قلب الجيش ليحملوا حملة أخرى ،
وكان فرسانهم يقابلون النيران بقوة ثبات ، إلا أن أورط الكمرون واللينكولن
والسودانيين سحقوا العدو سحقًا ، فتأخر وتقدمنا ، وصارت بعد ذلك الأرض مغطاة
بجثث القتلى ، ولا يمكننا أن نقدر خسائرنا تمامًا ، ومهما وصف الكاتب شجاعة
الدرويش وحملتهم وثباتهم ، فإنه لا يعد مبالغًا ولا متغاليًا ، فإنك ترى حاملي
الأعلام منهم يجدون في الزحف وليس بيننا وبينهم سوى مائة ياردة .
أما الأمراء الممتطون صهوات الجياد ، فكانوا يبذلون أرواحهم عن طيب
خاطر ثباتًا واستماتة .
وقد أوقف العدو إطلاق الرصاص هذه الساعة ، وربما كان لغرض اجتماع
قوتهم لكي يحملوا حملة ثانية ، ولذلك كان هذا اليوم يومًا مشهودًا ، قتل فيه من
الدراويش ألف ، وتقدمت فيه جيوشنا ، حتى صارت على أبواب أم درمان ، وإليك
ما عرفته لهذه الساعة من القتلى والجرحى : قتل الليفتنت غرنفل من الأورطة الثانية
عشرة اللانسرس ، والكبتن كالديكوت من الوارويكس وجرح كثيرون .
( الجمعة مساءً )
زحفت الجنود وأخذت أم درمان وفر التعايشي وخلص نيوفلد .
جرح الكولونل رود ( مكاتب التيمس ) ولما تأخر الدراويش وراء التلال
أعطى السردار الأوامر لألوية لويس وكولنس بأخذ الحذر والتيقظ التام ، وحاول
الدراويش الهجوم على الجناح الأيسر ولكنهم فشلوا في أمرهم ونكصوا على عقبهم ،
وقد تقدمت قواتنا أورطة أورطة نحو أم درمان .
وبينما كانت الألوية الإنكليزية تسير على الجانب المكون لشكل هلال من النيل
( قرب أم درمان ) وإذا بالدراويش قد هجموا على الجناح الأيمن من الجنود
المصرية التي كانت تسير من المعسكر ، وقد تجمعت الدراويش وراء صخور
مرتفعة عالية تبعد نحو ميلين عن المعسكر ، وساروا تحت لواء أسود للتعايشي
ليقاوموا ما استطاعوا ، فكانت القوة المهاجمة للجنود المصرية مؤلفة من خمسة عشر
ألفًا من الأشداء الأقوياء ، قد جعلوا قبلتهم الجناح الأيمن ، فصدرت في الحال أوامر
السردار بتطويح الجناح الأيسر والقلب حول الأعداء ، وتركت الأورطة الأولى من
برتيش بريجاد لنقل المهمات ، بينما احتلت أورطة مكسويل السودانية ( الاكت )
التي كان يجتمع عندها الدراويش ، وانضمت بقية لواء مكدونالند لضرب النار .
في خلال عشر دقائق تمكنت جنودنا الباسلة من حصر قوة الدراويش ( قبل تمكنها
من الرجوع إلى المنازل ) تحت نيران ثلاثة ألوية وبعض مدافع للطوبجية .
ولطالما حاول الدراويش المخلصون أن يقاوموا مقاومة شديدة بكل شجاعة
وإقدام ، ولكنهم كانوا يُسحقون سحقًا ، ويرتدون على أعقابهم المرة بعد المرة ، ومع
ذلك كانوا يرفعون أعلامهم بكل زهو وخُيَلاء ويموتون تحت ظلالها ، ولا ريب أن
مثل هذه الأعمال أكثر ما يقدر على مقاومته الجسم البشري ، إذ كلما مُحيت كتيبة
تقدمت أخرى ، حتى فني أكثرهم وولى الباقون الفرار تاركين الأرض وراءهم
مغطاة بالجثث المتلحفة بالمفرقعات .
تلغراف آخر :
ناوشت الأورطة الحادية والعشرون اللانسرس بعض الأعداء ، فوجدت كتيبة
من فرسان الأعداء مستترة ، فصبت عليها رَصاص البنادق ، حتى أوقفتها مكانها ،
ولكن قتل من جنودنا ضابط وقتل أيضا 21 جنديًّا وجرح 20 ، هذا بينما كانت
الخيالة المصرية مشتبكة القتال طوال النهار مع فرسان البقارة الذين أخذوا مدفعًا بقي
معهم مدة من الزمان ، ولكن جنودنا ردته ثانية بعد ذلك بهمة وإقدام غريبين .
وإن الإنسان ليأخذه الإعجاب والتأثر الزائد من شجاعة الدراويش وإقدامهم ، فكلما
انفرط عقد اجتماعهم واضمحلت قوتهم تألبوا ثانية مقدمين للحرب حتى يقطعوا إربًا
إربًا ، ولا يبقى لهم أثر ما ، وترى الأمراء يقتحمون الأهوال ويدفعون بأنفسهم
للموت ، تنشيطًا لأتباعهم حتى كاد بعضهم يصل صفوفنا قبل أن يحترق جسمه
بالرصاص المذاب المنصب عليه ، وكم من جريح يعالج سكرات الموت يدير رأسه
ليطلق من بندقيته طلقة الوداع .
وعند الساعة 11 والدقيقة 15 أمر السردار بالزحف ، فتقدمت القوة وطردت
من بقي من الأعداء أمامها في عرض الصحراء ، بينما كان الفرسان يقطعون خط
رجعتهم عن أم درمان .
وعند الساعة 12 والدقيقة 15 دخلت الجنود جميعها أم درمان ، تحت قيادة
السردار وراية التعايشي السوداء مرفوعة .
وأنا أكتب هذا في ضواحي هذه المدينة المضمحلة منتظرًا احتلال المدينة
بأجمعها هذا اليوم .
وتقدر خسائرنا تقريبا بنحو 200 نفر ، وخسائر الدراويش بالألوف ، وقد
انقرضت المهدوية بذلك انقراضًا لا تقوم لها بعده قائمة . اهـ .
وأنت ترى أن تهور هؤلاء الدراويش وغرورهم دفع بهم إلى مبارحة حصون
عاصمتهم ( أم درمان ) المنيعة والهجوم على الجيش الذي يفوقهم تنظيمًا واستعدادًا ،
وهكذا إذا وقع القضاء عمي البصر .
__________