__________

الكاتب : محمد رشيد رضا
__________
تعصب أوربا على الدولة العلية

لقد ظهر من خبث الدول الأوروبية وإفراطها في الطمع والتعصب الأعمى على
الدولة العلية ما لم يكن في الحسبان ، وأشوه مظاهر خبثها وطمعها وتعصبها ما كان
في هذه السنين الأخيرة في أرمينيا و كريد وغيرهما ، ولقد عادت هذه السياسة السوأى
من أوروبا بالضرر على النصارى والمسلمين معًا ، فكان ذلك فضيحة لدعواها
حماية النصارى في بلاد الدولة ، فلم يبق في هذه البلاد عاقل ينخدع بهذا التمويه ،
وقد اعترف بهذا كل بصير ، حتى الذين يقدسون أوروبا كأصحاب جريدة المقطم ،
فعسى أن يعم هذا العلم جميع المسيحيين بواسطة عقلائهم وفضلائهم ، فيتفقوا مع بني
وطنهم على إعلاء شأن الوطن في ظل الدولة العلية ورعاية المراحم السلطانية ، وما
ذلك على الله بعزيز .
__________

24 جمادى الأولى - 1316هـ
أكتوبر - 1898م

الكاتب : محمد رشيد رضا
__________
ما لا بد منه [*]
قلنا ولا نزال نقول : إن التربية والتعليم هما الركنان اللذان يقوم عليهما بناء
السعادة ، والعاملان الرافعان إلى قنة السيادة ، وهما أمران متلازمان لا يفارق أحدهما
الآخر إلا إذا أمكن وجود العمل من غير علم العامل بما يعمل . التعليم إفادة العلم -
أي علم - والتربية هي القيام بشؤون الصغير حتى يميز ويقدر على العمل ، وإرشاده
إلى وجه الصواب في العمل عند القدرة عليه ، وفهمه ما يلقى إليه ، حتى يتم له
رشده ، ويكمل له عقله ، وهذا لا يحصل إلا بالعلم النافع ، فالعلم هو الينبوع الذي
يستمد منه القائمون بالتربية والتعليم .
العلم كثير والعمر قصير ، فلا يمكن أن يحصل جميع أفراد الأمة جميع
العلوم ولو استغرقوا جميع الأوقات ، وتركوا الأعمال وهي المقصودة بالذات ، فما هي
العلوم والفنون التي لابد منها لجميع الأفراد ، ولا تسع جهالتها واحدًا من الآحاد ؟ .
إن الشريعة الإسلامية قسمت العلوم التي فرضت على الأمة تعلمها إلى قسمين :
واجب عيني وواجب كفائي .
فالأول : ما يطلب من كل فرد من أفراد الأمة ذكرانها وإناثها ، كالفنون الباحثة
عن تصحيح الاعتقاد وتهذيب الأخلاق وتطهير النفوس وكيفية العبادات ، وما هو
الحلال ليُنتقى والحرام ليُتقى .
والثاني : ما يطلب من مجموع الأمة ، لتعلقه بالمصلحة العامة ، فإذا قام به في
كل قطر من الأقطار طائفة يكفون الأمة ما تحتاجه منه سقط الحرج عن الباقين ،
وإلا حرجت الأمة كلها وكانت آثمة ، وإذا أثمت الأمة كلها نزل بها البلاء وحل بها
السخط الذي يقتضيه ذلك الإثم الكبير الذي ضاعت به المصلحة العامة ولكل ذنب
بلاء على قدره ، وذنوب الأمم لا ينالها العفو ولا ترجأ عليها العقوبة كما هو مشاهد
{ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } ( هود : 102 ) .
المصالح العامة ما بها قوام الدين كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلوم
التفسير والحديث والأصول والفقه إلخ ما هو مشهور ، وما بها قوام الدنيا كالزراعة
والصناعة والطب والحساب والهندسة إلخ ما هو معروف ، وقال العلماء : لا يكون
الإنسان كاملاً في علمه حتى يأخذ من كل فن من الفنون المتداولة في عصره طرفًا
يعرف به موضوع الفن وفائدته ، ونسبته لغيره من الفنون ، لكيلا يعادي العلم ويناكر
أهله عن جهل ، ويحكم عليه خطأ ، ثم يصرف همه إلى التوسع في العلم الذي يريد
العمل به والانفراد فيه .
وكأين من علم يكون في عصر من العصور من الكماليات فيصير في عصر
آخر من الضروريات ، كعلم تقويم البلدان ( الجغرافيا ) الذي كان في عهد العباسيين
تقصد به اللذة أكثر مما تقصد به الفائدة ( كعلم الهيئة الفلكية حتى الآن ) وقد أصبح
اليوم من الضروريات التي لابد منها ، سعدت بالتوسع فيه دول ساعدها على
الاستواء على البلاد ، والاستيلاء على العباد ، من غير سيوف تسل ونفوس تسيل ،
وبدون مدافع تسائل وصياصي تجيب ، وشقيت بالتقصير فيه أمم ذهبت بلادها من
أيديها من غير أن تشعر ، وجاس العدو ديارها تحت مواقع أنظارها ولم تبصر ، نعم
يتوقف اليوم على هذا العلم الحرب والجهاد ، وسياسة الممالك والبلاد ، فهو دعامة
الحرب وأساسها ، ومعيار السياسة وقسطاسها ، وكذلك الهندسة والفلسفة الطبيعية
وفنون أخرى .
