__________

16 جمادى الآخرة - 1316هـ
نوفمبر - 1898م

الكاتب : محمد رشيد رضا
__________
] رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ [ [*]
( الخلافة والخلفاء )
( 1 )
ليس من غرضنا في الكلام على الخلافة بيان شروطها وانطباقها على القائم في
مقام الخلافة لهذا العهد أو عدم انطباقها ، فإن هذه المباحث إنما يأتيها أرباب
الأغراض الدنيوية ، بل الأمراض الروحية ، الذين يثيرون رواكد الأوهام
ويسيرون في دياجير الظلام ، ونقول قبل الدخول في البحث : إن كل من يحاول
إشراب الأفهام وجوب نزع الإمامة من بني عثمان فهو عامل على الإجهاز على
السلطة الإسلامية ومحوها من لوح الوجود ، وما لهؤلاء النوكى من تكأة يتكئون
عليها إلا قولهم : ( الخلافة في قريش ) وغفلوا أو أغفلوا الشروط المهمة التي لا
توجد اليوم في قرشيّ : كالعدالة على شروطها الجامعة ، والعلم المؤدي إلى الاجتهاد
في النوازل والأحكام ، والرأي الصحيح المفضي إلى سياسة الرعية وتدبير المصالح
وجمع الكلمة . وكل الذين توسوس لهم أمانيهم بالخلافة وتطريهم جرائدهم
باستحقاقهم لها عراة من هذه الصفات التي هي أركان بناء الخلافة . وما جعل النبي
صلى الله عليه وسلم الخلافة في قريش إلا لما كان لهم من المكانة في النفوس التي
من أثرها اجتماع القلوب عليهم ، والإذعان لسلطانهم عن رضا واختيار ، وقد نال
هذا المعنى آل عثمان ، فحصل المقصود الشرعي به .
إنما نتوخى في هذه المقالة الإلماع إلى أهم وظائف الإمامة ، وكيف خرجوا بها
عن حدّها حتى صارت مثار النزاع والشقاق ، بعد أن كانت معقد الاعتصام والاتفاق
فضلت الأمة بذلك عن رشادها ، وفتنت في دينها ، ووقعت في نيران الاختلال ،
وأصليت جحيم فقد الاستقلال ، وحق لأفرادها أن يقولوا : { رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا
وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلاَ } ( الأحزاب : 67 ) وهذا عين النصيحة لله ولرسوله
ولأئمة المسلمين وعامتهم التي أمرنا بها في الحديث الصحيح .
الإمامة الكبرى هي خلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا ، فهي
جامعة لما يسمونه السلطة الروحية والسلطة الزمنية معًا . وقد بينا في العدد
الثاني والعشرين من جريدتنا أن نظام الاجتماع البشري لا يتم بدون هاتين السلطتين ،
بل لا تتكون الأمم والشعوب إلا بإحداهما أو كلتيهما ، واجتماعهما في رئيس واحد
أعظم مبدأ للوحدة القومية الكاملة ، وبينا أن تفويض أمر السلطتين للقائمين عليهما
بحيث تكون إرادتهم شريعة ومشيئتهم قانونًا لا رادّ لأمرهم ولا معقب لحكمهم -
تغرير بالأمم ، ويؤدي غالبًا إلى تطويحها في مهاوي العدم ، وإن سعادة البشر موقوفة
على تحديد القوانين والشرائع الروحية والزمنية ، وجعل الناس فيها شرَعًا لا مزية
لرئيس على مرءوس إلا بما يمتاز به المرءوسون بعضهم على بعض ، ولا طاعة
لأحد على أحد فيما وراء الشريعة والقانون ، وإن الديانة الإسلامية هي التي
حددت الشريعتين ، وقيدت السلطتين ، وألمعنا هناك إلى بعض سيرة الصحابة مع
النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في ذلك ، فليرجع إلى العدد المذكور
من شاء .
بهذا فتح للنوع الإنساني باب كان مغلقًا عند كل الأمم والشعوب المتمدنة ، وهو
ما يسمونه المبدأ الديمقراطي الذي يظهر به استعداد الأفراد ، وتتجلى به قوى
الشعوب ، ويرقى به أوج السيادة ، وتنال به غاي السعادة . فتح هذا الباب
بمصراعيه فدخل الناس منه إلى مدنية جديدة ، ما عتّم الداخلون فيها أن صاروا بعد
شدة العداء إخوانًا ، وبعد الأثرة والتعدي والطمع يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم
خصاصة ، وبعد المحاباة متساوين في الحقوق ، لا فرق فيها بين أعظم عظمائهم
وبين أخس مخالفيهم في دينهم وجنسهم ، وما كان لملك من ملوكهم أن ينال امتيازًا
في الحق على صعلوك من صعاليكهم ، ومن شواهد ذلك أن إمامهم عمر بن الخطاب
عليه الرضوان أبى إلا أن يقتص من جبلة بن الأيهم ملك بني غسان حين لطم
أعرابيًّا مجهولاً ، ففر جبلة من هذه المساواة حيث لم يكن وقر الإسلام في صدره ،
ولجأ إلى النصرانية .
وصاروا بعد العبودية للأوهام والخضوع للأصنام أحرارًا ، لا يخضعون لغير
الحق ، ولا يداجون أحدًا في الحق ، فمحيت بذلك السلطة المقدسة والطاعة العمياء ،
ومحق التمرد والاستبداد ، وترفعت النفوس عن الدنايا والخسائس وتوجهت إلى معالي
الأمور .
حسبك دليلاً على تقيد سلطة الخلافة في الإسلام مع الشورى قول عمر -
وكفى باسم عمر مدحًا الذي سارت به الركبان وصار مثلاً عند جميع الأمم - : ( مَن
رأى منكم فيّ عوجًا فليقوِّمْه ، قاله على المِنبر ، فقال رجل : لو رأينا فيك عوجًا
لقومناه بسيوفنا ، فقال : الحمد لله الذي جعل في المسلمين مَن يقوم عوج عمر بسيفه).
