فصول الكتاب

- قلنا إن الفقرة الثانية في المقطع الأول من القسم الثاني قد ذكرت نموذجين من الناس. نموذج الكاتمين، ونموذج الأبرار. وفي الكلام عن الكاتمين قال تعالى: (ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ). وإذن فكتمان ما أنزل الله جزء من صراط الضالين. والكلام عن الأبرار جزء من صراط الذين أنعم الله عليهم. ولعل هذا يذكر بما ندعو الله عز وجل به كل صلاة: (ﭧ ﭨ ﭩ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭲ ﭳ) ولعله يذكرنا بالمسرى العام لسورة البقرة، وصلته بما قبله من سورة الفاتحة، ولعله يوجد من يلومنا على هذه الاستقصاءات. ونظنه مخطئاً. وسيتضح له خطؤه كلما سار في هذا التفسير، فرأى من الصلات والروابط ما تندفع به أوهام كثيرة لابد من دفعها.

كلمة أخيرة في المقطع الأول من القسم الثاني:

1- لعل القارئ لاحظ من خلال عرضنا لهذا المقطع تشابك الصلات بينه وبين المقطع الذي قبله مباشرة، وبينه وبين كل ما سبق من السورة. وهذا يُري كيف أن كل آية لاحقة تكمل ما قبلها، وتوصل إلى ما بعدها في خطاب مستوعب للنفس البشرية من أين ينبغي أن يبدأ معها؟ وإلى أين ينبغي أن يُسار فيها؟ ولقد رأينا كيف أن المقطع استقر على آية ختم بها الحوار مع بني إسرائيل، ولخصت قضية التقوى ليكون ذلك مقدمة للكلام عن مجموعة أمور تحمي التقوى، أو تحقق بها، أو تعمقها، أو هي جزء منها. وذلك كله مما تضمنته بقية القسم الثاني.

وإذا كان ما بقي من القسم الثاني يشكل جولة جديدة في قضية التقوى، فقد يكون من المناسب أن نقدم لذلك بتلخيص لما مر معنا ليكون ذلك بمثابة مقدمة أولى للكلام عن الثلاثين آية القادمة. والتي هي تتمة القسم الثاني:

مر معنا من قبل:

مقدمة سورة البقرة: وفيها حديث عن المتقين، والكافرين، والمنافقين. ثم جاء القسم الأول وفيه مقاطع، وكله في توضيح معالم الطريق إلى التقوى سلباً أو إيجاباً:

المقطع الأول في تبيان الطريق إلى التقوى، والطريق إلى الضلال:

 

 

 

ثم جاء مقطع آدم. فعمق في الطريقين.

ثم جاء مقطعا بني إسرائيل وإبراهيم كنموذجين على انحراف عن أمر الله، وإقامة لأمر الله. ثم جاء مقطع القبلة، ومحلها في العبادة- التي هي طريق- التقوى، لا يخفى.

ثم جاء مقطع الصبر والذكر والشكر. ومحل ذلك في التقوى طريقاً، وفي العبادة لا يخفى. وهكذا جاء القسم الأول ليبين الطريق إلى التقوى، ويحرر من الطريق إلى الكفر والنفاق والفسوق.

ثم جاء القسم الثاني: يأمر بالأكل من الحلال الذي هو شرط قبول العبادة، وليحرر من السبب الأول في الانحراف عن أمر الله: وهو كتمان ما أنزل الله. وجاءت آية البر لتلخص ما مر معنا من حقيقة التقوى.

والآن يأتي مقطع جديد يتحدث عن القصاص، وعن الوصية: القصاص كطريق يحقق التقوى الاجتماعية، والوصية كحق من حقوق التقوى. ثم يأتي كلام عن الصوم. وهو عبادة وطريق يحقق التقوى الفردية والاجتماعية. ثم يسير السياق.

كلمة في الثلاثين آية القادمة:

في الثلاثين آية القادمة من الآية (177) إلى الآية (207) مجموعة من الأحكام والأوامر، والنواهي، والتقريرات، وغير ذلك. وقد سبقت كما رأينا بآية البر التي تشبه الآيات الأولى في مقدمة سورة البقرة. إذ في كل تعريف للمتقين.

فلنتذكر الآن أن من صفات المتقين أن القرآن فيه هداهم:

(ﭓ  ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ).

ولنتذكر أن المقطع الأول من القسم الثاني ورد فيه:

(ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ).

وورد فيه:

(ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ.. ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ).

 

ثم جاءت آية البر لتذكر الصادقين المتقين:

(ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ).

ثم تأتي هذه الآيات الثلاثون لتعرض علينا جزءاً من هداية الله للمتقين في كتابه.

وهكذا فإن في الثلاثين آية القادمة تفصيلاً في الركن الرابع للتقوى: وهو الاهتداء بكتاب الله، وهكذا. يأتي دور عرض بعض القضايا العملية، بعد تمهيدات طويلة توجد استعداداً للأخذ والتلقي والطاعة. ولذلك نجد كلمة () التي تعني فرض، تتكرر في هذه الثلاثين آية. كما تتكرر صيغ الأمر والنهي. وكل ذلك يأتي بعد المقطع الأول من القسم الثاني الذي هو التمهيد المباشر لذلك.

تشكل الثلاثون آية مقطعين، مقطعاً قصيراً، ومقطعاً طويلاً. وكل من المقطعين يبدأ بنداء (ﮉ ﮊ ﮋ... ). وكل من المقطعين يبدأ بذكر طريق من الطرق الموصلة إلى تحقيق التقوى: (ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ).( ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ).

فلأول مرة بعد قوله تعالى في بداية القسم الأول: (ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ) تحدثنا سورة البقرة بشكل مباشر عما يوصل إلى التقوى بمثل هذه الصيغة (ﮥ ﮦ).

وإذا كان القسم الأول دلنا على طريق تقوى الفرد. فإن هذا القسم يحدثنا عما تتحقق به تقوى الفرد والمجتمع، وإن كان كل من الأمرين لا ينفصل عن الآخر. ولكن الكلام عما هو أظهر.

وإذا كانت الثلاثون آية القادمة تتألف من مقطعين. وقد مر معنا مقطع من القسم الثاني، فإن القسم الثاني على هذا يتألف من ثلاثة مقاطع. يشكل المقطع القادم؛ المقطع الثاني فيه.

كنا من قبل تحدثنا كيف أن القسم الأول من السورة قد وطأ للقسم الثاني؛ فوطأ مقطع الطريقين، ومقطع آدم، والمدخل لمقطع بني إسرائيل، للمقطع الأول في القسم الثاني. وفي مقطع بني إسرائيل يأتي كلام عن قتل رجل، وعن أكل أموال الناس، وعن ظلم الذين يمنعون مساجد الله أن يذكر فيها اسمه. ويذكر أن هؤلاء (ﮂ ﮃ ﮄ ﮅ ﮆ ﮇ ﮈ). ثم ....