جرت الأمم القوية في التربية والتعليم على طرق لا مندوحة لنا عن محاكاتها
فيها ومجاراتها عليها كمًّا وكيفًا ، مع اعبتار حالة بلادنا الدينية والاجتماعية ، ومراعاة
مقدرتنا المالية والعلمية ، لأننا نعلم أن عزة تلك الدول وتقدمها على نسبة تقدم التربية
والتعليم فيها . ومن يلاحظ سير الأمم والدول في هذا العصر ويقيسه بمقياسه ، ويزن
تقدمها وتأخرها بميزانه ، يتجلى له بالبرهان الرياضي الصحيح أن ذلك لا بد أن
ينتهي بفناء بعضها وتلاشيه ، وبلوغ بعضها من مراتب الوجود الممكن أقاصيه
وأعاليه ، إلا إذا عثر المُجدّ وكبا الجواد ، أو نهض العاثر من سقطته وجدَّ المتخلف ،
وإذا وقع الأمران معاً فذلك التوفيق القاضي بسعادة فريق لشقاء فريق ، ولا نيأس من
روح الله في إنالة أمتنا من ذلك ما تتنمناه ، شعر بهذا بعض خاصتنا فطفقوا يلهجون
بالتعليم والتعلم ، وسرى هذا الشعور في كثير من العامة ، ولكنه شعور إجمالي لا
يشرح الحقيقة ولا يهدي إلى محجة الصواب .
يذهب كثير ممن يسعون بإنشاء المدارس وتعميم التعليم إلى أن العلم الذي يكفل
السعادة للأمة هو ما يعلم في مدارس الحكومة ، كبعض اللغات الأجنبية والفنون
الرياضية والطبيعية ، والقوانين الأوروبية الذي يؤهلهم للوظائف لأن السواد الأعظم
منا يرى أن الغاية من العلوم والفنون خدمة الحكومة ، بمعنى أن يكون للإنسان وظيفة
فيها تعطيه مالاً يعيش منه وجاهًا يعتز به ، ولا يبالي مع ذلك بأي مجلى ظهر ،
وبأي لون اصطبغ ، ومن ينحو بتعليمه هذا المنحى فهو جاهل ، ومن يرمي بتعليمه
إلى هذا الغرض فهو خاسر ، لأنه غرض خسيس لا يتجاوز المنفعة الشخصية ، ولا
يبالي صاحبه بشقاء الأمة - بل ولا بفنائها - إذا كان وسيلة لمصلحته وطريقًا
لمنفعته ، وأجدر بتعليم هذا شأنه أن يعد من البلاء لا من النعماء ، وأن يرغب عنه ولا
يرغب فيه ، وأن يسعى في إزالته لا في إنالته . والغاية الصحيحة التي نقصدها
نحن وجميع العقلاء من التربية والتعليم هي التي شرحناها في مقالة ( إلى أي
تربية وتعليم نحن أحوج ) من العدد السادس عشر ، أعني ما يجعلنا أمة عزيزة
سعيدة ، يحافظ كل فرد منها على جامعته الجنسية والدينية والوطنية ، ويشرب في
قلبه أن ما أصاب أمته من حسنة فنعمتها شاملة له ، وما أصابها من سيئة فمعرتها
لاحقة به .
ولقد قال أستاذنا الأكبر العلامة الشيخ محمد عبده كلمة بليغة في العلم الذي نحن
أحوج إليه لإسعادنا وهي : (العلم ما يعرفك من أنت ممن معك) وإنها لكلمة حكيمة لمن
وعاها وما يعقلها إلا العالمون .
وإننا نذكر في هذه المقالة ( ما لا بد منه) من الفنون لكل فرد من أفراد الأمة
بحسب ما تقتضيه حالة العصر فنقول :
( 1 ) علم أصول الدين ، أعني علم ما هي القضايا الأساسية للدين وما أدلتها
وما وجه الحاجة إليه ، وماذا كان من أثره وفائدته في العالم ، لا البحث في غوامض
علم الكلام ، كالوجود ، هل هو عين الموجود أو غيره ، والصفات هل هي عين
الذات أو غيرها أو لا عينها ولا غيرها ، ولا ما ألحق به توسعًا في البحث وانطلاقاً
مع الخواطر والأفكار وليس منه ، كقول بعضهم إن خوارق العادات تصدر من جميع
أصناف الناس مؤمنهم وكافرهم ، صالحهم وفاسقهم ، وإنما تترك أمثال هذه المباحث
للذين يحبون الانفراد بالتوسع في الفن ومعرفة كل ما قيل فيه ، ولا فائدة منها
للجماهير إلا تهويش الأذهان ، وربما أضرت بالعقول والأديان .