يظن قوم أن هذا القول جاء به عمر من نفسه ، والحق أنه نطق بالشريعة التي
قلبت طبيعته من أسوأ الأحوال إلى أحسنها ، وقول عثمان في خطبته التي خطبها
في الناس - يوم جاء أهل الأمصار ينتصفون إليه في شأن بني أمية - : ( يا أهل
الأمصار قد جئتم من البلاد البعيدة تطالبونني بأمور لم أكن أنا الذي ارتكبتها وحدي -
إلى أن قال - وأنا في رهط أهل عيلة وقلة معاش ، فبسطت يدي في شيء من
ذلك لما أقوم به فيه ، فإن رأيتم ذلك خطأ فردوه ؛ فأمري لأمركم تبع ) . فتأمل قوله:
( فأمري لأمركم تبع ) .
ولقد كان الأمراء وقواد الجيوش من الصحابة يُسألون من الروم وغيرهم عن
الإمارة ، يقال لأحدهم : هل أنت أمير هؤلاء القوم ؟ وإنما يسألونه لأنه مساوٍ لقومه،
لم يتميز عنهم في شارته وزيه فيقول : هكذا يقولون ما دمت على طاعة الله
تعالى ، فإذا خالفت وعصيت فلا طاعة لي عليهم ، أو لا إمارة لي عليهم . ومثل هذه
الشواهد في كلامهم كثيرة جدًّا ، وحسبك من القلادة ما أحاط بالجيد .
لولا أن المسلمين كافة كانوا يعلمون أن الإمام مقيد بالشريعة التي توجب عليه
تحري مصلحة الأمة في كل عمل يعمله لها ، وأنه مؤاخَذ على كل خطأ ، لما وفد
أهل الأقطار على المدينة المنورة يناقشون عثمان - عليه الرضوان - الحساب
على ظلم عماله الأمويين ، وتألبوا على خلعه أو قتله ثم قتلوه - ظلمًا - بغير محاكمة
شرعية ، فأهين بهذا التطرف في الحرية والغلو في الافتئات مقام الخلافة الذي كان
حفاظ الدين ، وأعقبه التفرق والشقاق ، وكانت تلك الصدمة الأولى التي لم يندمل
جرحها حتى اليوم . أهين ذلك المنصب الشريف الذي كان المرجع في حل
المشكلات ، والضياء في ظلمة الشهبات ، فانفصمت عروة الوحدة وانحلت ربط
(بضمتين جمع : رباط ) الاجتماع ، ونجم عن التفرق في الخلافة التفرق في الدين
نفسه بحدوث المذاهب المختلفة ، ومن الذي يرد ذلك التعدد إلى توحد ، والافتراق إلى
اجتماع وهو من وظائف الخلافة التي نحدث عنها .
من غُص داوى بشرب الماء غصته ... فكيف يصنع من قد غص بالماء ؟
كانت حرمة الخلافة تبيح لعبد حبشي كبلال - رضي الله عنه - أن يعتقل
سيد بني مخزوم ، وفاتح بلاد الرومان ( الشام ) بعمامته في ملأ من الناس ويقوده
إلى أبي عبيدة ليناقشه الحساب ، أو يبعثه إلى الخليفة الذي أمر بذلك .
ومن هنا تعلم فائدة استخلاف الإمام قبل موته من توفرت فيه الشروط ، وهي
قطع عروق الخلاف الذي هو مدعاة الفتنة ومبعث الشقاق والهرج كما حصل ، سنة
استنها الخليفة الأول وأجمع الصحابة على قبولها ، وجنوا ثمار منافعها ، ولكن الأمة
إذا انتكست - والعياذ بالله تعالى - انقلبت منافعها إلى مضار ، وتحولت وجوه
مصالحها إلى مفاسد ، وكذلك كان شأنهم في الاستخلاف ، اتخذوه وسيلة إلى جعل
الخلافة إرثًا محضًا محصورًا في الأقربين والأهل ، وإن كانوا ليسوا بأهل ،
واشترعوا في ذلك شرعًا لم يأذن به الله ، وفات بهذا التوارث معنى اختيار أهل
الحل والعقد من الأمة من يرونه صالحًا لهذا المنصب ، فوسد الأمر إلى غير أهله ،
وهي الصدمة الثانية التي صدم بها الإسلام وأهله ، وإذا أضفتها إلى الصدمة الأولى
وهو تعدد الخلفاء يتجلى لك أنهما كانتا كافيتين لمحو السلطة الإسلامية من القرن
الأول وعدم امتدادها ، ولكن روح الدين نفسه كانت في ريعان شبابها فقويت على
أعراض هذه الأمراض العارضة ، فلم يظهر أثرها إلا بعد ضعف الدين نفسه ، كذلك
يطرأ على الجسم في طور الشباب داء دوي فتدفع أعراضه قوة المزاج ، حتى لا
تكاد تظهر ، فإذا ألمّ بالمزاج ما أضعفه من كبر أو غيره نَمَتْ جراثيم الداء وظهرت
أعراضه ، نعم تغلّب الإسلام بقوته المساوقة للفطرة فكانت طبيعة الوجود مساعدة له
على تدفق سيله الذي أروى العالم وامتداده الذي لم يعهد له نظير في التاريخ .
( لها بقية )
((يتبع بمقال تالٍ))
__________
(*) (الأحزاب : 67) ، وهي فاتحة العدد الثالث والثلاثين الصادر في 16 جمادى الآخرة سنة 1316.

