فصول الكتاب

المعنى الحرفي:

(ﮌ ﮍ ﮎ ﮏ ﮐ ﮑ): هذا أمر عام بالإنفاق في الجهاد،

 

 

والإنفاق الواجب كالزكاة، وصدقة الفطر، والنفقة على من تجب إعالتهم، وعلى من عرفت حاجتهم، وغير ذلك من النفقات الواجبة ودخل في ذلك الإنفاق النافلة. لأن الأمر كان بالإنفاق مما رزقنا الله، وليس كل ما رزقنا الله إياه أوجب فيه نفقة مفروضة. ومن هنا نفهم حكمة تأخير هذه الفقرة. إذ جاءت بعد أن عرضت علينا السورة صوراً من الإنفاق الواجب والمندوب. (ﮒ ﮓ ﮔ ﮕ ﮖ ﮗ ﮘ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ) الخلة: الصداقة. والشفاعة للمؤمنين ثابتة بنصوص كثيرة. فالشفاعة المنفية في هذا اليوم إنما هي الشفاعة للكافرين، أو أن الشفاعة المنفية هي الشفاعة التي لم يُأذن بها. فصار المعنى: أنفقوا من قبل أن يأتي يوم القيامة. يوم لا تقدرون فيه على تدارك ما فاتكم من الإنفاق. لأنه لا بيع فيه حتى تبتاعوا ما تنفقونه. ولأنه لا صداقة بين كافر وكافر. فالجميع يتبرأون من بعضهم، والجميع لا مقام لهم عند الله، فينتفعون من صداقتهم، ولأنه لا شفاعة يومئذ تنفع عنده إلا بإذنه. ولم يأذن أن يشفع لكافر. فإذا كان الأمر كذلك فأنفقوا لله، وفي سبيله، وفي محال الإنفاق، لا تراعوا في ذلك إلا أن يكون ذلك لوجه الله خالصاً فهذا وحده ينفعكم. (ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ) أي: والكافر هو الظالم نفسه، بتركه التقديم ليوم حاجته. حصر الله عز وجل الظلم بأهل الكفر، لأنه لا أظلم منهم في مواقفهم من ربهم، ودينه، ورسله، وأهله. ولا أظلم منهم لأنفسهم، إذ أوردوها النار. وأي شيء أفظع من النار: السجن الأبدي للكافرين. وإن في هذه الآية لدواء لمن مرض قلبه بالإعجاب بالكافرين وبعدالتهم فالكافر هو الظالم مهما ظهر على يده من بعض حيثيات العدل قال عطاء بن دينار: (الحمد لله الذي قال والكافرون هم الظالمون. ولم يقل والظالمون هم الكافرون). لأنه لا يوجد من لا يظلم نفسه نوع ظلم إلا من عصم الله.

كلمة في السياق:

1- تذكرنا هذه الآية (ﮏ ﮐ ﮑ) بقوله تعالى في أول سورة البقرة: (ﭼ ﭽ ﭾ) فإذا كانت هذه الفقرة لها علاقة بالإنفاق، فإننا ندرك سراً من أسرار السياق. إذ نجد في هذه الفقرة تفصيلاً لما أُجمل في بدايات سورة البقرة.

2- نحب أن نذكِّر بمعنى طرقناه أكثر من مرة. هو أننا إذا نظرنا إلى بعض الآيات من خلال السياق العام، فإنها تدلنا على معان، وإذا نظرنا إليها منفردة تدلنا على معان، وإذا نظرنا إلى كلمة منها على انفراد نأخذ معان، وهكذا جعل الله كتابه، لا تنتهي

 

معانيه. نقول هذا بمناسبة أننا قلنا إن الكلام عن الله، وأدلة اليوم الآخر، قد جاء بين الأمر بالإنفاق قبله، والحض على الإنفاق بعده. لأن موضوع الإنفاق في سبيل الله مرتبط بالإيمان بالله، واليوم الآخر. فغير المؤمن بالله واليوم الآخر لا ينفق إلا إذا عاد عليه الإنفاق بمنفعة ما. أما المؤمن، فإنه ينفق لأن الله أمر. ولأن الله سيثيبه في الدنيا والآخرة على ما أنفق. إننا عندما ننظر إلى الآيات الواردة بين آيات الإنفاق، نجد في كل آية على انفراد معاني في موضوعها، ذات دلالات زائدة على ما نفهم من محلها في السياق. وإن كانت تخدم غرضه فلنلاحظ هذا كله فيما يأتي. ولنلاحظ كيف تخدم الآية السياق القريب، والسياق العام.

(ﮣ ﮤ ﮥ ﮦ ﮧ ﮨ ﮩ ﮪ ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ ﯶ ﯷ ﯸ ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ) من كان هذا شأنه ألا يُنفق الإنسان في سبيله، ومن كان هذا شأنه كيف لا يدخل الإنسان في دينه. إذا فهمنا هذه العبارة، أدركنا حكمة مجيء هذه الآية بين قوله تعالى: (). وبين قوله تعالى بعدها: (ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ) وإذا أدركنا مجيئها في سياق الدخول في الإسلام كله فالذين لا يعرفون الله، هم الذين يظنون أنه لا دخل لله في شؤون عباده، أو أن تشريعه ليس هو الأكمل. كيف وهو القيوم، المحيط علماً.

حديث وتعليق:

روى مسلم والإمام أحمد عن أُبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم: "أي آية في كتاب الله أعظم"؟. قال: الله ورسوله أعلم. فرددها مراراً، ثم قال: آية الكرسي. قال صلى الله عليه وسلم: "ليهنك العلم أبا المنذر". وعند أحمد زيادة: "والذي نفسي بيده، إن لها لساناً وشفتين، تقدّس الملك عند ساق العرش".