( 2 ) علم تهذيب الأخلاق وإصلاح العادات ، فهو العون على التربية
الصحيحة ، ويحتاج في كماله إلى الفلسفة العقلية وعلم النفس .
( 3 ) علم فقه الحلال والحرام والعبادات ( ويسميه الأتراك علم حال ) وإنما
فقهها أن تعرف على الوجه الذي تحصل به فائدتها للعامل بها ، كأن تنهى
الصلاة عن الفحشاء والمنكر لما تعطيه من مراقبة الله تعالى وخشيته ، ويكف الصوم
عن الشهوات ويبعث على الشفقة ، وتمنع الحيلة في الزكاة وتعطى عن طيب نفس
مع معرفة فائدتها في إصلاح حال الهيئة الاجتماعية والقيام بحقوق الإنسانية ،
ويلاحظ في الحج فائدة المساواة بين الناس حيث يقفون في صعيد واحد بهيئة واحدة
لا زينة معها ولا طيب ، ولا فرق فيها بين ملك ومملوك ، وعظيم وصعلوك
] سواء العاكف فيه والباد [ .
وفائدة التعارف بين المسلمين والإخاء حيث يجتمع في تلك الأماكن المقدسة
العربي والتركي والفارسي والهندي والصيني إلخ ، ويتآخون في الله تعالى . وإني
رأيت المسلمين لا يزالون يلاحظون معنى الإخاء في الحج ويسمون من يتعرفون به
هنالك أخًا ونعما هي .
وفائدة تمثلهم بهيئة الأموات الخارجين من الدنيا ومعاهدة الله تعالى على التوبة
والإنابة والبر والتقوى ، وفائدة الخضوع والامتثال لأمر الله تعالى ولو فيما لا
يعقلون له معنى ولا يعرفون له فائدة ، كرمي الجمار وتقبيل الحجر الذي لا ينفع ولا
يضر كما قال عمر رضي الله تعالى عنه .
( 4 ) علم الاجتماع وأحوال البشر في بداوتهم وحضارتهم ومِلَلهم ونِحَلهم
وعاداتهم وسائر شؤونهم .
( 5 ) علم تقويم البلدان ( الجغرافيا ) وقد مر بك الإيماء إلى فائدته وعظيم
شأنه .
( 6 ) علم التاريخ وينبغي أن يتوسع كل أحد في معرفة تاريخ أمته وملته
وبلاده ، وأن يأخذ طرفًا من التاريخ العام . والتاريخ - ولا أزيدك به علمًا - هو
مادة السياسة وممد العقل ومغذيه ، والمفيض على الأرواح حب الجنس والوطن ،
والهادي النفوس إلى مصالح بلادها والمحافظة على استقلالها .
( 7 ) علم الاقتصاد الذي يبحث عن إنماء الثروة وحفظها ، وهو من أركان
المدنية الحاضرة ، وما أضر بهذه البلاد ( المصرية ) إلا البعد عن العلم والعمل
بالاقتصاد ، ولما كان هذا العلم من مقومات الأمم والدول سمي ( علم الاقتصاد
السياسي ) .
( 8 ) علم تدبير المنزل وينبغي أن تتوسع البنات في هذا العلم ؛ لأنه
وظيفتهن ، والعمل به منوط بهن ، وجهلهن به داعي الخلل في المعيشة ، ومن لم
تكن أمور منزله منتظمة فلا عيش له وإن ملك الدنيا بحذافيرها .
( 9 ) علم الحساب ولابد من معرفة القدر اللازم منه للبنين والبنات ،
ويتوسع فيه الذكور ؛ لأن الأعمال المالية الكبرى إنما تناط بالرجال .
( 10 ) علم حفظ الصحة (الهيجين) وهذا من أهم المهمات لتربية الأولاد
وهناء العيش ، فكم أسقم الجهل به صحيحاً وأمات مريضاً ، وكم فتك بالأطفال فتك
الأوبئة والأدواء ، ومن نظر الإحصاءات الصحية في البلاد المتمدنة يعلم فائدة
انتشار العلوم الطبية في الصحة العمومية .