الكاتب : محمد رشيد رضا
__________
اليأس والرجاء في مصر
للأطباء في معالجة الأدواء ومداواة الأمراض طريقتان معروفتان ؛ إحداهما :
مقاومة المرض بمناولة الأدوية في أوقات معينة بمقادير معلومة ، وهي معالجة
المريض بما هو خارج عن ذاته منفصل عن ماهيته . والثانية : الأزم بمنع المصاب
من كل ما يزيد المرض ويطيل أمده ، وهو الذي يسمونه : ( الحمية ) ومحاولة تقوية
المزاج بذلك وبما يستلزمه من تدبير الغذاء المناسب والنظافة التامة واستنشاق الهواء
النقي وحسن الخدمة وإزالة ما يهيج الانفعال ويؤلم النفس من كل شيء .
وهذه الطريقة هي المثلى ، وعليها يعتمد الحكيم النطاسي وبها يثق ؛ لأن
إشعارها تقوية المزاج حتى يقتدر على دفع المرض بذاته ، والعلاج بالأدوية
والعقاقير إنما هو مساعد لقوة المزاج على دفع المرض ؛ لأنه هو الدافع له ، فهو
كالسلاح : لا عمل له في نفسه ولكنه مساعد للشجاع على الظفر .
وعادة السيف أن يزهو بجوهره ... وليس يعمل إلا في يدي بطل
وقد ضرب سيدنا الزبير بن العوام رجلاً فقدَّه نصفين ، فقيل له : ما أمضى
سيفك ! فقال : كلا إنما هي قوة الساعد ، فإذا ضعف المزاج وحرض البدن
لاستحكام الداء ، فالعلاج الخارجي لا يكاد يفيد شيئًا ، وإذا قوي فربما يطرد المرض
من غير مساعدة الدواء ، وأكمل المعالجة ما كانت بالطريقتين معا . فإن القوي
الأعزل إذا غلب اليوم فلا يأمن أن يغلب غدًا ، هذا كله معروف في معالجة
الأشخاص .
ما أشبه أمراض الأمم بأمراض الأفراد ، وما أشبه معالجتها بمعالجتها . إذا
مرضت الأمة بانتشار الجهل فيها واستبداد حكامها ، أو فقد المحبة منها والغفلة عن
الجامعة التي تضمها وتجمعها ، أو الانخداع لعدو في ثياب صديق طوح بها وعمل
على تفريق كلمتها بعنوان الناصح المصلح ، أو الاغترار بنعيم يزول وصفو عيش
لا يدوم ، وأعقب هذه الأمراض افتقاد الثقة بين الحاكم والمحكوم له ، وبين الأفراد
بعضهم مع بعض والالتجاء إلى الأجنبي واتخاذه بطانة والاعتماد عليه والثقة به ،
وكثرة الرشوة والمصادرة والسخرية والتعذيب من الحاكم للمحكوم له ، والسفه
والتبذير من الخاصة والعامة ، وصارت الأمة بهذا كله طعمة لكل طاعم ، ونهبة لكل
ناهب طامع ، وضريت الأمم القوية بصيد بلادها ، وضربت الدول الفاتحة في
أحشائها ، فعظم عليها الخطب وأنساها هذا المرض الأخير جميع ما تقدمه من
الأمراض المتولد هو منها ؛ لأنه هو الذي يودي بحياتها وينتهي بمماتها ( وهو فقد
الاستقلال ) إذا كان هذا كله ، فهل الصواب الاهتمام بمعالجة هذا المرض دون ما
تقدمه من الأمراض ؛ لأنه المذفف على تلك الجروح والمجهز على حياة الأمة ، أو
الاعتناء بمعالجتها جميعًا ؟
أقول : إن السعي بمعالجة مرض نتج من أمراض أخرى تقدمته مع بقاء تلك
الأمراض متأصلة في الجسم عبث وضلال ، وقصارى ما تفيد هذه المعالجة إزالة
بعض أعراض المرض بأدوية خارجية ، ولا يؤمَن بعد إزالته أن يعود هو أو مثله ما
دامت العلة الأولى موجودة بمقدماتها كلها .
وبعد هذا فموضوع كلامنا المسألة المصرية واستقلال مصر ، مرض مصر
الأخير الذي تولد من تلك الأمراض التي أشرنا إليها هو الاختلال الذي انتهى
بالاحتلال الإنكليزي لها ، وأعني بالاختلال : فقد الانتظام من المعيشتين العائلية
والوطنية ، ومن السلطة الحاكمة والاحتلال الإنكليزي .
من شأن المريض الاهتمام بإزالة أشد أعراض مرضه إيلامًا بأقرب الطرق
وبأسرع الأدوية فعلاً ، ولذلك قد تعلقت آمال المصريين بأوروبا وكلما عنَّ سبب
لذكر المسألة المصرية أقلعوا مادِّين أعناقهم إليها وطامحين بأبصارهم إلى فرنسا التي
تحسد إنكلترا على سبقها لهذه الغنيمة ( الاحتلال ) واستئثارها بوادي النيل الذي
يعطيها السيادة على كل دولة عظيمة ، وصار الرأي العام المصري كما قيل :
كلما ذاق كأس يأس مرير ... جاء كأس من الرجا معسول
وأرى أن مسألة فشودة هي آخر ما في طوامير النفوس من الرجاء والأمل
بأوروبا وفرنسا ، فإذا انتهت على ما تحب إنكلترا وترضى ، أو على ما فيه منفعة
الأمتين دون مصر ، فلا جرم أن مرائر الرجاء تسحل ، وأسباب الأمل تقطع ، ولكن
هل ييأس المصريون من الاستقلال وجلاء الإنجليز ؟ أقول : من الحمق أن يعتمد
المريض على الضماد والطلاء الخارجي الذي عسى ألا يفيد ، وإذا أفاد فإنما هو
تسكين ألم أو إزالة عرض ربما يكون زواله وقتيًّا . والواجب الذي لا تخيير فيه إنما
هو الاعتماد على المعالجة الداخلية والعمل على اجتثاث جراثيم المرض واستئصال
ميكروبات الداء وتقوية مزاج الأمة حتى يكون في مأمن من مضرة أعراض المرض،
كما وقع لقبائل المرتة في الهند ، ثم يدفع بطبيعته أصل الداء كما اتفق للولايات
المتحدة في أمريكا .
