فصول الكتاب

كلمة في سياق هذه الآية:

تأتي هذه الآية بعد إعطاء إبراهيم منصب الإمامة، وبعد إعطائه الوعد بأن يكون من ذريته أئمة، فترينا هذه الآية مظهراً من مظاهر إمامة إبراهيم وواحد من ذريته، وترينا نموذجاً على قيام إبراهيم وإسماعيل بما كُلفا به، وترينا كذلك أن البيت الذي سيكون قبلة للمسلمين ومحجاً لهم إنما وُجد بإرادة تشريفية من الله وبأمره، كما ترينا الحكمة من بناء البيت، وترينا أنه في الأصل بنى للطواف والعكوف والسجود، وترينا أن الأمر صدر لإبراهيم وإسماعيل بتطهيره، ففي الآية تصحيح لمفاهيم أهل الكتاب والمشركين في شأن البيت، وتأسيس للرد على اليهود في شأن القبلة، وتأنيب لمن ينجس البيت بالشرك بعد أن بُني في الأصل للتوحيد، وفي ذلك تأنيب لمن روَّع المؤمنين وآذاهم وفتنهم، حتى اضطروا أن يخرجوا من جواره، وقد جعله الله مثابة للناس جميعاً وأمناً، وفي ذلك دروس لما يستقبل من الزمان.

(ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ) البيت: الكعبة، والمثابة: المباءة والمرجع للحجاج والعمار يتفرقون عنه ثم يثوبون إليه، والأمن هنا: مكان السلام. وقد فسر ابن عباس كون هذا البيت مثابة بقوله: "لا يقضون منه وطراً يأتونه ثم يرجعون إلى أهليهم ثم يعودون إليه"، وقال غيره: "لا ينصرف عنه منصرف وهو يرى أنه قد قضى منه وطراً"، وقال ابن زيد: "يثوبون إليه من البلدان كلها ويأتونه"، وقال كثيرون من أئمة التفسير: إن المثابة: المجمع، وعلى هذا القول يكون المعنى: أن الله عز وجل أراد أن يكون هذا البيت ملتقى للشعوب كلها، وللأجناس كلها، يجتمعون فيه، فيتعارفون وينتفعون، قائمين بأمر الله، عابدين له موحِّدين معظمين شعائره، وأما كون البيت أمناً فمن حيث: إن من دخله كان آمناً، وقد كانوا في الجاهلية يُتخطَّف

 

الناس من حولهم وهم آمنون، واستدل الحنفية بهذه الآية على مذهبهم بأن الجاني إذا أوى الحرم فلا يُتعرض له حتى يخرج، لكنه يُلجأ إلى الخروج بمقاطعته. وسنعقد لموضوع الأمن عند البيت وحدوده واتجاهات العلماء فصلاً.

ذكر في هذا النص: شرف هذا البيت، وما جعله موصوفاً به شرعاً وقدراً من كونه مجمعاً للناس من كل أقطار العالم، يعرف فيه بعضهم بعضاً، ويألف فيه بعضهم بعضاً، ويستمع فيه بعضهم إلى بعض، وينفع فيه بعضهم بعضاً، وهو كذلك، المكان الذي تشتاق إليه الأرواح وتحِنُّ إليه، ولا تقضي منه وطراً ولو ترددت إليه كل عام؛ استجابة لدعوة إبراهيم عليه السلام. (ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ) (سورة إبراهيم) كما وصفه تعالى بأنه جعله آمناً لمن دخله حتى الرجل في الجاهلية يلقى قاتل أخيه أو أبيه فلا يُهيجه، وقد فسر ابن عباس الأمن هنا بأن هذا البيت والقيام بحقه أمن لهذا العالم كله فلا يخرب، قال ابن عباس: "لو لم يحج الناس هذا البيت لأطبق الله السماء على الأرض" قال ابن كثير: وما هذا الشرف إلا لشرف بانيه أولا وهو خليل الرحمن.

(ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ) اختلف المفسرون في المراد بمقام إبراهيم ما هو: قال ابن عباس: "مقام إبراهيم الحرم كله، مقام إبراهيم الحج كله". وقال سعيد بن جبير: "الحجر مقام إبراهيم فقد جعله الله رحمة، فكان يقوم عليه ويناوله إسماعيل الحجارة" وقال السدي: "المقام الحجَر الذي وضعته زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم حتى غسلت رأسه" وهذا القول يلتقي مع الذي قبله في أن المراد بمقام إبراهيم هو الحجر الذي غاصت فيه قدما إبراهيم، فكان آية، وهو الحجر المعروف الآن، والأدلة التي تعضد أن المراد بالمقام إنما هو الحجر الذي كان إبراهيم عليه السلام يقوم عليه لبناء البيت كثيرة، من جملتها، أنه هو الذي عليه عمل الناس وفهمهم خلال العصور، إذ يطبقون هذا الأمر بصلاتهم عند الحجر الذي عليه آثار قدمي إبراهيم، ومنها ما ورد في لحديث الصحيح عن عمر: "قلت يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت (ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ) ومنها ما في صحيح مسلم عن جابر قال: "استلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً ثم نفذ إلى مقام إبراهيم فقرأ (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) فجعل المقام بنيه وبين البيت فصلى ركعتين" ومنها ظاهر قوله تعالى: (ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ) وعلى هذا الاتجاه يكون المعنى: وقلنا اتخذوا من مقام إبراهيم موضع صلاة تصلون فيه.