( 11 ) علم لغة البلاد ، ترى الإفرنج الذين يفتخر كبراؤنا ومدعو التمدن فينا
بتقليدهم عن جهالة وعماية ، يفتخرون بلغاتهم ، ويدأبون على خدمتها ، ويسعون في
تعميمها ، وقد جعلوها مناط الجنسية ، فهلا قلدوهم في ذلك عوضًا من تقليدهم في
تعلم لغتهم ؟! للغتنا العربية علينا من الحق ما للغة الإنكيزية على الإنكليز ،
والفرنساوية على الفرنساويين ، ولها حق آخر علينا هو أقدس من سائر الحقوق ،
يوجب علينا إحياءها حتمًا وهو حق الدين الذي لا يمكن حفظه إلا بها ، وهو ركن
سعادتنا الدنيوية والأخروية ، لست أعني بتعلم اللغة الذي جعلته مما لابد منه لكل
فرد من أفراد الأمة حفظ متونها ومعاجمها ، ومدارسة كتبها الأزهرية بحواشيها
وتقاريرها ، فإن ذلك ربما يمضي العمر على مُتوخّيه بغير ثمرة ولا فائدة ، وإنما
أعني أن يدرس التلامذة جميع ما يتعلمونه بلغة عربية فصيحة ، وأن يتدارسوا الكلام
العربي البليغ منظوماً ومنثوراً مع التفهم لمعانيه ، وملاحظة أساليبه ومناحيه ،
لتنطبع في نفوسهم ملكة صحيحة يقتدرون بها على الإتيان بمثل ذلك الكلام بسهولة ،
ويضاف إلى هذا تلقينهم كتبًا مختصرة سهلة في النحو والصرف والمعاني والبيان
بالطريقة المفيدة ، وكل هذا يمكن تحصيله في مدة وجيزة إذا كانت الكتب سهلة
والمعلم حاذقًا حكيمًا ، فإن قيل : وأَنَّى يوجد هذا وذاك ؟ أقول : متى وجد الطالب
يوجد المطلوب :
( 12 ) فن الخط ولا تخفى فائدته على أحد .
يؤخذ من هذه الفنون القدر اللازم ، ولا بد مع تعلمها من الوقوف على
مواضيع العلوم المتداولة في العالم وفوائدها وبعض مسائلها في الجملة ، كما ألمعنا
إلى ذلك آنفًا ؛ ليكون كل فرد على بصيرة من حالة عصره ؛ ولأن العلوم والفنون
يتداخل بعضها ببعض ويمد بعضها بعضًا . وما وراء الذي شرحناه كالعلوم والفنون
التي عليها مدار ترقي الصناعة والزراعة والتجارة ، فيجب أن ينفرد لها طوائف من
الأمة ، وحيث كان التوسع فيها يتوقف على الاستعانة بكتب الإفرنج الذين أتقنوها
وجنوا ثمارها ، فينبغي أن يتعلم بعض لغات أولئك الأقوام طائفة منا لأجل ترجمة
الكتب المفيدة في تلك العلوم .
هذا ما عن لنا في هذا المقام ، كتبناه على طريق الإجمال ، فإذا سار عليه
القائمون بتشييد المدارس نرجو أن يكون سعيهم مؤديًا لسعادة الأمة والوطن ، وإلا
كان إغواء وإضلالاً ووبالاً ونكالاً ، فقد جربنا التعليم بغير الصيغة الدينية ، فما زادنا
إلا بلية ورزية ، ونرجو ممن رأى في كلامنا هذا منتقدًا أن ينبهنا إليه ، وربما نعود
إلى الموضوع في فرصة أخرى ، والله الموفق .
__________
(*) فاتحة العدد الثلاثين الصادر في 24 جمادى الأولى 1316 .

الكاتب : محمد رشيد رضا
__________
رسالة الحاسد والمحسود
( للجاحظ )
منقولة عن نسخة بخط علي بن هلال الكاتب الشهير

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده ، وهب الله لك السلامة ، وأدام لك الكرامة ، ورزقك الاستقامة،
ودفع عنك الندامة .
كتبت إلي - أكرمك الله - تسألني عن الحسد ، ما هو ومن أين هو ، وما
دلائله وأفعاله ، وكيف تفرقت أموره وأحواله ، وبم يعرف ظاهره ومكتومه ، ولم صار
في العلماء أكثر منه في الجهلاء ، ولم كثر في الأقرباء ، وقل منه في البعداء ، وكيف
دب في الصالحين أكثر منه في الفاسقين ، وكيف خص به الجيران من جميع
الأوطان ؟
الحسد - أبقاك الله - داء ينهك الجسد ، ويفسد الأود ، علاجه عسر ، وصاحبه
ضجر ، وهو باب غامض وأمر متعذر ، فما ظهر منه فلا يداوى ، وما بطن منه
فمداويه في عناء ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم ( دب إليكم داء الأمم من
قبلكم : الحسد والبغضاء ) .
وقال بعض الناس لجلسائه : أي الناس أقل غفلة ؟ فقال بعضهم : صاحب ليل
إنما همه أن يصبح ، فقال : إنه لكذا وليس كذاك ، وقال بعضهم : المسافر ، إنما
همه أن يقطع سفره ، فقال : إنه لكذا وليس كذاك ، فقالوا له : فأخبرنا بأقل الناس
غفلة ، فقال : الحاسد ، إنما همه أن ينزع الله منك النعمة التي أعطاكها فلا يغفل أبداً.
وروي عن الحسن أنه قال : الحسد أسرع في الدين من النار في الحطب
اليابس ، ما أتي المحسود من حاسد إلا من قبل فضل الله إليه ونعمته عليه ، قال الله
تبارك وتعالى { أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ
الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً } ( النساء : 54 ) .