كل قارئ لهذه الجريدة عنده علم من خروج الأمريكيين على حكامهم
البريطانيين وإخراجهم من بلادهم قهرًا ، واستقلال بلادهم عندما عمتها التربية
وانتشر في ربوعها التعليم الصحيح ، وأما قبائل المرتة الهندية فقلما يوجد عند أحد
من هذه البلاد علم عن حالها ، وإننا نشير إلى مجمل من خبرها فيه عبرة لمن يعتبر.
امتازت تلك القبائل بتهذيب الأخلاق ومحبة جنسها ووطنها واتفاق أفرادها
وتضافرهم على كل ما فيه مصلحة ومنفعة لهم ، واتخذوا لهم رؤساء فضلاء لا
يشذون عن طاعتهم ، ومن سجاياهم حب المسالمة والاتفاق مع مجاوريهم والطاعة
لحكامهم ، ولما دخل الإنكليز بلادهم واستولوا عليها أصفقوا [1] على عدم قتالهم
وسلموا تسليمًا ، ولو كانوا حربيين كقبائل الأفردين لما تسنى لبريطانيا إخضاعهم
أبدًا ، بل لكانت سلطة بريطانيا على خطر منهم في الولايات المجاورة لهم إن لم نقل
في الممالك الهندية كلها ؛ لأن الاتفاق والالتئام في الأمم لا يغالب . سلموا للإنكليز
ولكن أتدري بماذا ؟ عقدوا مجالس الشورى وأقروا باتفاق الآراء على التسليم
للإنكليز بشيء واحد وهو : دفع الإتاوات التي يفرضونها عليهم مهما بلغت ، وما
وراء هذا فكل من تحاكم إلى حاكم إنكليزي يقتل قتلاً ، محقًّا كان أو مبطلاً ، ومن
اشترى من تاجر إنكليزي سلعة يقتل مهما اشتدت حاجته إليها . وعلى ذلك جروا من
غير ما إخلال ، وظلوا على عادتهم في لبوسهم وماعونهم وسائر حاجهم ، حتى تعلم
طائفة منهم الصناعات الإفرنجية في أوروبا ، بعثهم قومهم لهذه الغاية ، فتعلموا
ورجعوا يعلمون ويصنعون ومن ذلك الحين كثر استعمال الماعون والنسج
الأوروبيين ونحوهما .
ولما كانت الطرق الحديدية مما يختص بالحكومة لم يمكنهم إنشاؤها في بلادهم،
وقد كانوا متفقين على عدم الركوب ونقل البضائع في السكك الحديدية التي أنشأها
الإنكليز في بلادهم ، والاعتماد في ذلك على الإبل ونحوها ، ثم وجدوا أن في ذلك
تأخرًا في التجارة فصاروا يركبون ويتجرون فيها . واتفق يومًا أن أحد وجهائهم أراد
السفر في الرتل ( القطار ) الحديدي فأخذ تذكرة من تذاكر الدرجة الأولى ولما دخل
العربة صادف فيها رجلاً إنكليزيًّا أراد منعه من الجلوس معه ترفعًا فأطلعه على
التذكرة التي تؤذن بأن له الحق بالركوب في تلك العربة ، فأصر الإنكليزي على
منعه وأصر المرتي على عدم الامتناع ، فلطمه الإنكليزي ودفع به إلى خارج العربة
فأقلع الرجل عن السفر ، ولم تمض على الحادثة أيام حتى بلغ الخبر لجميع قبائل
المرتة الضاربين ما بين كلكته و حيدر آباد ( ولهم وسائط مخصوصة لنقل الأخبار
وإيصال صوتهم إلى سائر أطراف بلادهم ) وحتم عليهم أن لا يركبوا بعد ذلك في
الأرتال الحديدية ولا ينقلوا فيها عروض تجارتهم . وكان الأمر كذلك ورجعوا إلى
جمالهم ونياقهم وكادت السكك الحديدية المارة في بلادهم الواسعة تبطل ، إذ معظم
عملها معهم ولا شغل فيها لغيرهم إلا ما كان من مسافر سائح أو عسكر ينقل من
مكان إلى آخر ، وبعد البحث من مدير المصلحة علم السبب واجتهد في مرضاة القوم،
وما قدر على مصالحتهم حتى بلغ منه الجهد ، واشترطوا عليه أن ينقل أشخاصهم
وبضائعهم مدة ستة أشهر بدون أجرة ولا مقابل ، فرضي بذلك .
فهذه ثمار بعض الحب والاتفاق الناجمين عن حسن التربية القومية ، فهل
أضرت بأولئك القبائل سيادة الإنكليز عليهم ؟ هل أذلت نفوسهم وملكت عليهم أمرهم؟
هل استحوذت على أراضيهم واستأثرت بتجارتهم وصناعتهم ؟ هل استبدت على
أمرائهم ورؤسائهم وافتاتت عليهم ؟ هل استطاع القبض على زمام تربيتهم وقيادتهم
بها إلى الخضوع لعظمتهم والخنوع لعزتهم ، بله التجنس بجنسيتهم ؟ هل فعلت بهم
شيئًا من الأفاعيل والتي فعلتها بسائر الهنود التي تفعلها في مصر ، وهي لم تستول
على مصر استيلاء شرعيًّا رسميًّا كاستيلائها عليهم ؟
كل ذلك لم يكن ، فعلامَ لا يعتبر المصريون بهؤلاء القوم ، ويندفعون إلى التربية
الوطنية القومية ، وإلامَ يعرضون عن العلاج الصحيح لمرضهم ، وهو تقوية بنية
الأمة بالتربية الصحيحة ، ولا سعادة لهم إلا بها ، وحتامَ يمدون أعناقهم ويقنعون
رءوسهم ويرفعون بأبصارهم على من لا يسعى إلا لمصلحته ، فإن وافقت مصلحتهم
فالعمل لنفسه لا لهم ، والنظر إليه والرجاء به لا يزيدانه سعيًا في مصلحة نفسه ؟
فيا أيتها الأمة التعسة الحظ النكدة العيش هبي من نوم الغفلة وانفضي عن
رأسك غبار الخمول ، ولا تنخدعي لكلام المغررين ، لا تيأسي من روح الله ولا
تعتمدي بعد التوكل عليه إلا على سعيك ، فالعلاج الصحيح الذي يدفع عنك جميع
الأمراض ويذهب مع العرض الأكبر ( الاحتلال ) بسائر الأعراض - إنما يطلب منك
لأنه يتعلق بداخليتك وما هو إلا تعميم التربية الصحيحة والتعليم ، والله يهدي من
يشاء إلى صراط مستقيم .
