فصول الكتاب

فوائد:

1- إن مجيء هذه الآية في نهاية هذه المجموعة، وفي سياق الأمر بالدخول في الإسلام كله. يصحح مفهوماً خاطئاً يمكن أن يقع فيه المسلمون، وهو الرجاء بلا هجرة ولا جهاد. وفيه تهديد لمن ترك بعض شرائع الإسلام ولو أدَّى بعضاً.

2- كانت الهجرة في أول الدعوة الإسلامية مفروضة إلى المدينة. وبعد فتح مكة قال صلى الله عليه وسلم "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية". أي لا هجرة بعد فتح مكة منها. لأنها أصبحت دار إسلام. ولكن ما حكم الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام؟. ومن دار البدعة إلى دار السنَّة؟

قال الحنفية: إنها واجبة من دار الحرب إلى دار الإسلام، ومن دار البدعة إلى دار السنَّة، وقال الشافعية: حيثما استطعت أن تعلن بالإسلام وتجهر به فأقم. فوجودك يجعل مكانك دار إسلام. ولكن حيث لا يستطيع الإنسان أن يجهر بدينه، أو حيث يخشى على نفسه، أو أهله الفتنة هل تجب عليه الهجرة أو لا؟. الظاهر إن كان يستطيع الهجرة إلى حيث يأمن فإنه يجب عليه.

ونعود إلى السياق:

(ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ، : ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﯢ ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ).

ههنا ثلاثة أسئلة وأجوبتها. سؤال حول الخمر والميسر. وسؤال ثان حول الإنفاق. وسؤال ثالث حول اليتامى. والأسئلة الثلاثة جاءت في سياق الأمر بالدخول

 

 

في شرائع الإسلام كلها. وهذه أسئلة عن أحكام الإسلام في أمور ثلاثة وأجوبتها.

(ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ، : ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ). روى الإمام أحمد عن عمر أنه قال: "اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شافياً". فنزلت هذه الآية التي في البقرة: (ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ...) فدعي عمر فقرئت عليه. فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً. فنزلت الآية التي في النساء: (ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ). فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقام الصلاة نادى: أن لا يقربن الصلاة سكران. فدعي عمر. فقرئت عليه. فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شافياً. فنزلت الآية التي في المائدة. فدعي عمر فقرئت عليه. فلما بلغ: (ﭳ ﭴ ﭵ): قال عمر: انتهينا، انتهينا. وفي رواية ابن أبي حاتم بعد قوله انتهينا: إنها تُذهب المال، وتذهب العقل". قال النسفي: (نزل في الخمر أربع آيات. نزل بمكة: (ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ... ). (سورة النحل) فكان المسلمون يشربونها وهي لهم حلال. ثم إن عمر ونفراً من الصحابة قالوا: يا رسول الله! أفتنا في الخمر، فإنها مذهبة للعقل، مسلبة للمال. فنزل: (ﯣ ﯤ ﯥ... ). فشربها قوم، وتركها آخرون. ثم دعا عبد الرحمن بن عوف جماعة، فشربوا، وسكروا. فأم بعضهم فقرأ: "قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون...". فنزل: (ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ). فقلّ من يشربها. ثم دعا عتبان بن مالك جماعة، فلما سكروا منها، تخاصموا، وتضاربوا. فقال عمر: اللهم بيِّن لنا في الخمر بياناً شافياً. فنزل: (ﭔ ﭕ ﭖ) إلى قوله: (ﭳ ﭴ ﭵ). فقال عمر: انتهينا يا رب.

المعنى الحرفي:

(ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ): عن تعاطيهما، وعن حكم الله فيهما. والخمر: مصدر خمّره خمراً إذا ستره. وسميت بذلك، لسترها العقل. والميسر: القمار، مصدر من يسر كالموعد من وعد. يقال: يسرته، إذا قمرته. واشتقاقه من اليسر، لأنه أخذ من مال الرجل بيسر، وسهولة: بلا كد، ولا تعب. أو من اليسار. لأنه سلب اليسار. ( ﯩ ﯪ ﯫ): أي يحتويان آثاماً عظيمة بسبب التخاصم والتشاتم، وقول الفحش والزور. ولما في الخمر من زوال العقل وفقدان

 

الاتزان. ولما يترتب على شربها من أخطاء وجرائم. ولما يترتب على شربها من نقصان أوقات الصحو للعبادة ولإقامة الدنيا. ولما في الميسر من خراب البيوت، وتحطيم الأعصاب، ووجود العداوة. (ﭢ ﭣ) ومنافع الخمر من حيث إن فيها أحياناً بعض النفع للجسد في بعض حالاته، وفيها لذة لمن اعتادها، وفيها مصالح اقتصادية في الزرع والتسويق والتجارة. ومنافع الميسر مثل ارتفاق الفقراء، ونيل المال بلا تعب، وقيام كثير من المؤسسات عليها وقد يستفيد من ذلك خلق كثير. (ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ). فإذا قورنت المنافع بالمضار الآثمة فإن المضار أكثر. والذي يقول هذا هو الله المحيط علماً بكل شيء والذي وحده يملك الحكم الخالي من كل نقص، أو جهل. وهكذا ينتهي الجواب عند هذا الحد. فكانت هذه الآية ممهدة لتحريم الخمر والميسر على البتات. ولم تكن مصرِّحة بل معرِّضة. ولكنه التعريض الكافي لرفع الهمم إلى تركها، ولإشعار المسلم بالمكان الأردأ لهاتين القضيتين. إذ ذكر الإثم مشعر بالخطأ ولكن بما يترتب عليهما، وبما تحتويانه. فأصحاب الشرب والقمار، يقترفون فيهما الآثام من وجوه كثيرة. ومن ثَمَّ يأثم متعاطيهما قبل التحريم القطعي. فمن الذي يستطيع أن يشرب الخمر، ويلعب الميسر، ولا يفعل أثراً محرماً من آثارهما؟!