والحسد عقيد الكفر وحليف الباطل ، وضد الحق وحرب البيان ، وقد ذم الله
أهل الكتاب فقال : { وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً
حَسَدًّا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ } ( البقرة : 109 ) فمنه تتولد
العداوة ، وهو سبب كل قطيعة ، ومنتج كل وحشة ، ومفرق كل جماعة ، وقاطع كل
رحم بين الأقرباء ، ومحدث التفرق بين القرناء ، وملقح الشر بين الخلطاء ، يكمن في
الصدور كمون النار في الحجر ، ولو لم يدخل - رحمك الله - على الحاسد بعد
تراكم الهموم على قلبه واستمكان الحزن في جوفه ، وكثرة مضضه ووسواس
ضميره ، وتنغيص عمره وكدر نفسه ، ونكد لذاذة معاشه ، إلا استصغاره لنعمة الله
عنده ، وسخطه على سيده بما أفاد الله عبده ، وتمنيه عليه أن يرجع في هبته إياه ،
وأن لا يرزق أحدًا سواه - لكان عند ذوي العقول مرحومًا ، وكان عندهم في القياس
مظلومًا ، قال بعض الأعراب : ما رأيت ظالمًا أشبه بمظلوم من الحاسد : نَفَس داثر ،
وقلب هائم ، وحزن لازم ، والحاسد مخذول ومأزور ، والمحسود محبوب ومنصور ،
والحاسد مهموم ومهجور ، والمحسود مغشى ومزور .
والحسد - رحمك الله - أول خطيئة ظهرت في السموات ، وأول معصية
حدثت في الأرض ، خص به أفضل الملائكة فعصى ربه ، وقايسه بخلقه واستكبر
عليه ، وقال { خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ } ( الأعراف : 12 ) فلعنه وجعله
إبليس ، وأنزله من جواره ، وشوه خلقه تشويهًا ، فموه على أنبيائه تمويهًا . نسي
عزم ربه فواقع الخطيئة ، فارتدع المحسود فتاب عليه وهدى ، ومضى الحاسد
اللعين على حسده فشقي وغوى ، وأما في الأرض فابْنا آدم حيث قتل أحدهما أخاه ،
فعصى ربه وأثكل أباه ، وبالحسد طوعت له نفسه قتل أخيه فقتله ، فأصبح من
الخاسرين ، لقد حمله الحسد على غاية القسوة ، وبلغ به أقصى حدود العقوق ، وإذ
ألقى عليه الحجر شادخًا ، فأصبح عليه نادمًا صارخًا ، فمن شأن الحاسد إن كان
المحسود غنيًّا توبيخه على المال ، وقال : جمعه حرامًا ، ومتعه أثامًا ، وألب عليه
محاويج أقاربه وتركهم له خصماء ، وأعانهم في الباطل ، وحمل المحسود على
قطيعتهم في الظاهر ، وقال له : كفروا معروفك ، وأظهروا في الناس ذمك ، فليس
أمثالهم يوصلون ، فإنهم لا يشكرون .
وإن وجد له خصماً أعانه عليه ظلمًا ، فإن كان ممن يعاشره فاستشاره : غشه ،
أو تفضل عليه بمعروف : كفره ، أو دعاه إلى نصره : خذله ، أو حضر مدحه : ذمه ،
وإن سئل عنه : همزه ، أو كانت عنده شهادة : كتمها ، وإن كانت منه إليه زلة :
عظمها ، يحب أن يعاد ولا يعود ، ويرى عليه العقود . وإن كان المحسود عالمًا قال :
مبتدع ، ولرأيه متبع ، حاطب ليل ، ومتبع نيل ، ما يدري ما حمل ، قد ترك العمل ،
وأقبل على الحيل ، قد أقبل بوجوه الناس إليه ، وما أحمقهم إذا مالوا عليه ، فقبحه الله
من عالم ما أعظم بليته ، وأقل رعيته ، وأسوأ طعمته ، وإن كان المحسود ذا دين
قال : متصنع يغزو ليوصى إليه ، ويحج ليثنى عليه ، ويقرأ في المسجد ليزوجه جاره
ابنته ، ويحضر الجنائز لتعرف شهرته ، وما لقيت حاسداً قط إلا تبين لك مكتومه
بتغيير لونه ، وتخويص عينه ، وإخفاء سلامه ، والإعراض عنك ، والإقبال على
غيرك ، والاستثقال لحديثك والخلاف لرأيك ، ولذلك قال القائل :
طال على الحاسد أحزانه ... فاصفر من كثرة أحزانه
دعه فقد أشعلت في جوفه ... ما هاج منه حر نيرانه
الغيب أشهى عنده لذة ... من لذة المال لخزانه
فارم على غاربه حبله ... تسلم من كثرة بهتانه
وكان عبد الله بن أبي قبل نفاقه نسيجًا وحده بجودة رأيه وبعد همته ، ونبل
شيمته ، وانقياد العشيرة له بالسيادة والسعادة ، وإذعانهم له بالرياسة ، وما استوجب
ذلك إلا بعد ما استجمع له لبه ، وتبين لهم عقله ، وافتقدوا منه جهله ، ورأوه لذلك
أهلاً لما أطاق له حملاً ، فلما بعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم ، قدم المدينة
ورأى عز رسول الله صلى الله عليه وسلم ، شمخ بأنفه فحسده ، فهدم إسلامه وأظهر
نفاقه ، وما صار منافقًا حتى صار حسوداً ، فحمق بعد اللب ، وجهل بعد العقل ،
وتبوأ النار بعد الجنة .