__________
(1) أصفق القوم على الشيء ، أي : أجمعوا عليه .

الكاتب : محمد رشيد رضا
__________
الإنصاف من مزايا الأشراف

عثرنا على مقالة في بعض جرائد سوريا المستعبدة - بإمضاء ( الفقير السيد
محمد نوري الكيلاني) - ملخصها : أنه اطلع على النبذة التي نشرناها من مقدمة
كتابنا الحكمة الشرعية في محاكمة القادرية والرفاعية في جريدتنا ( المنار ) ووصف
الكتاب رجمًا بالغيب ( بأنه بذر بذور شقاق جديد بين الطائفتين ، وافتتح باب فتنة
سده الله ) وإننا إن زعمنا الحب لجده الكيلاني فعلينا أن نحترم الرفاعي وإن غير
ذلك من مزالق المهالك ، ويجب على أتباع الشيخين أن يضرب به وجه صاحبه ،
وختمها بالتهديد والوعيد على طريقة الذي حركه لهذه الكتابة ، وتمثل ببيتين من
الشعر يومئ بهما إلى أنه متحد مع رئيس الرفاعية سماحتلو الشيخ أبي الهدى أفندي
وأنهما يمزقان بالسر خصمهما ويذيبانه ولو كان من حديد! وذكر أن هذا الخطاب
لعصبية الطائفتين .
وقد ذيل الرسالة صاحب الثمرات الفاضل بأنه يرجو إقفال هذا الباب ، وأن
مقام القطبين محفوظ لا تؤثر فيه العوامل مهما تلونت صبغتها ، ونحن نقول في
الجواب : إن ما وصف به الكتاب سعادة نوري إنما هو وصف غير صحيح ،
والكتاب إنما ألف في وقت احتدام النزاع لأجل سد باب الفتنة ، وبيان الحق في
مسائل الخلاف والنزاع ، لكن لا ينخدع أحد بتلك الشعب التي ذهبت بحرمة الطريق
ورجاله ومست الدين نفسه ويستحيل على قارئها أن يعتقد بأحد القطبين ، بل يخشى
عليه إن لم يكن راسخًا في العلم والدين أن يختل اعتقاده الأساسي ، والكتاب يبرئ
الشيخين من كل غميزة غمزا بها ، ويؤول ما انتقصتهما به تلك الكتب إن أمكن
تأويله ، وإلا يرده ويثبت بطلانه ، ويضع حدًّا للإطراء الذي غالى به جهال أتباعهما
فرفعوهما به إلى مقام الألوهية ، فقول سعادة الباشا : إذا كان يحب فلانًا فليحب
فلانًا أيضًا ، نجيب عنه بخصوصه بأننا نحب الاثنين محبة اقتداء بهديهما ، ولا
نخرجهما عن كونهما عبدين لا يملكان لنا ، بل ولا لنفسهما ضرًّا ولا نفعًا ،
ونحترمهما الاحترام الشرعي ، ولا نعترف بشيء يخالف الشرع ؛ فهو الحق { فَمَاذَا
بَعْدَ الحَقِّ إِلاَّ الضَّلالُ } ( يونس : 32 ) وإذا فهم هذا سعادة الباشا يعلم أن كتاب
الحكمة الشرعية لم يؤلف مرضاة لعصبيته ؛ لأن فيهم أغنياء ومساكين ، ولا لعصبية
الرفاعية ؛ لأن لهم رئيسًا يهب الرتب والنياشين ، وإنما مرضاة للحق الذي لا يعدم
نصيرًا وظهيرًا في كل حين ، فسقط بهذا تهديده ، سواء كان على ظاهره أم إشارة
التي تمكنه مع الآخر من الإيذاء ، وعلى كل حال فتهديده وتهديد الآخر سواء .