ولقد خطب النبي - صلى وعليه وسلم وآله وسلم - بالمدينة فشكاه إلى الأنصار
فقالوا : يا رسول لله ، لا تلمه ؛ فقد كنا عقدنا له الخرز قبل قدومك لنُتوِّجه . ولو
سلم المخذول من الحسد لكان من الإسلام بمكان ، ومن السؤدد في ارتفاع ، فوضعه
الله بحسده وإظهار نفاقه . ولما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( لا حسد إلا في
اثنتين : رجل آتاه الله مالاً فهو ينفق منه ، ورجل آتاه الله قرآنًا فهو يقوم به في آناء
الليل والنهار ) كان ما سواهما مذمومًا ، وصاحبه عليه مقليًّا ، وربما نتج الحسد
الكبر فيبلغ صاحبه في المقت غايته ، وفي البغض من جميع الخلق نهايته ، فلا يمر
بملأ إلا مضغوه ، ولا يذكر في مجلس إلا سبوه ، وأشهد أنه في ملكوت السماء أشد
مقتًا ، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( أنتم شهداء الله في الأرض ، فما
رآه المسلمون حسنًا كان عند الله حسنًا ، وما رآه المسلمون قبيحًا سيئًا فهو عند الله سيئ ) .
وقال بعضهم : إني أشتري اللحم فأخفيه من جيراني مخافة أن يحسدوني .
وذلك أن الجيران - رحمك الله - طلائع عليك ، وعيونهم نواظر إليك ، فعسى كنت
بينهم معدمًا فأيسرت فبذلت وأعطيت ، وكسوت وأطعمت ، وكانوا في مثل حالك
فاتضعوا ، فسلبوا النعمة وألبستها أنت ، فعظمت عليهم بلية الحسد ، وصاروا منه
في تنغيص آخر الآبد .
لولا أن المحسود بنصر الله إياه مستور ، وبصنعه محجوب ، لم يأت عليه يوم
إلا كان مقهوراً ، ولا بات ليلة إلا كان عن منافعه مقصوراً ، ولم يمس إلا وماله
مسلوب ، ودمه مسفوك ، وعرضه بالضرب منهوك .
وقال مالك بن دينار : ( تقبل شهادة القراء في كل شيء إلا بعضهم في بعض ؛
فإني وجدتهم أشد تحاسدًا من التيوس تشد النعجة ، فيهب عليها هذا التيس مرة
وهذا التيس مرة ) .
وضرر المحسود إلى صديقه أكثر منه إلى عدوه ، وإلى خليطه أظهر منه إلى
مفارقه ، وإلى قريبه أسرع منه إلى بعيده ، وذكر حميد الطويل أنه سأل الحسن
البصري فقال : يا أبا سعيد هل يحسد المؤمن ؟ فقال : أنسيت - لا أبا لك - إخوة
يوسف ؟ ! المؤمن يحسد ، ولكن ما لم يظهر بلسانه ويده .
وأقول : ما خالط الحسد قلبًا إلا لم يمكنه ضبطه ، ولا قدر على تشحينه
وكتمانه ، حتى يتمرد عليه في ظهوره وإعلانه ، فيستعبده ويستعمله ويستنطقه
لقهوره عليه ، ولهو أغلب على صاحبه من السيد على عبده ، ومن السلطان على
رعيته ، ومن الرجل على زوجته ، ومن الآسر على أسيره . وكان ابن الزبير
بالصبر موصوفًا ، وبالدهاء معروفًا ، وبالعقل موسومًا ، وبالمداراة متهومًا ، فأظهر
بلسانه حسدًا كان أضب عليه لما طال في قلبه طائله ، حتى ظهر عليه مع صبره
على المكاره ، وحمله نفسه على حتفها ، وقلة اكثراثه والتفاته على أحجار المجانيق
التي تمر عليه فتذهب بطائفة من قومه ما يلتفت إليها .