ومن آية صدقنا قولنا : إننا لم نؤلف الكتاب إلا لسكب مياه النصح على نيران
الضغائن لتتلاقى القلوب على الصفاء والوداد ، ما كتبناه في التنبيه السادس من
المناقشة العاشرة من الشعب الأول من المقصد الثاني من كتابنا (الحكمة الشرعية.. )
المذكور ، وتلك المناقشة هي في قول ( لباب المعاني ) في القادرية ( يجازون على
الحسنة بالسيئة وعلى الحسن بالقبيح) الوارد في الشاهد التاسع والأربعين من
شواهد السفه والشتم والهجو الشعري في ذلك الكتاب ، وإننا نورد هنا ملخص ذلك
التنبيه وهو :
تخصيصه - أي مؤلف لباب المعاني - صاحب القلادة ( هو أبو الهدى أفندي)
بالإحسان للقادرية دون غيره مع قوله : إنهم يجازون على الإحسان بالإساءة - فيه
إيماء إلى أن من القادرية من أساء إلى مؤلف القلادة نفسه ، وتخصيصه ذلك
بغالب القادرية يكاد يخرجه من الإيماء إلى الظهور ولم يصرح بتلك الإساءة اكتفاء
بوضوح الإشارة ، وتحاشيًا من زيادة شيوعها وعلم من لم يعلم بها ، وهي على ما
ظهر لنا إنكار غالب القادرية (الشرقيين) على كيلانية حماة الذين صاهروا الأفندي
المشار إليه ووقوع النفور بين بعض وجهائهم وبين من صاهره ومن رضي عنهم ،
وشايعهم على ذلك الاعتقاد ، أولئك المنكرين الناقمين أنه ليس كفؤًا لهم من حيث
شرف النسب ، إذ يرون أنه ليس من ذرية أبي الخير أحمد الصياد - قدس سره -
وأن الصياد هذا ليس من الأشراف وإنما هو من عرب اليمن ، والقائلون بشرفه
بانون على أنه عراقي ، قلت : وممن صرح بأن الشيخ أحمد الصياد هذا يمني شيخ
الإسلام التاج السبكي في الطبقات الكبرى ... هذا ما بلغنا - والعهدة على الراوي -
وإذا صح فهو لا يقتضي القطع بإنكار النسب المذكور ، لجواز أن يكو صحيحًا ، ولم
يقفوا على صحته وسيأتي البحث في ذلك في محله .
ولعله صح عند سماحة أبي الهدى أفندي طعنهم في نسبه وقولهم : إنه تمكن
من إشاعة دعواه بواسطة الجاه الدنيوي حتى عرض بنسب جدهم الغوث الأعظم في
كتبه ورسائله المنشورة باسمه ، وإنما لم يطعن بنسبتهم إلى حضرة الغوث قدس
سره؛ لأن طعنه بها لا يقدح في تواترها ، ولا سيما بعد العلم بأن ثمة غرضًا باعثًا
عليه ، واتصال نسب الغوث بالبضعة الطاهرة ، وإن كان متفقًا عليه ومعلومًا
بالتواتر كما يستفاد من عبارة العلامة الآلوسي المارة - وتفصيله في المقصد الرابع-
فالطعن فيه ربما يوهم أن ثمة مطعنًا لأن قائله لم يقله من عند نفسه وإنما يسنده
إلى بعض المتقدمين الذين هم مظنة للصدق والخلو من الأغراض والمنافسات القائدة
إلى هذه المساوي ، والقاذفة في هاته المهاوي .
فإن قيل : من البيّن أن مقصد هذه الشرذمة من الرفاعية إعلاء قدر الرفاعي
وتغليب صيته على كل أولياء الأمة وعلى الجيلي بوجه خاص ، فلأي شيء صرح
الشيخ أبو الهدى أفندي وهو رئيسهم على ما صرح به البحريني في الصفحة 79 ،
بأن الأقطاب الأربعة سواء في النسب والمرتبة والقدم والفيض ، ألا يدل هذا
التصريح على أنه لا يرتضي بكلام تلك الجمعية من الرفاعية ، ولا يذهب مذهبهم
في كتبهم الحديثة التي اختلقوها على بعض الغابرين فضلاً عن كونه رئيسًا لهم كما
يعلم من كتاب لباب المعاني ؟ … فالجواب : لا دلالة في عبارته على ما ذكر ؛ فإنه
كتب تلك العبارة قبل التصدي للإنكار على القادرية ، والشروع أو التمادي في الغلو
في شأن الرفاعي المقارن لغمط حقوق الجيلي ، بل الذي يترجح لناظر نحو ( هداية
الساعي ) من كتبه الأولى : أن غاية قصده إشراب الأفكار مساواة الشيخين ، وربما
لم يكن طامعًا بمساواتهما في الشهرة ، على أن له في تلك الكتب عبائر تشعر
بتفضيل الرفاعي على غيره ، إلا أنه اعتذر عنها قبل إيرادها بأن أتباع كل شيخ
يحق لهم تفضيله على غيره ، لكونه وسيلتهم وواسطتهم ... إلخ . ويوشك أن يكون
كتاب هداية الساعي أول دفتر أنشأه في شأن الطريقة الرفاعية ، كما يؤخذ من مقابلته
بغيره من كتبه في اللفظ والفحوى ، سواء كانت المقابلة في النظم أم في النثر ،
وسواء كان ذلك في مقوله أم منقوله ( وربما ننشر في المنار شيئًا من هذه المقابلة )
ولقد طبع الكتاب المذكور في استانبول سنة 1289 ، وكان مؤلفه يومئذ نقيبًا في
جسر الشغراي أوائل رقيه في مراقي الجاه الدنيوي ، وكان من أخلاقه وعاده في تلك
الأيام التملق لأشراف البلاد ووجهائها وتمداحهم بالأشعار ككيلانية حماة وكيلانية
حلب ، وخلق التملق هو الخلق الفرد الذي ينهض بذويه إلى الحصول على سعادة
الدنيا من المال والجاه ، ولو توخينا الاستدلال على عدم صحة ما ينسب لذلك الرجل
في حق الجيلاني والجيلانية من الكتاب المذكور لكان لنا في غير تلك العبارة المشار
إليها في السؤال دليل واضح على احترامه للقادرية وتعظيم طريقهم ، والثناء على
الإمام الجيلاني ثناء لا يحتف به تعريض بطعن ، ولكن الاستدلال بما في ذلك
الكتاب المؤلف من نحو عشرين عامًا على أحوال مؤلفه وعلاقاته مع غيره الآن غير
معتبر إلا إذا أيده تكذيب ما نُشر بعده من الكتب المخالفة له ، ومع ذلك فلا بأس بذكر
ما هو من شعائر الود والصفاء ، وعلائم المحبة والوفاء ، استمالة للقلوب ، وتذكارًا
للعهود ، وتزييلاً بين أيام المناصبة والمناواة ، وأيام المصاحبة والموالاة ، لعلهم
يرجعون .