حُدثنا عن علي بن مسهر عن الأعمش عن صالح بن حباب عن سعيد بن
جبير أنه قال : قدت ابن عباس حتى أدخلته على ابن الزبير ، فقال له ابن الزبير :
أنت الذي تؤنبني ؟ قال : نعم ؛ لأني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
يقول : ( ليس بمؤمن من بات شبعان وجاره طاو ) فقال له ابن الزبير : قلت ذاك ،
وأتبعه بقول يدل على حسد كان ابن عباس من شره معصومًا ، وكان ذاك بما في قلبه
لبني هاشم مهزومًا ، وكانت وخزة ثقيلة فلم يبدها له ، وفروع بني هاشم حول الحرم
باسقة ، وعروق دوحاتهم بين أطباقها راسية ، ومجالس بني هاشم من أعاليها غامرة ،
وبحورها بأرزاق العباد زاخرة ، وأنجمها بالهدى زاهرة ، فلما تجلت البطحاء من
صناديدها استقبله بما أمكن في نفسه ، والحاسد لا يغفل عن فرصته ، إلى أن يأتي
الموت على رمته ، وما استقبل ابن عباس ذلك إلا لما رأى عمر يقدمه على أهل
القدم ، ونظر إليه وقد أطاف به الحرم ، فأوسعهم حكماً ، وتعقبوا منه رأيًا وفهمًا ،
وأشبعهم علمًا ولحمًا ، ويروى عن ابن سيرين أنه قال : ما رأيت أكثر علمًا ولحمًا من
منزل ابن عباس .
وأما أنا فحقًّا أقول : لو ملكت عقوبة الحاسد لم أعاقبه بأكثر مما عاقبه الله
بإلزامه الهموم قلبه وتسليطها عليه ، فزاده الله حسدًا ، وأقامه عليه أبدًا .
(لها بقية)
((يتبع بمقال تالٍ))
__________

الكاتب : محمد رشيد رضا
__________
مقتطفات من الجرائد
( دماغ الرجل ودماغ المرأة )
يبدأ دماغ المرأة بالتقهقر في سن الثلاثين ، أما الرجل ففي الأربعين .

( الدخان لقياس رطوبة الهواء )
إذا أشعلت سيكارتك ورأيت دخانها يصعد مسرعًا فاعلم أن الهواء رطب ، وإذا
رأيته يهبط أو يبقى سابحًا فالهواء جاف ، وتعليل ذلك واضح لما تعلمه من ثقل
الهواء إذا كان رطبًا ، فإذا سبح الدخان فيه كان أخف منه فيتصاعد ، والعكس
بالعكس .
( نمو الأطفال )
معظم نمو الأطفال إنما يكون أثناء النوم .

( نفقات السلطان )
يقدرون نفقات جلالة السلطان بألف جنيه في اليوم .

( إمبراطور الصين )
تعلم اللغة الإنكليزية عن يد بعض المرسلين الأميركان حتى أتقنها جيداً .
( طوابع البريد )
يبلغ عدد هذه الطوابع في كل العالم نحو 13000 نوع .
( حياة التاجر والزارع )
يؤخذ من الإحصاءات الصحية أن معدل حياة التاجر نحو ثلثي حياة الزارع .
( العمل الجسدي والعملي العقلي )
يفقد الجسم من القوة في العمل العقلي ربع ما يفقده في العمل العضلي على
الأقل .
( طول الحياة والنوم )
وجد بالاستقراء أن أكثر الذين يعمرون طويلاً ينامون باكراً ، ولا غرو فإننا
نرى من أول العوامل في تقصير مدة الحياة في مصر السهر .
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... (الهلال )
***
( تقسيم إفريقيا ومساحتها )
قسمت بعض الجرائد القارة الأفريقية بين الدول ، فكان لإنكلترا خمسة ملايين
و800 ألف كيلو متر مربع ، ولفرنسا تسعة ملايين و600 ألف ، ولبلجيكا
مليونان و300 ألف ، ولألمانيا مليونان ، و للبورتغال مليونان و250 ألفاً ، ولمصر
مليون فقط ، وللدولة العلية مثلها ، و لأسبانيا 610 آلاف ، ولإيطاليا 675
ألفًا ، وللولايات المستقلة مليونان ، والغير مأهولة ميلونان و478 ألفًا ، فتكون
مساحة إفريقيا كلها 30 مليون كيلو متر مربع .
أما الولايات المستقلة في إفريقيا فهي مراكش ومساحتها 620 ألف كيلو متر ،
والحبشة ومساحتها 250 ألفًا والترنسفال 335 ألفا ، وجمهورية أورانج 130 ألفاً.
والذي يظهر مما تقدم أن لإنكلترا وفرنسا أكثر إفريقيا ، ولكن حظ فرنسا من
أملاكها أقل من حظ إنكلترا ؛ لأن في جملة ما تمتلكه صحراء إفريقيا العظيمة ، وهي
لا تنفع شيئاً ، وأما الحظ الحقيقي فهو حظ مصر ؛ لأن المليون كيلو متر التي
تمتلكها تسوى إفريقيا كلها .
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... (السلام) ... ... ...