ذلك أن سماحة الشيخ أبي الهدى أفندي قد نص في الكتاب المذكور على أنه قد
تشرف هو ووالده الشيخ حسن وادي بخدمة الطريقة القادرية على يد بعض أكابر
مشاهير شيوخها ، وتفصيل ذلك في خاتمة الكتاب من الصفحة 111 - 113 ،
ونص عبارتها بحروفها نشرناها برمتها في الكتاب ، ونأتي بملخصها هنا على ما
شرطنا .
قال - بعد البسملة والحمدلة والتصلية - : وبعد فمِن مَنِّ ربّي علي لي شرف
ثانٍ بخدمة طريقة سلطان الأولياء الشيخ عبد القادر الجيلاني - قدس سره العالي -
وقد تشرفت بالانتساب لخدمة طريقته البهية وحضرته القادرية وأذنت بالخلافة
المباركة من حضرة والدي الأمجد السيد الشيخ حسن وادي بن علي بن خزام بن
علي بن الشيخ حسين البغدادي ابن الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمود الصوفي دفين
شط الموصل الحدبأ الصيادي الخالدي نسبًا الرفاعي طريقة ومشربًا ، نفعني الله بهم
أجمعين ، وسيدي الوالد تخلف ولبس الخرقة القادرية من يد حضرة شيخه زبدة
العلماء وكوكب الصلحاء شيخ السجادة القادرية في حماة ، لا زال قطره عامرًا
بوجوده وحماه ، القائم لله على قدم الوفا ، الشارب من خمر الصفا ، مفتي الإسلام ،
بضعة الأولياء العظام ، كعبة الطالبين ، ومورد السالكين ، مرشد هذه الطريقة بكل
المعاني ، والبدل الحاضر عن حضرة جده الجيلاني ، سيدنا الأمجد المحترم السيد
الشيخ محمد مكرم أفندي ابن المرحوم شيخنا الكبير ، وإمامنا الشهير الشيخ محمد
أفندي الأزهري دفين بغداد بجوار جده الغوث الأعظم ابن حضرة المرحوم الشيخ
عمر بن شيخ مشايخ زمانه وأستاذ عصره وأوانه قرة العين الشيخ ياسين ابن قطب
الدائرة القادرية بالاتفاق دفين حماة الشام السيد الشيخ عبد الرازق - وساق النسب
إلى أن قال : ابن حضرة الغوث الأعظم سلاب الأحوال أستاذ الرجال الدرة البيضاء،
الجامع بين المعشوقين ، الكبريت الأحمر ، الهيكل الصمداني والقنديل النوراني ،
سلطان الأولياء ، باز الله شيخ مشايخ العرب والعجم ، كنز المعارف ، ومعدن
المعاني السيد الشيخ عبد القادر الحسني الحسيني الصديقي الفاروقي المعروف
بالجيلاني - رضي الله عنه - وساق نسبه بلقب السيد لكل فرد إلى الإمام الحسن
السبط - رضي الله عنه - ثم قال : هذا النسب الصلبي المتصل من مرشدنا
وشيخنا السيد الشيخ مكرم أفندي لجده الأعلى صلى الله عليه وسلم . ثم أثنى على
شيخه وشيخ والده المذكور كثيرًا ، منه أنه تمت له الكلمات في الظاهر والباطن ،
وختم ذلك بهذه الأبيات :
يا طالبًا مدد الجناب القادري ... مل للحما الحموي وقف بالحاضر
وانزل بباب الأزهري إمامنا ... شيخ الطريق بباطن وبظاهر
أسد غيور قادري هاشمي ... حصن من الزمن الخؤون الغادر
علم له النسب الرفيع وشأنه السا ... مي سما بحقائق ومآثر
مدد له المدد العظيم وسره ... سيف القضا المردي لكل مكابر
حبر عليّ مناقب أنواره ... كالشمس لامعة لعين الناظر
سر خفي ليس يدركه الفتى ... إلا بعين بصيرة وسرائر
بدل عن الجيلي حل بحينا ... فمقامنا عال بعبد القادر
قل للجهول عميت عن أحواله ... وله العناية كابرًا عن كابر
وعظ الغبي وقل تقدم والتمس ... مدد العلا من خير ركن عامر
فوحقه لا شك عندي أنه ... بدل وقد شهدت بذاك بصائري
وتحققت نفسي حقائق فضله ... يا عاذلي في حبه كن عاذري
أنا لا أمل ولا أميل وإن جفا ... أبدًا وإن قطعت لذاك مرائري
( قال ) : ( وهنا ذكرنا هذه النبذة الجزئية من أحوال السادة القادرية ، وأرجو من كرم الله أن يمن علي بجمع رسالة في ذكر أحوالهم الكريمة لتحصل لي بسببها
بركات همهم العظيمة والسلام ختام ) اهـ . ملخصًا بالحرف .
قلت : فالشيخ أبو الهدى أفندي ووالده الشيخ حسن وادي من تلامذة القادرية
وأتباعهم وأستاذهما ومرشدهما الذي تشرفا بالسلوك على يده في قيد الحياة حتى الآن
(أي وقت التأليف وقد مات) فيجب أن لا يصدهما زخرف الحياة الدنيا عن بره ،
فبر الآباء في الطريق متأكد عند القوم تأكدًا عظيمًا ، وقد أنذروا عاق والده الروحي،
أي أستاذه في الطريق بالحرمان من الفتوح وبالسلب والعياذ بالله تعالى ،
ونصوصهم في هذا المعنى غزيرة شهيرة . ومن البر أن يعلن أبو الهدى أفندي
بتخطئة البحريني مؤلف ( لباب المعاني ) الطاعن بحضرة الغوث الأعظم وبجميع
القادرية على الإطلاق وبشيوخهم بوجه خاص ، وبذلك يظهر أن ذمته بريئة من
تأليفه ومن الحمل عليه ، فإنه متهم بذلك كما تقدم في المقصد الأول ، وأن يصرح
بأن الطعن بالعلامة الشطنوفي وبالإمام الجيلي المفضل في كتب الرفاعية المنتشرة
في هاته الأوقات مختلق لا صحة لمضمونه ولا لنسبته لبعض الغابرين ، وفقًا للحجج
التي ينصبها على ذلك كتابنا هذا ، وبذلك تتبين نزاهته وبراءته مما يشير إليه كلام
البحريني من كونه رئيس لجنة الرفاعية كما هو الرأي للمتنبهين لحدوث نشأتها
وجدة صبغتها .