***
( اليمن )
من أخبار صنعاء اليمن ( الرسمية ) : أن الحكومة قررت بناء ميناء أمين تسع
ست بواخر ومائة سفينة شراعية ، وذلك لأن الريح الجنوبية التي هبت في هذا العام
قد خربت ميناءها ، ولأن هذه الفرضة من أهم الفرضات ، تبلغ قيمة الصادر
والوارد منها نحو مليوني ليرة سنويًّا ، وقد استؤذن الباب العالى بذلك . وفي النية
إصلاح فرضة ( مخا ) من أعمال تعز التي أصبحت مأوى لمئات من الصيادين بعد
أن نزح سكانها وتجارها منها لضيق ذات اليد فيها وتقهقرها في العمران منذ خمسين
أو ستين سنة ، على أنها من القابلية لأنواع الترقي بمكان .
أخذ بإنشاء المخافر التي ذكرنا فيما سلف صدور الأمر الكريم بتشييدها بين
الحديدة وصنعاء .
وصل الحديدة السفينة ( ريودريا) السلطانية وهي إحدى السفن التي أصدر
الباب العإلى أمره بأن تحافظ على الثغور اليمانية منعًا لتهريب الأسلحة ، وكبحًا
لجماح الذين اعتادوا تهريبها .
أنفذ حضرة ملاذ الولاية اليمانية رقيمًا إلى ملحقات الولاية قال فيه :
إنه قد استبان من التحقيقات المهمة أن جباية الأعشار وزكاة الأغنام والخراج
في الولاية هو على أصول غير مطردة مما حصل عنه غدر وخسارة للخزينة
والأهلين ، وبقيت أكثر واردات الدولة المشروعة في زوايا البقايا ، فلهذا تقرر وضع
تعليمات لجباية الخراج ، وهي تقسيم المبالغ المقيدة صفقة واحدة باسم العزلة بين
أهالى القرى المؤلفة منها تلك العزلة بنسبة نفوسهم وثروتهم ، وتقيد حصة كل قرية
على حدتها في قلم المال وبعد إعطاء مضبطة لكل قرية بما عليها توزع تلك الحصة
في القرية على المكلفين ، ثم تحصل منهم بمعرفة المختارين المنتخبين ، أي العقال .
أما جباية الأعشار فهي قريبة من ذلك ، أي أن المبالغ والحبوب التي تجبى
بدلاً وعينًا ، والتي تقيد مرة واحدة باعتبار العزلة والمخلاف التي توزع على القرى ،
وبعد تفريق حصة كل قرية منها ، تحتال كل قرية على حدتها أو تدار أمانة على
حساب الحكومة .
أما الأغنام فتعد بموجب تعليماتها اعتباراً من أول آذار ( مارس) .
ذلك ما نرجو أن يكون من ورائه حفظ أموال الخزينة وصيانة الأهلين من سوء
المعاملة والمغدورية .
... ... ... ... ... ... ... ... ... (ثمرات الفنون) ... ... ... ...
( المنار )
نسأله تعالى أن يحسن على ولايتنا البيروتية بوالٍ مثل والي اليمن عطوفتلو
حسين حلمي بك أفندي الموصوف بالديانة والعفة والاستقامة ، ونرجو مثل ذلك
لجميع ولايات السلطنة السنية .
***
( التنازع على السودان )
تؤكد بعض الجرائد أن الأحباش كانوا محتلين ل سوبات ثم غادروها وعسكروا
على مسافة 400 كليو متر منها ، وأن الرأس ولد جورجيوس هو القائد لهم ، وأنهم
نحو 80 ألفًا من المدربين ، وأن السردار لما سار من فشودة إلى سوبات علم بذلك ،
ولكنه رفع العلم المصري عليها بالاحتفال المعتاد ، ويقال : إنه أرسل الرسل إلى
صاحب الحبشة ، ويظن أنه يحمله فيها على المصافاة مع الحكومة الخديوية .
ويظنون أن هنتر باشا الذي سار في النيل الأزرق وانتهى إلى سنار ورفع
عليها العلم المصري ، وجد الأحبوش قد سبقوه فرفعوا عليها العلم الحبشي .
ويؤكدون أيضًا أن الرأس منغاشيا معسكر بستين ألف مقاتل في فازوغلي . وهذه
خير بلاد السودان المصري .
ويقولون : إن مرشان بنى في فشودة ثلاث قلاع ، وأن عنده خمسة قوارب
مدرعة ، وأنه عقد مع شيخ قبيلة الشلوك عهدًا لم ينكثه الشيخ ، ولذلك أبى مقابلة
رجال السردار الذين ألحوا بطلب مقابلته في فشودة .
إذا صح هذا وصح ما قيل : إن بين الأحبوش والفرنساويين معاضدة ومساعدة ،
ولولا ذلك لما نجح مرشان في حملته ، فالأمر جلل ومسائل السودان معضلة ، والله
أعلم بمصير الأمور .
***
كتب والي كريت إلى الأميرالية : أن الحكومة استردت من المسلمين جميع
الأسلحة في شهر أبريل سنة 1897 ، فلا معنى لمطالبتهم الآن بغيرها ، وبلغ جواد
باشا حاكم قنديا أهلها المسلمين بأن الجنود العثمانية لا تخرج من كريت إجابة لطلب
الدول .
__________