أما إن هذا لهو خير من التناكر والتنافر والتقاطع والتدابر ، وإذاعة ذلك وسائل
ومقاصد بلسان المطبوعات وفيه جعل آل بيت نبينا مضغة في الأفواه ومشاهير
أسلافنا لماظة بين الشفاه وعسى أن لا يصد سماحة الأفندي المشار إليه عن إجابة
ملتمسنا ما ينقله إليه الهمازون اللمازون ويقته عنده المذاعون عن بعض القادرية مما
يحتمل أن يكون لا صحة لجميعه أو مجموعه عنهم ، ولو فرض أنه صحيح فما
الكلام اللساني إلا عرض يتلاشى في الهواء ، وهم لم يثبتوا في كتاب أو رسالة فيما
علمنا . وعلى كل حال فالحقائق لا تخفى سواء قال الناس أم لم يكونوا يقولون .
وسواء داجى المداجون وصانع المصانعون وأنكر المحادون وكابر الحاسدون .
أم لم يصانع مبتغي الصنيعة ، ولم يكابر باغي القطيعة . وإن كان لابد من
المماثلة { فادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ *
وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ } ( فصلت : 34-35 )
__________

الكاتب : محمد رشيد رضا
__________
عبرة
المنار وجريدة طرابلس

وقفنا في جريدة طرابلس - والمنار تحت الطبع - فرأينا فيها مقالات ترد على
( الحكمة الشرعية ) أو على ما نشر منه في المنار ، بعضها لصاحب الجريدة
وبعضها لآخرين ، بعضها بذاء وسفاهة ، وبعضها اعتدال ونزاهة ، والعجب أن يرد
المسلم الصادق على شيء لم يطلع عليه ، وكفى بذلك دليلاً على نفاق أولئك الكاتبين
وافترائهم ، وكان يمكن من عنده مسكة من الدين أن يرضي من احتاج إلى مصانعته
بعبارة نزيهة صادقة ، كما فعل أحدهم ، ولكن النفاق ليس له حد يقف عنده ، وقد
اتخذت جريدة طرابلس هذه الحادثة فرصة لإظهار حسدها للمنار وراء هذا الستار ،
فطعنت في مشرب الجريدة في أول صدورها ؛ لأنها نددت بالعادات المنكرة
المذمومة ، وبنت هذا الطعن على أن ذلك لا يرضي الناس!! وفاتها أن إرضاء
الحق مقدم على إرضاء الناس ، وإن كانت لنفاقها تقدم الثاني على الأول ، ولولا
حسدها للمنار الذي فضح ضعف كتابتها ونفاقها بعبارته العربية ونزاهته الدينية - مع
كون صاحبه من بلدة طرابلس - لما خصته بالذم على ذلك . وهذه جريدة ( مصباح
الشرق ) الغراء تجري مع المنار في مضمار واحد ، وتنتقد العادات المصرية حتى
المتعلقة بالمنتمين للطريق بأشد مما انتقدت المنار ، فلم لم تذمها على ذلك ؟ ولكن
الحسد إنما يقوى حيث تكون الصلة أقوى من نحو وطنية أو قرابة أو جوار ، ومن
العجيب أن جريدة طرابلس طعنت في المنار بما فيه من ( تنديدات بتقصيرات على
أهل الشرق وتحذيرات من تغلب أهل الغرب بما حازوا من قصب السبق) وكأن
نفاقها يسول لها أن الأولى بنا غش أمتنا ، وقولنا للمريض : أنت صحيح قوي ، فكل
ما شئت وإياك والدواء ؛ لأن ذلك يسره فيرضى عنا ، وزعمت أن الناس كلهم نقموا
علينا وعلى المنار ، وهذا كذب ؛ فوالله العظيم إن أفاضل الناس كتبوا إلينا من
مشارق الأرض ومغاربها يفضلون جريدتنا على كل الجرائد الشرقية ، وأما الثناء
الذي سمعناه ونقل إلينا ممن سمعه شفاهًا من علماء مصر وفضلائها فهو أكثر من أن
يذكر ، ولا تزال الجريدة في نماء ، ومن عجيب الإقبال عليها أن أكثر من يتجدد لنا
من المشتركين يطلب الجريدة من أول سنتها ، حتى تحدثنا بإعادة ما مضى منها ،
ولئن شئنا لنفضحن هذا النفاق ونبين حقيقة أهله ، فنحن أعرف بهم ولكن نعفو
ونصفح . وليعلم المنافقون أن كتابنا وجريدتنا لم يوضعا للطعن في أبي الهدى أفندي
ولا لإساءته فضلاً عن الطعن بالقطبين الكبيرين الجيلاني والرفاعي - رضي الله
عنهما - وكأنهم به وقد علم بحقيقة مقصدنا الشريف ، ومشربنا النقي الطاهر ،
فرضي عنه ، وكأنهم بالمنار يضيء فوق جبال سوريا فيعم أغوارها وأنجادها
فيخطف أبصار الشامتين وتنقطع بذلك ألسنة المنافقين وتحترق قلوب الحاسدين .
{ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ } ( يوسف : 52 ) .
__________